واشنطن: لم تكن أروقة الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) بحاجة إلى أكثر من تسريب واحد لتبدأ أزمة هي الأكثر تعقيدا وسياسة في تاريخ اللعبة الحديث.
ففي غضون ساعات قليلة، كشفت الوثائق الصادرة من مقر المؤسسة الحاكمة في زيوريخ عن مشروع يمثل نقطة تحول جذرية تتجلى في خطة يقودها جياني إنفانتينو رئيس فيفا، لتأسيس شركة خاصة تحت اسم “فيفا فوروورد إنتربرايز”، تؤول إليها الملكية الحصرية لكافة الأنشطة التجارية والتسويقية والتلفزيونية لبطولات كأس العالم للرجال والسيدات ومونديال الأندية، مع فتح الباب أمام مستثمري القطاع الخاص لشراء حصة تصل إلى 20% من أسهمها.
هذه الخطوة، التي جرى تقييم الكيان التجاري الوليد فيها بمبلغ 20 مليار دولار عبر بنك الاستثمار العالمي “جي بي مورغان” بدعم استشاري من “أوبن إيكونوميكس” والمسؤول السابق لشركة “ليبريتي ميديا” جريج مافي، تستهدف جلب سيولة نقدية مباشرة تبلغ 4.2 مليار دولار.
غير أن التوقيت والآلية التي أديرت بها الخطة فتحت أبواب نيران لم تكن في حسان المسؤولين في زيوريخ، بدءا من اتهامات الهيمنة واستغلال النفوذ، وصولا إلى استدعاءات رسمية من الكونغرس الأمريكي، ودعوات متصاعدة في القارة العجوز لمقاطعة المونديال.
في رسالة سرية من خمس صفحات وجهها إنفانتينو إلى رؤساء الاتحادات الـ 211 الأعضاء في الفيفا، رسم رئيس الاتحاد الخطوط العريضة لصفقته المالية، واضعا الجميع أمام خيارين أحلاهما مر، ومحددا يوم 19 سبتمبر/ أيلول المقبل كمهلة حاسمة لاتخاذ القرار، تمهيدا للتصويت النهائي في المؤتمر الاستثنائي الافتراضي المقرر عقده في 23 نوفمبر / تشرين الثاني المقبل.
عرض إنفانتينو كان واضحا ومباشرا، فالاتحادات التي ستصوت لصالح فتح أبواب الاستثمار الخاص ستكافأ بالانضمام إلى “برنامج فيفا التمويلي السريع”، لتتلقى دفعة رأس مالية فورية قدرها 20 مليون دولار مخصصة للبنية التحتية والملاعب، بالإضافة إلى مضاعفة منح برنامج “فيفا فوروورد” التقليدي إلى 20 مليون دولار أخرى على مدى السنوات الأربع المقبلة (لتصل مستقبلا إلى 22 ثم 24 مليون دولار). وبالتالي ستحصل الاتحادات الموافقة على 40 مليون دولار لكل منها، في مقابل 10 ملايين دولار فقط للاتحادات التي ترفض الخطة وتتمسك بالنظام القديم.
هذا الفارق المالي الشاسع، الذي يستهدف ضخ أكثر من 10 مليارات دولار لتنمية اللعبة عالميا، قوبل بترحيب مكتوم من الاتحادات الصغيرة والفقيرة في إفريقيا وآسيا وأوقيانوسيا.
وتعتمد هذه الاتحادات على تمويل الفيفا لإقامة المراكز الرياضية وتطوير برامجها، وهو الاستثمار الذي آتى ثماره مؤخرا بمساعدة منتخبات ك الرأس الأخضر والأردن وأوزبكستان على بلوغ نهائيات كأس العالم للمرة الأولى في تاريخها. غير أن النقاد والمسؤولين في أوروبا اعتبروا العرض بمثابة “إغراء مالي صريح” لشراء الولاءات وتمرير القرارات عبر الأغلبية العددية.
ظلال ترامب وشبكة كوشنر أو البعد السياسي للصفقة
لم يقف الجدل عند حدود المال والرياضة، بل امتد بسرعة إلى واشنطن، بعدما اتضح أن التحالف الاستثماري المقترح لقيادة الصفقة وشراء حصة 20% هو صندوق “ثرايف إيترنل”، الذي أسسه في أبريل الماضي رجل الأعمال الأمريكي جوشوا كوشنر (41 عاما). وجوشوا هو الشقيق الأصغر لجاريد كوشنر، صهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ومستشاره السابق، ونجل تشارلز كوشنر السفير الأمريكي في فرنسا وموناكو.
ورغم محاولات الفيفا التأكيد على استقلالية جوشوا كوشنر وتوجهاته السياسية المغايرة لعائلته عبر التذكير بتبرعاته للحزب الديمقراطي وزوجته عارضة الأزياء كارلي كلوس، إلا أن القرب الأسري من دوائر صنع القرار في واشنطن أثار حفيظة المشرعين الأمريكيين. فقد وجه النائب الديمقراطي البارز جيمي راسكين خطابا رسميا إلى إنفانتينو يطالبه فيه بتقديم كافة السجلات والاتصالات المالية والهدايا التي تمت بين الفيفا وإدارة ترامب بحلول التاسع من أغسطس / آب المقبل، للتحقق من وجود منافع شخصية أو تضارب في المصالح.
في المقابل، جاء رد البيت الأبيض شديد اللهجة على لسان المتحدث باسمه ديفيس إنجل، الذي وصف هجوم راسكين بالاستعراض السياسي، مشيدا بالشراكة الاقتصادية التاريخية التي تحققها البطولة، مؤكدا أن النجاح المالي الاستثنائي لكأس العالم 2026 حقق مليارات الدولارات ووفر انتعاشا اقتصاديا كبيرا للمدن المضيفة.
كرة القدم ليست للبيع
على الجانب الآخر من المحيط الأطلسي، اندلعت ثورة غضب أدارها الاتحاد الأوروبي لكرة القدم مدعوما بروابط الدوريات الكبرى ونقابات اللاعبين. وفي بيان شديد اللهجة بصورة غير مسبوقة، أكد “اليويفا” أن “روح كرة القدم وإدارتها ليست أصولا للتداول التجاري”، مشددا على أن الفيفا لا تملك اللعبة لكي تبيعها، وأن ما يحدث هو عبور لخطوط حمراء لا يمكن التسامح معها.
ولم تتوقف الردود عند المؤسسات الرياضية، إذ دخل السياسيون الأوروبيون على خط المواجهة. وأصدرت وزيرة الرياضة الفرنسية مارينا فيراري بيانا قاطعا أعلنت فيه أن “كرة القدم ليست للبيع”، محذرة من أن إدخال الملكية الخاصة للأنشطة التجارية للمونديال يهدد بتدمير التوازن الرياضي والمالي للعبة.
وفي بريطانيا، انضم سياسيون بارزون مثل أندي برنهام رئيس الحكومة إلى جبهة المعارضة، بينما قامت رابطة الدوريات الأوروبية بتقديم شكوى رسمية إلى المفوضية الأوروبية في بروكسل تتهم فيها الفيفا بانتهاك قوانين المنافسة واستغلال موقعها المهيمن للسيطرة على الأجندة الدولية دون التنسيق مع الأطراف المعنية.
وفي تطور لافت، تروج في أورقة بروكسل بأن بعض قيادات كرة القدم الأوروبية بدأت تدرس خيارات دراماتيكية، تشمل دعم رئيس نادي باريس سان جيرمان والرئيس التنفيذي لمجموعة “بي إن” الرياضية، القطري ناصر الخليفي، للترشح ضد إنفانتينو في انتخابات رئاسة الفيفا المقررة عام 2027، إلى جانب طرح خيار مقاطعة كأس العالم باعتباره إجراء أخيرا للضغط على زوريخ.
أرقام خيالية وطموحات بدون حدود
تأتي هذه التحركات المثيرة للجدل في وقت تعيش فيها الفيفا أزهى فتراتها المالية، حيث نجحت في تحقيق إيرادات قياسية بلغت 15 مليار دولار في الدورة الممتدة حتى مونديال 2026 (وهو ضعف ما تحقق في دورة قطر 2022)، مستفيدة من توسعة البطولة إلى 48 منتخبا ومونديال الأندية إلى 32 فريقا.
وتتوقع المؤسسة أن تتجاوز إيراداتها في الدورة الحالية 13 مليار دولار، مما يساعد في إعادة ترميم احتياطياتها النقدية التي بلغت 7ر2 مليار دولار بنهاية عام 2025.
ولتحقيق التطلعات المالية للشركة الجديدة “فيفا فوروورد إنتربرايز” وتوفير العوائد الاستثمارية التي تطمح إليها الصناديق الخاصة وصناديق سيادية خليجية، تشير التكهنات إلى أن إنفانتينو قد يضطر لإضافة المزيد من التعديلات على شكل البطولات، بما في ذلك زيادة عدد منتخبات كأس العالم 2030 إلى 64 منتخبا وإضافة 24 مباراة جديدة، أو زيادة الفواصل الإعلانية والتلفزيونية خلال المباريات.
تظهر الخريطة الحالية أن إنفانتينو يعتمد على كتلة تصويتية صلبة تمتد من إفريقيا وآسيا وأمريكا الجنوبية، لكنه في المقابل يواجه تكتلا أوروبيا يمتلك ورقة القوة الفنية، فالقارة العجوز قدمت 6 من أصل 8 منتخبات وصلت لربع نهائي المونديال الأخير، وتستضيف معظم بطولات كأس العالم المقبلة.
وبينما يقترب موعد التصويت في سبتمبر/ أيلول المقبل، يبقى السؤال الشاغل للشارع الرياضي العالمي.. هل تنجح 40 مليون دولار في تركيع المعارضة وتمرير خصخصة المونديال، أم أن السحر سينقلب على الساحر وتتحول الخطة إلى نهاية عهد إنفانتينو في زيوريخ؟
(د ب أ)