خصومة الشعراء


منذ أن عرفنا الشعر على يد جدّنا الشاعر الأول امرئ القيس، عرفنا أيضاً الشعراء الذين ناوؤه وحاربوه ورجموه بالقوافي، ومنهم الشاعر علقمة الفحل، صديقه اللدود، ومنافسه الشعري والحياتي، حتى على النساء.
ولا ينسى المرء هنا وقوف زوجته أم جندب ضده، كناقدة شعرية وحَكَم أدبي بينهما، لتنحاز لشعر علقمة بن عبدة التميمي، الملقّب بالفحل، في مباهلته شعرياً لامرئ القيس وتفوّقه عليه، عقب قراءة لقصيدتين تصفان فرس كل واحد منهما. وحين حدث هذا الانحياز طلّق امرؤ القيس زوجته، وأضاف أمام علقمة وبحضورها قائلاً له «أنا أشعر منك»، وتركها لتلحق بشاعرها، الذي رأته أكثر وهجاً وتفوّقاً في المبنى والمعنى والوصف الدال من شعر امرئ القيس.
طبعاً لم يحفظ لنا التاريخ الكثير من شعر علقمة الفحل، لكن الزمن كان أكثر كرماً في تأكيد وعلو كعب شاعرية امرئ القيس، على مَن نافسه وزامنه في ذاك الوقت. ثم علينا ألا نغفل حياة امرئ القيس، وهو ابن ملك قتيل، حيث كان صديق زمرة من الشعراء الصعاليك، وكانت له صولات وجولات في الرثاء والمديح، وصاحب حياة من لباس ومأكل وشراب، وصاحب مواقف: «اليوم خمر وغداً أمر»، عندما جاءه نبأ مقتل أبيه حجر.
بعد امرئ القيس، كان هناك الفرزدق وجرير، وما جرى بينهما من هجو وذمّ عبر القصيد. وحين توفي الفرزدق في البصرة بكى عليه جرير، كونه سيكون وحيداً وليس هناك من فرزدق ليهجوه. وثمة المتنبي العظيم وخصومه الكثر، من بينهم الأمير الشاعر أبو فراس الحمداني. وكان القاضي الجرجاني في ذلك الحين يحاول القيام بوساطة بين المتنبّي وخصومه، ساعياً لردم الفجوة بينهم.

في مطلع العصر الحديث من بدايات القرن الماضي، ومع بزوغ فجر الدولة العراقية، شهدت الساحة الأدبية الخصومة الشعرية الشهيرة بين الزهاوي والرصافي، وهي خصومة دارت على النبوغ الشعري والسيادة عليه، فالرصافي كان شاعر بلد وشعب وأمّة، والزهاوي كان شاعر دواوين ودولة ومقامات ووظائف حكومية، وكلاهما موهوب في مجاله الشعري، ولكلّ ميزته الفنية وطريقته الجمالية في التعبير، ولكنهما كانا لا يلتقيان ويتنابزان بالكلام المنقول لكلّ منهما، عبر أشخاص كانوا يرون في ذلك وسيلة لتزجية الوقت، أو لمأرب ثقافي يحاول ناقله التقرّب من شخصية الرصافي أو شخصية الزهاوي، هذا الذي كان يرى شاعريته أكبر من شاعرية الرصافي، فهو ندّه الأبرز ولا ثالث لهما في ذلك الوقت المبكر من حياة الدولة العراقية، تلك التي كانت تجرجر أذيالها للخروج من عباءة الحكم العثماني في الإستانة وقتذاك. من هنا انبرى الزهاوي المختال بشخصه إلى قول هذا الكلام :»وللشعر أعباءٌ أقوم بها وحدي». هذا القول قاله الزهاوي في محفل أدبي كبير، ما أثار حفيظة الرصافي على هذا القول النرجسي، والجملة هذه واضحة المعاني في إقصائها لدور الرصافي عن دوره الشعري والثقافي المشهود له في العراق والعالم العربي حينذاك، حيث كان صوت الشاعر معروف الرصافي أعلى نبرة فنية وثقافية وأدبية في الوصول إلى حس وذائقة المتلقي العربي.

لكن هذا لا يقلل من شاعرية الزهاوي، فهو كان صوتاً حضارياً، يتمتع بنبرة فلسفية، وله رؤى فكرية تنويرية، خاصة حول دور المرأة في الحياة العراقية. لكن رغم تفرد كل واحد منهما بفكر خاص وفلسفة وجودية معينة، ورغم مكانتهما الاجتماعية كشاعرين كبيرين ونائبين في الدولة وسلكها الوظيفي، كان الشعر أحياناً يبعدهما عن اللقاء، وأحياناً يقرّبهما، إلى أن تمّت المصالحة بين الاثنين عبر وسيط مؤثر في الحياة الاجتماعية والثقافية والسياسية في العراق حينذاك.
المشكلة هنا هي النرجسية الفائضة عن الحد، وقد تجلّت على نحو ساطع لدى الزهاوي، بقوله الآنف، لكن الزمن يقف دائماً وقفته الحقّة، فللرصافي الآن في قلب بغداد النابض بالحركة والحياة، في منتصف «شارع الرشيد»، تقريباً ساحة باسمه وتمثال كبير وشامخ، يتصدّر مشهد الحياة اليومية في بغداد، تخليداً لمواقفه الأثيرة من إعلاء دور الكائن العراقي، في مواجهة الاستبداد والظلم والقهر الذي تركه المستعمر البريطاني، وهو يحدّث الذين يحكمون آنذاك بالتالي: «علَمٌ ودستورٌ ومجلسُ أمّةٍ ـ كلّ عن المعنى الصحيح محرّفُ».
أما الزهاوي فله مقهى شهير في مطلع شارع المتنبي اسمه «مقهى الزهاوي»، وهو قائم منذ أكثر من ستين عاماً هناك، في ذلك المكان المنتسب عمرانياً وهندسياً إلى بداية شارع المتنبي، وهو قريب من منطقة الميدان، وهذا المكان في الزمن الملكي كان هو المكان الرئيس في الحياة العراقية، لوجود العديد من المؤسسات الحكومية التابعة للدولة، في ذلك الزمن البعيد.الحديث هنا يدور عن قرن كامل، أيام حياة الرصافي والزهاوي، وامتدّ الأثر إلى هذا اليوم، والشارع اليوم هو شارع الكتب والكتبيين، حيث يقوم في نهايته تمثال عملاق يُطل على ضفاف دجلة، إنه تمثال شاعر العربية أبي الطيب المتنبّي، رافعاً يديه في الأفق المفتوح أمامه، دلالة إلقاء الشعر.

مصر شهدت أيضاً خصومة هادئة بين أحمد شوقي وحافظ إبراهيم، ولكن حين تمّ تتويج شوقي أميراً للشعراء هبّ حافظ ليقول قصيدة تكريمية فيه دون ادعاء على أنه الأحق بالإمارة. في عصرنا الحديث شهد أدونيس الشاعر السوري المعروف، الكثير من الخصوم الشعريين الذين نابزوه وناؤوه وكتبوا ضدّه في البلاد العربية. في العراق المعاصر، شهدت الساحة الثقافية في مطلع الخمسينيات من القرن المنصرم حتى نهايتها، معارك ثقافية خفيّة وعلنيّة بين السياب والبياتي، خصوصاً بعد خروج السياب من الحزب الشيوعي العراقي، ثمّ تقريب البياتي كبديل عن السيّاب وخسارة الحزب لصوته الكبير والمُعبّر والمُبشّر بالشعر الحديث، ما حدا بالسياب بالقيام بثورة إعلامية نقدية هجائية آنذاك ضد الحزب الشيوعي ومناصريه، وكان البياتي واحداً منهم.
قبل أكثر من عقدين حدثت مناوشات ثقافية وأدبية وسياسية حادة وثقيلة، بين الشاعرين العراقيين سامي مهدي الذي كان يعيش في بغداد وسعدي يوسف، الذي كان يقيم في الخارج، وما أن خمد أوارها حتى اشتعلت المواجهة بين الشاعرين الفلسطينيين محمود درويش وعز الدين المناصرة، وكان درويش يبدو غير معنيّ بالمعركة، التي كان يثير المزيد من غبارها المناصرة، لسبب يتعلّق بالشهرة والنجومية والانتشار الواسع، الذي رافق درويش منذ انطلاقته الأولى.

شاعر وكاتب عراقي



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *