حاتم الصكر (1945) في طليعة نقاد الشعر المجددين، فتح عينيه على الشعر ولم يهجره طوال عقود خلت. فقد اهتم مبكرا بحداثة الشعر العربي عامة، والعراقي بوجه خاص، وفي كتابه «الأصابع في موقد الشعر» (1986) أعلن عن رؤيته النقدية كقارئ للشعر يولي الأولوية للتحليل والتطبيق والتأويل، مع ما يستتبعه الأمر من مراعاة المرونة المنهجية والتكييف، بما يناسب خصوصية النص العربي، لا سيما تحت سطوة «نماذج» النظرية الغربية. وبما أنه شاعر، فقد أورثه الشعر ـ كما يقول- لغته المبدعة وابتكار المداخل والعناوين والعزوف عن التجريد النظري. ورغم ما تشهده الحداثة من حالات أزمة تطاول الشكل كما المضمون، فهو ما زال يؤمن بأن الشعر لم يستنفد الأسئلة الأساسية، ولهذا درج على الاهتمام بما فيه اعتبار نوعي ونداء داخلي دائم. وحتى عندما كانت قصيدة النثر نفسها تواجه أعداءها من الداخل قبل غيرهم، من أدعياء اقترافها وأخطاء تصورات الطفيليين، كان ينحاز لها بالمعرفة، ويعتقد أن كثافة النصوص في راهن كتابتها سوف يتطور ليصبح جزءا من هويتها النوعية والجمالية، فلا تعود تلك «الثمرة المحرمة» في شجرة الشعر العربي.
ولا ينكر المتتبع لمشروعه النقدي ما للكتابات الذاتية داخله من اعتبار خاص، حين نزع إلى تقصي كتابة الذات وقيمها الجمالية وموقعها داخل السرد والشعر، مطلعَ التسعينيات في كتابه «كتابة الذات: دراسات في وقائعية الشعر» (1994). وفي «مرايا نرسيس: قصيدة السرد الحديثة في الشعر المعاصر» (1999)، ركز على ما هو سيري في القصيدة أو العمل الشعري، وكيفيات بنائه، أو تشكلات عناصره بفعل مركزية التخييل الشعري، وكان كل ذلك بمثابة فتح في نقد الشعرية العربية. وما زال حاتم إلى اليوم يتهيبُ أوان كتابة ذاته كما لو «أن أحدا سواي قضى سنينها بدلا عني، بمتعها القليلة وخسائرها الكثيرة»!
* في أصل تكوينك الأدبي شاعر، كتبتَ القصيدتين التفعيلية والنثرية بين شعراء جيلك من السبعينيين وصدرتْ لك خمس مجاميع شعرية، ولكن عملك النقدي الفذ والمتواصل صرف الناس عن الاهتمام بشعرك. ألم يكن يَضيرُك ذلك؟
ـ هذا سؤال جوهري حول الصلة بين الشعر تجربة وإنجازا وهوية، بكونه كتابة، وبالنقد كفاعلية قراءة وتلقٍ خاص وتحليل وتأويل في المقام الأول. الإزاحة التي حصلت في حالتي من الكتابة إلى الكتابة على الكتابة، إنما هي تجسيد للانجذاب بفعل تلك الإزاحة، والانصراف عقليا وعاطفيا للاقتراب من الشعر قراءة لا كتابة، لاختبار اليقين والتحقق من الفرضيات وكأني أود اختراق جدار القصيدة والتعرف على مكوناتها وأسرارها، وما تخفيه، وما يمكن أن يزيد صلتنا بها. وهذا خفف من ندمي على الصلة المنقطعة، أو الموسمية بيني وبين القصيدة كنص، وعوضني عن الاهتمام النقدي بشعري. عشت سفرا جذابا بين بحر الشعر وضفافه، لا لهجرة أمواجه وإحراق السفن، بل للالتفات إليه والنظر، واختبار القناعات التي ولدتها القراءات والتجارب، والشغف بما حول الشعر. التفت وأنا على ساحله، وطال وقوفي وتأملي لموجاته المتجددة قريبا منه. كنت أنتظر الموجات الأكثر غورا، المتجددة كمياه هيروقليطس، ولكن بوتائر أقل سرعة، لأن العوائق لم تكن سهلة. المتن الشعري العربي الضخم يلبث في بحر الكتابة، متعقبا كل ندةٍ خارج النسق. ووجدت نفسي مغرما بما يُكتب لوصف حالة الشعر، ثم لتأمل دلالاته، وأخيرا للتفكير بمستقبله. تأثرت كثيرا بما أقرأ من نقد في مجلة «الآداب»، وبابها الأشهر (قرأتُ العدد الماضي)، ثم تحت ضغط الدراسة الجامعية، رجعتُ إلى كتب نقد الشعر كـ»الطبقات» و»العمدة» وكتب الجاحظ وغيرها. وجدتُ في التراث ما زاد الانجذاب للإنصات للشعر، وللقصيدة المتجهة منفردة لهدفها، لا يوقفها تراكم تجارب الشعر، أو ما استقر من تقاليد ونزعات ظلت طويلا مثل جيناتٍ يصعب تجاوزها، حتى أغرقتْها موجات التحديث التي انتميت لها بشدة، وشيء من التمسك الأيديولوجي. فقد صار التحديث مهمة حضارية ونفسية واجتماعية أيضا.
تراجع موقع كتابة الشعر عندي، واقتنعتُ بقليله الموسمي، مع شعوري بأن الصلة بالشعر عُشقية، لا تقبل العيش على الضفاف، أو في الهامش أو الحاشية. الاهتمام بشعري كان قليلا. الأكاديميون يبحثون عن كم مناسب للدرس، ولكن ثمة استثناءات أذكر منها باعتزاز رسالة الفقيد محسن أطيمش عن الظواهر الفنية في الشعر، ومن بعض النقاد الأدبيين أيضا. أورثني الشعر لغته، وابتكار المداخل والعناوين، والسياق النقدي المبتعد عنوة عن التجريد النظري، وكذلك الانغماس منذ بداياتي، في التحليل أو التطبيقات على النصوص. ولاحظ ذلك زملائي وكثيرٌ من القراء.
*من الأول اهتممت بحداثة الشعر العربي عامة والعراقي بوجه خاص؛ أي منذ أربعة عقود ونيف، وكان الاهتمام بالمنهج يقع في صميم هاجسك النقدي. ما هي أبرز المصادر النظرية والمعرفية التي أثرت في فكر الناقد حاتم الصكر، وقدمته بوجه مغاير في الوسط الثقافي والأكاديمي العربي؟ وهل تعتقد أن غياب المنهج اليوم في نقد الشعر جزء من هجرانه وعدم جاذبيته من طرف المشتغلين بالأدب؟
ـ هذا صحيح تماما. تشخيص السؤال لموقع فعل التحديث في فكري النقدي. فقد كانت مسألةَ قناعةٍ بأن كل شيء قابل للتطور والتغير: الشعر ذاته، ونقده بالضرورة. وأصبح هذا منهجا أتبعه في اشتغالاتي. كنتُ أحس بوجودي ضمن اصطفاف عريض مع دعوات التحديث والداعين لها. من التراث النقدي ألهمني عبد القاهر، وبرر لي كتاباه شغفي بالغموض والغامض بديلا للمباشرة والسهولة، وحفزني بنظريته عن النظم ومعنى المعنى على الاهتمام بأبنية النصوص، ثم بالدلالة وليس شرح المعاني، أو القياس البلاغي الجامد للصورة والخيال. وفي النقد الحديث كانت المدرسة المصرية، وبدايات النقد العراقي والمهجري، والشابي في رسالته عن الشعر، ونصوص أخرى مشجعة لي في اختيار التحديث المستمر. كنتُ أقرأ الترجمات النقدية للعربية من الأنكلوسكسونيين والنقد الجديد خاصة، لكن الطفرة الكبرى كانت في الانفتاح على آفاق التحديث البنيوي بتياراته المختلفة، وصولا إلى ما تطرحه مدرسة كونستانس حول القراءة والتلقي وكتابات ياوس وآيزر، ومن الفرنسية من دون شك، بارت وجينيت وكريستيفا وتودوروف، ومن الشكلانيين الروس كذلك وسواهم. وأخيرا، أمبرتو إيكو ودفاعه عن التأويل ودراسة الإشارات والعلامات في النصوص، وهابرماس، الذي شدني بيقينه حول الحداثة المستمرة، واعتراضاته على شعبوية ما بعد الحداثة، وتبسيطها للنقد والكتابة عامة.
وقد سجلتُ في كتابي «نقد الحداثة» قراءتي لبعض ما ظهر من كتابةٍ تُحايث حداثة الشعر، بالتمهيد لها، أو البحث في قضاياها. نقاد ممن تأثرت بما وصلني من خطابهم ونصوصهم النقدية، أو وجدتُني في تقاطع مع بعض ما قدموه. وهكذا اجتمعت عُدة مختلفة المراجع منصهرة في تفكيري، وظاهرة في نصوصي النقدية. وعمدتُ أن أهضم التنظير، من دون التركيز على الفرضيات والتفاصيل المبالغ فيها، كالمصطلح المتعدد الذي يسميه محمد مفتاح (تكثير المصطلح)، أو الانشغال بالتنظير أكثر من النصوص ذاتها. وأعتقد أن تلك المحاولات التي بدأت بها محللا للنصوص في كتابي المبكر «الأصابع في موقد الشعر» كناية عن اعتقادي بما تتطلبه قراءة الشعر، كانت إعلانا عن اصطفاف مع التحليل والتطبيق والتأويل. وتلك أسميها (الرؤية النقدية) التي هي عندي أكثر أهمية من المنهج، كإعلان عن عينة دم الناقد والكاتب. لكن الكتابة اللامنهجية ستعيد لنا مراحل متخلفة من النقد التي بدأت بما يعرف في عصر النهضة بالانتقاد بمحموله الاجتماعي، وهو قريب مما كان بارت يعاير به من يكتبون ما يسميه (نقد الدردشة)، الذي يبتعد عن إجراءات المنهج الموصوف وخطواته ومستويات تعامله مع النصوص. وهذا جزء من أزمة النقد الأدبي، وتشمله مخاوفنا بصدد ما يتعرض له من مواجهات، تنال مصير النقد الأدبي برمته. إن المرونة المنهجية والتكييف بما يناسب خصوصية نصوصنا العربية، هما ما كنت ألح عليه. وغيابهما مسألة تعيق النقد الأدبي ذاته، إلى جانب خطر الدعوات التي تتخفى وراء النقد الثقافي بنسخته العربية، داعية لميتةٍ أخرى استعراضية الدافع حول موت النقد الأدبي، والمستكملة لجنايتها بالدعوة لهجر النوع الشعري، بدعوى انتفاء الحاجة لغنائياته وأنساقه وجمالياته!
سجلتُ في كتابي «نقد الحداثة» قراءتي لبعض ما ظهر من كتابةٍ تُحايث حداثة الشعر، بالتمهيد لها، أو البحث في قضاياها. نقاد ممن تأثرت بما وصلني من خطابهم ونصوصهم النقدية، أو وجدتُني في تقاطع مع بعض ما قدموه. وهكذا اجتمعت عُدة مختلفة المراجع منصهرة في تفكيري، وظاهرة في نصوصي النقدية.
*بعد هذه العقود وما أعقبها من تحولات نصية وخارج نصية، هل يمكن القول إن الحداثة الشعرية قد استنفدت أسئلتها وقضاياها الأساسية، بل أعطبها التكرير الذي لا جدة فيه؟ وما مآل قصيدة النثر التي اعتبرتها «داخل ثمرة شجرة الحداثة الشعرية»؟
ـ أستعير هنا، وبصدد مكانة الحداثة الشعرية وديمومتها، قولا ملخصا للشاعر والمترجم هاتف جنابي في لقاءٍ معه، وهو: (إن الشعر دولة الأدب العميقة)، لأنه متمدد في الأنواع القريبة، ومنفتح على الاقتراض منها، وتزويدها بإجراءاته وآليات اشتغاله. ها هو ذا كما في آخر كتبٍك مثلا «السيرة الذاتية: النوع وأسئلة الكتابة)، يُستضاف في كتابة سيرة ذاتية لكنها مُشْبَعة بعناصر التخييل، حيث تتجلى الذات وتتخفى. يتعقب بَوْحَها قراءٌ معنيون بإفناء تلك الذات، كما ينوه موريس بلانشو، عبر تأويل نصوصها السيرية، ليتعرفوا عليها في ما وراءها، وفي المسكوت عنه فيها. وها هو ذا، أي الشعر، في صلب السرد لغة وتخييلا وإيقاعات أحيانا. حداثة الشعر دوما يحكم بها التقدم والتطور والجديد المتقدم للمستقبل. فهو يغير بحداثته النظرَ للقصيدة ويختارها ابنة نافرة من وصايا الأب الشعري، بينما لا يجد السرد نفسه إلا في الخط الذي يستقر في السرديات ويتبلور. كما أن الحداثة والشعر نفسه لم يستنفدا الأسئلة ولا (القضايا الأساسية). وقد صار استيعاب الأسئلة والقضايا بكيفيات متقدمة، مثل الهيئات الخطية في الكتابة، والاقتراض من التاريخ، والجرأة الموضوعية والأسلوبية، وكلها عناصر ترشح الشعر لزمن قائم وآخر قادم. خذ الهايكو مكيفا بالرغبة للتكثيف، وتحقيق ما قيل عن المجانية التي يتحول فيها الموضوع إلى كثافة نصية وإيجاز دال ومؤثر. شاعت كتابته وانتعشت الكتابة الشذرية، واختفت الثرثرة، والعناية بتفاصيل مرهقة، تخلق الترهل في الجسم اللغوي والإيقاعي للقصيدة.
أما التساؤل عن مآلات قصيدة النثر فهو، كما أراه، تصويت على أنها نضجت وترسخت. دخلت الدرس الجامعي، وتنوعت أساليب كتابتها، ونالت شرعيتها رغم اضطراب مصطلحها، ومعاناتها من الكتابات القاصرة المتخفية تحت لافتتها، مع أن كتاب تلك النصوص يقعون في ما سماه أدونيس (أوهام الحداثة) وأخطاء تصورات الطفيليين عن كونها نثرا لاشعريا.
المستقبل في الشجرة الشعرية سيمضي لصالح حصاد قصيدة النثر المنفتحة نصيا والمتجددة جماليا. وأحسب أن كثافة النصوص في راهن كتابتها سوف يتطور ليصبح جزءا من هويتها النوعية والجمالية. لأنها تتموضع في قلب العصر، وتستجيب لفاعلية التلقي وجوهر الحداثة. ولم تعد (الثمرة المحرمة) في تلك الشجرة الشعرية كما وصفتُها في عنوان أحد كتبي عن شعريتها وإيقاعاتها، التي نالها التكفير والتنفير عن جهلٍ أو انغلاق.
*لا ينكر المتتبع لمشروعك النقدي ما لكتابات الذات داخله من اعتبار خاص وقيمة مخصوصة، لا سيما بعد صدور كتابك المؤثر «مرايا نرسيس: قصيدة السرد الحديثة في الشعر المعاصر» (1999). كيف تنظر اليوم إلى واقع الكتابات الذاتية وما حدث فيها من تشظ هوياتي وتداخل أجناسي أثرَ على صورة الأدب المعاصر؟
ـ بدأت ميولي لتقصي كتابة الذات وقيمها الجمالية وموقعها في السرد والشعر في مطلع التسعينيات بدراسات ضمها كتابي (كتابة الذات)، وفيه استعنت بالقواعد التقليدية والشروط الصارمة التي ترسخت عن الكتابة السيرذاتية، كشخصية الكاتب ومنجزه، وضمير المتكلم وسيلة للكتابة، والصدق وسوى ذلك. لكنني بعد حين التفَت إلى إمكانات التخييل في السرد السيرذاتي وتمدد النوع السيري إلى حقول مجاورة، لا سيما الرواية، حيث تبنيتُ وجود سيرة روائية ورواية سيرية، حسب مركزية الخطاب فيها، وموقع المتكلم السيري. لكن (مرايا نرسيس) كان فرصة لفحص ما هو سيري في الشعر، وكيفيات ظهوره في متون القصائد. ولم تكن النصوص كافية لذلك. وبعد تنويهات المهتمين بالنوع السيري، بدأ الشعراء يعمدون إلى أنواع من السير في شعرهم، ذكرت منها السيرة المكانية والرحلية، والسيرة الثقافية، والسيرة النسوية. هنا تقصيت الوعي النوعي (الجندري) لدى الكاتبات، والمحددات المضادة لكتاباتهن، ودرجة البوح والترميز الذي وصفته بالترميز القهري في عنوان أحد كتبي. ولكن قدراتي المتحصلة في النقد الشعري لم تكن تسعف للولوج إلى السرد في القصيدة والكتابة السيرذاتية أيضا. كنت أرى الشعر نقيضا للسرد على مستوى التجنيس، وكانت تعنيني الفقرة التجنيسية في عتبات الغلاف او التعريف بالعمل. ولم ألاحظ ما يضمه النص الشعري من قيم سيرذاتية ما دام الشاعر لا ينص على ذلك. كان على القراءات النقدية ذاتها في الحقيقة، أن تتقصى ما هو سيرذاتي في النصوص، وكيفية بنائه ومستوى التخييل فيه، وصلته بالواقعة السيرية. ولما تنبهت لذلك صرت أحفر في أبنية النصوص، بحثا عن تشكلات عناصر السيرة في القصيدة أو العمل الشعري.
لا تزودنا القصائد ببطاقات معنى أو تعريف بالوقائع المسرودة شعريا. كان علينا أن نقرأ عمل درويش «لماذا تركتَ الحصان وحيدا» لنستدل على الخريطة السردية فيه، وأين تتوقف الحدود والملامح وتشتبك العناصر المتمثلة وتلك التي يتيح لها المخيال في الشعر أن تتبنيَن، ولكن بشفافية ومن وراء غطاء جمالي خاص بالبنية الشعرية. وكتاب «مرايا نرسيس» كان تنقيحا للقناعات، بدءا من العنوان الذي خضع في أطروحتي للدكتوراه لقيود أكاديمية لا ترتضي العناوين غير المشيرة مباشرة للموضوع، فأصبح العنوان عند نشر الكتاب إحالة لحالة مرآتية وجدتها في النصوص التي صنفتُها ضمن سرد ذاتي وآخر موضوعي. تبدو النصوص الرمزية والأسطورية والحكائية والسيرية بينها وفي ثناياها.
سوف تزداد مع الوقت جرأة الشعراء لبث سيرهم متناص متشظية، مموهة أو مشيرة بعلامات وصور ذاتية. وهذا أحد تحولات الكتابة الشعرية، لا سيما في الشعر التفعيلي وقصيدة النثر. بينما انهمك (العموديون) في السرد الخارجي، وإنجاز سير غيرية كما يسميها إحسان عباس، تمييزا لها عن النوع السيرذاتي، فيكتبون في الحماسيات والأبطال وبطولاتهم، والمناسبات الدينية والتاريخية، مع تنويعات سياسية أو وطنية ملائمة لمنهج كتاباتهم الغنائية، والحافلة بزعيق الإيقاع وعناصر الشفاهية والخطابة. لكن قصيدة النثر في ظني قدمت دفعة قوية من المساحة للسرد السيرذاتي بإهمال المحاور والعناصر الأخرى.
*في سياق الاهتمام بالسيرة الذاتية في الشعر، هل يمكن الحديث عن «ميثاق تخييلي» مختلف عما في السرد؟ وكيف يكون ذلك تأسيسا لهوية شعرية جديدة غير تلك التي سادت من قبل وكان فيها الصوت الجمعي غداة الالتزام هادرا؟
ـ لا شك في أن الاختلاف عن السرد في مستوى التخييل، وخصوصيته في الشعر والسيرة الشعرية سيكون واضحا. إن الانشقاق الجمالي الأكبر في اعتقادي مجلوبٌ بفعل مركزية التخييل الشعري وخطية أو رتابة التخييل السردي، انصياعا لتصوير الوقائع والوصف والأحداث. لكن الشعر لا يخضع لترتيب تلك العناصر. حرية القصيدة تكمن في خلق عالم مواز مغاير للخارج، وإن أشار إليه أو اعتمده مرجعا، سيكون الصوت الجمعي بالتأكيد. لكن للشعر قدرته على موازنة الذاتي والجمعي، وهو ما يفعله الشعراء المكرسون بخبرتهم الشعرية وإدراكهم لميثاق القراءة، وفي الميثاق السيرذاتي خاصة. والخروج على الالتزام حتى بقواعد السيرة، فضلا عن مواضعات الواقع واستحقاقاته المباشرة، التي يقدمها النص الشعري الحديث بأشكال وأساليب تتجنب المباشرة وخدمة تلك الالتزامات التي تُعد معوقات لبناء السير الذاتية المتخلصة من الكوابح الرقابية وموانع البوح. التخييل الشعري خزين لا ينضب. والشاعر يمكنه أن يدس في مجرى الشعر الكثير من الإشارات والرؤى والاسترجاعات. من هنا أرى أن السؤال أحسن في التنبيه على الهوية الشعرية الجديدة. وفي الكتاب الذي قمتَ مشكورا بإعداده ونشره عن «الكتابات الذاتية: قضايا وإشكالات» (عالم الكتب الحديث، 2026)، كانت مساهمتي تتركز في رصد نماذج من حوارات الشعراء التي تتضمن كِسَرا سيرية تُصاغ بنثر مؤثر يلائم المادة السيرية.
* لو سألتك عن مغزى الحياة التي عشتها، هل يكون ذلك حافزا إضافيا للعودة إلى الماضي وكتابة سيرة ذاتك؟ وما هي الذكرى الحاسمة أو النواة الأكثر وَقْعا داخل هذه السيرة؟
ـ يشارككَ أصدقاء كثر في السؤال عن أوان كتابتي لذاتي، تلك التي عشتها وكأن أحدا سواي قضى سنينها بدلا عني، بمتعها القليلة وخسائرها الكثيرة. وهو عنوان اخترته وأطلقتُه على مجموع أشعاري الذي جمعته وحررته للنشر رائدة العامري لغرض الإشراف على دراسة إحدى طالباتها في مرحلة الماجستير؛ وهو (ربما كان سواي في الدواوين الأربعة). كنت عجولا في كل تفاصيل أو مفردات حياتي: الدراسة قبل السن القانونية، والزواج المبكر مطلع العشرينيات، والسفر في العشرينيات أيضا والاغتراب مدرسا ثانويا في عدن بعد تحريرها من الاستعمار البريطاني. ولكن آخر حياتي كان باهظ الثمن. دراستي الأكاديمية تأخرت إلى مشارف الخمسين، والفقدانات الكبرى لوالدَي وولدي وبعض إخوتي وسواهم، اندرجوا في تقويم الفقد. والشتات أيضا له وقع كبير، لا سيما في المرحلة الأمريكية التي كانت من تداعيات تلك الفقدانات والخسائر. هكذا ترى غنى كبيرا في المادة السيرية، لكنني أحس بتأخري عن الكتابة. وأيقنت تماما بما ذكره عبد الله إبراهيم عن سيرته المنشورة «أمواج»، بأن السيرة إما أن تكتب قبل الشيخوخة، وفي مذكرات ومدونات منتظمة، أو يكون مصيرها النسيان، والزهد بالإحاطة بها في مدونة سيرية.
نواة السيرة وخليتها المولدة أو الرحِمية باصطلاح جان بيير ريشار، سوف تتمحور لو دونت سيرتي، بما لم أدركه، وما ترك شظاياه في القلب، وبمن خذلني أو مارسَ فكرة قتلِ الأب في نكرانه، وتفاصيل المكان وزمن الوعي. ولكن ستبرز في تركيز كبير، فقرةُ الفقد، وثنائيةُ العُجالة والتأخر زمنيا، كواحدة من الثنائيات المتحكمة في خط سير حياتي.