حين يطلب الأثرياء ضرائب أعلى: المواطنة بين المال والوطن


في مشهد نادر في العلاقة بين المال والسلطة، وجّه نحو 120 مليونيراً بريطانياً رسالة إلى رئيس الوزراء البربطاني الجديد آندي بيرنهام، يطلبون فيها من حكومتهم فرض ضرائب أعلى على ثرواتهم. وجاءت المبادرة بعد عرض وثائقي على القناة الرابعة البريطانية بعنوان «كيف تصبح ثرياً فاحش الثراء» (How to Get Filthy Rich)، من تقديم غاري ستيفنسون، المتداول المالي السابق الذي تحول إلى أحد الأصوات المعروفة في الدعوة إلى ضريبة الثروة عبر قناته على يوتيوب.
المطلب هو ضريبة سنوية بنسبة 2 في المئة على الثروات التي تتجاوز عشرة ملايين جنيه إسترليني، مع إبقاء محدودي الدخل خارج أي زيادة ضريبية، وهو ما تقدّر الحملة أنه قد يوفر نحو 36 مليار جنيه إضافية للصحة والتعليم. بين الموقعين أسماء معروفة، من غاري لينكر (لاعب كرة قدم) إلى براين إينو (موسيقي) وريتشارد كيرتس (كاتب ومخرج) وديل فينس (رجل أعمال).
تقف وراء الحملة منظمة «المليونيرات الوطنيون في المملكة المتحدة» (Patriotic Millionaires UK)، وهو اسم يستعيد مفهوم الوطنية من قاموس ارتبط طويلاً باليمين، ليطرح أصحاب الملايين معنى آخر: حب الوطن قد يظهر في المساهمة في مؤسساته حين تحتاج إلى الدعم.
لكن المشهد يحمل وجهاً آخر. فمنذ عام 2016، مع استفتاء بريكست وما تبعه من خروج بريطانيا من السوق الأوروبية الموحدة وارتفاع الحواجز أمام التجارة والاستثمار، إلى جانب تغييرات متتالية في النظام الضريبي، تراجعت جاذبية بريطانيا لدى بعض أصحاب الثروات، فاختار عدد منهم نقل أموالهم أو إقامتهم إلى دول توفر بيئات ضريبية واقتصادية أكثر جاذبية. ويقال إن نحو 47 ألف مليونير غادروا بريطانيا خلال هذه الفترة، رغم أنها لا تزال ثالث أكبر تجمع للمليونيرات في العالم بعد الولايات المتحدة والصين.
هنا يبرز تناقض حاد: ثروة يرى أصحابها أن جذورها في المجتمع الذي نشأت فيه، وثروة أخرى يتعامل معها أصحابها كملكية شخصية محايدة، يمكن نقلها حيثما تحقق مصالحهم.
لكن، بعيداً عن لندن، كيف تبدو الصورة في منطقتنا؟
في واقعنا العربي، العلاقة المالية بين الدولة والمواطن تقوم على منطق مختلف جذرياً. فالدولة تتحكم بجزء كبير من الموارد العامة، بينما يظل المواطن بعيداً عن تفاصيل التحصيل والإنفاق. وعندما تغيب الشفافية والمساءلة، تتحول العلاقة من شراكة في المال العام إلى هبة من أعلى، يُنتظر مقابلها الرضا والولاء لا المساءلة.
أما على صعيد ضريبة الثروة تحديداً، فالحديث عنها لا يزال محدوداً. فمعظم دول الخليج لا تفرض ضريبة دخل على الأفراد، واكتفت بضريبة القيمة المضافة انسجاماً مع طبيعة اقتصاداتها الريعية. وفي دول عربية أخرى، تظل الفجوة واسعة بين ما يمكن تحصيله نظرياً وما يصل فعلياً إلى الخزينة.
ربما ينبغي أن نبدأ من سؤال أكثر جوهرية: هل يشعر المواطن العربي بأنه شريك في وطنه، وأن ما يقدمه للدولة يعود إليه في صورة خدمات ومؤسسات تحفظ كرامته؟ حين تتوافر هذه الثقة، يتحول دفع الضريبة إلى واجب طبيعي في علاقة متبادلة، لا إلى عبء مفروض.
ولا بد هنا من التفريق بين حالتين: فصاحب الثروة المشروعة الذي يبحث عن ملاذ ضريبي أقل كلفة يمارس سلوكاً قانونياً معروفاً عالمياً. لكن المال المنهوب من الخزينة العامة، والمحوّل إلى حسابات سرية في الخارج، كما كشفت «وثائق بنما» و«باندورا»، فهذه قضية أخرى، طالت مسؤولين عرباً وأجانب، وتحتاج إلى ملاحقة قضائية واسترداد.
أما عن سؤالنا الأخير: هل سنسمع يوماً صوت مليونير عربي يطالب بفرض ضرائب أعلى على نفسه؟ ربما الأهم من هذا، وقبله، أن نتأكد أولاً من أن المليونيرات العرب يدفعون أصلاً ما هو مستحق عليهم.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *