في فترة زمنية قياسية زادت استخدامات الذكاء الاصطناعي بشكل مُلفت، فعلى مستوى التقنيات السينمائية ظهرت أنماط مُبهرة في صناعة الأكشن والحيل والخدع التي تقترب كثيراً من المعارك الحقيقية، ما أدى إلى رفع أسهم هذا النوع من الأفلام وأثر على ذوق المُشاهدين من هواة الإثارة والمغامرة، وبالطبع دخلت أفلام التحريك ضمن المُصنفات الفنية التي اعتنت مؤسسة هوليوود العالمية بإدخال تقنيات الذكاء الاصطناعي في صناعتها بوصفها مُنتجات فنية قائمة بالأساس على الإبهار البصري للصورة السينمائية.
وبالتوظيف التقني الحديث تراجعت أنماط الحركة التقليدية في أفلام ومسلسلات شهيرة مثل «مازينجر» و«باتمان» و«سوبر مان» وغيرها، فقد تجاوز التطور العلمي الجديد تلك الصور السينمائية النمطية بكثير بعد اكتشاف سحر التكنولوجيا الرقمية والـ a-i الذي يُمكنه صناعة أي شيء وابتكار كافة أشكال الإبداع بمجرد الطلب وإدخال بيانات النموذج المراد تطبيقه في أي مجال.
وبعد أن كانت الاستخدامات الفعلية والتطبيقية للذكاء الاصطناعي محدودة ومقصورة على مجالات إبداعية معينة صارت باتساع دائرة التفاعل والتعامل اليومي استخدامات مُطلقة وبلا حدود، ولعل ما تم إنجازه وظهوره عملياً وواقعياً على مستوى الكتابة الروائية والسينمائية والموسيقية قد بدد الشكوك نهائياً في إيقاف عجلة التطور المُذهل للاكتشاف الجديد عند حد مُعين، لاسيما أن أنماط الكتابة والإبداع التكنولوجي في تزايد مستمر، فهناك روايات وقصص وسيناريوهات صدرت بالفعل لكُتاب وكاتبات عرب وأجانب قامت حبكتها الدرامية وبناءها الروائي بواسطة الذكاء الاصطناعي بدون تدخل يُذكر من أصحاب الروايات والقصص القصيرة والطويلة وسيناريوهات الأفلام وغيرها. ولأن هذا الإبداع التقني التكنولوجي لم يتم الاعتراف به حتى الآن كعمل ابتكاري إنساني خالص، فلا يزال محصوراً داخل دوائر معينة تخص الشباب والشابات المُتعاملين مع أحدث نُظم التطبيق العالمي لتكنولوجيا صناعة الأفكار وتحويلها إلى واقع مرئي وملموس. قبل نحو ستة أشهر ظهرت حالة إبداعية خاصة لأغنية حديثة كل مفرداتها من كلمات وألحان وموسيقى وأداء، مصنوعة بالذكاء الاصطناعي، هذه التجربة كانت فريدة في حينها عندما ابتكرها أحد مُذيعي الإذاعة المصرية وقام بنشرها على فيسبوك في إعلان صريح لقُدرات الـ ai في مجال صناعة الأغنية، والغريب أن الأغنية التي تم نشرها جاءت ناطقه باللهجة العامية المصرية وموسيقاها عربية خالصة.
ومنذ بضعة أسابيع ظهر في وسائل التواصل الاجتماعي نموذج روائي آخر لكاتب أعلن أنه يتناول في روايته المكتوبة بالذكاء الاصطناعي، قصة حياة أصغر ملوك مصر توت عنخ أمون، وكان الكاتب واضحاً كل الوضوح فيما ذكره عن تفوق الذكاء الاصطناعي في تضفير الرواية ونسجها على النحو المُلائم للأجواء التاريخية.
ثم ما لبث الكاتب نفسه أن أعلن مُجدداً عن قيامة بإدخال بيانات جديدة للذكاء الاصطناعي تتعلق بأفكار ثقافية وأسئلة مشروعة تدور في ذهنه عن ملابسات الكون والكرة الأرضية وتفاعلات الطبيعة وتحولاتها الموسمية، وذلك بغرض تضمين المعلومات المُستقبلة من الذكاء الاصطناعي في كتاب يحوي كل الأسئلة المطروحة والأجوبة المُمكنة للاستفادة من تكنولوجيا المعلومات بطريقة علمية ثقافية تتناغم مع الرؤى العصرية والاحتياج المعرفي للباحثين والمتخصصين وعامة الناس.
وفي سياق رسمي مهم له صلة بعملية التطور التكنولوجي، أعلنت الهيئة الوطنية للإعلام عن تطبيقات حديثة سيتم تفعيلها لخدمة البث الإذاعي والتلفزيوني في إطار الاستخدام الأمثل للذكاء الاصطناعي للنهوض بالرسالة الإعلامية والارتقاء بمستواها، وهو ما يُعد اعترافاً عملياً بقُدرات التكنولوجيا الحديثة وأهميتها بلا تحفظات مُشددة كما كان الأمر في السابق، ما يعني هيمنة الذكاء الاصطناعي بشكل فعلي ودخوله في المجالات الدقيقة والحساسة، والتي من بينها وسائل الإعلام بُمختلف نوعياتها وتخصصاتها.
وهذا الأمر وإن كان به الكثير من الإيجابيات التي تدعم الرسالة الإعلامية، لكنه في نفس الوقت سيفتح الباب أمام تغول الذكاء الاصطناعي وإعطائه الصفة الرسمية ليكون مُحركاً لفعاليات الثقافة والإبداع في مجالات شتى يصعب بعد ذلك تحديد أطرها وتحجيمها في حالة ظهور آثار سلبية نتيجة الإفراط في الاستخدام وتعميم مبدأ الاستفادة العلمية والتكنولوجية، خاصة أن وتيرة التقدم والتطور في مجال الذكاء الاصطناعي لا تتوقف عند مستويات معينة وليس لها حد أقصى، فما يحدث اليوم من طفرات سيتولد عنه مئات الطفرات الأخرى في المستقبل القريب والبعيد وهذا هو موطن التهديد للكفاءات البشرية من الموسيقيين والكُتاب والمُخرجين والمصورين والفنيين وحتى المُمثلين أنفسهم سيتحولون إلى طاقات إبداعية مُعطلة!!