حين حاربت الدولة الأكراد بالأكراد


في التاريخ الطويل للصراع بين الحكومات العراقية المتعاقبة والحركة الكردية المسلحة، ظلت هناك صفحة يصعب وضعها داخل الروايات المبسطة التي تقسم المشهد إلى دولة عربية في مواجهة مجتمع كردي موحد. ففي الجبال والقرى التي خرج منها مقاتلو البيشمركة، خرج أيضاً عشرات الآلاف من الأكراد الذين حملوا السلاح إلى جانب الحكومة العراقية، ضمن تشكيلات عُرفت في مراحل مختلفة بـ«فرسان صلاح الدين» و«الأفواج الخفيفة»، ثم اتسع تنظيمها في عهد البعث ضمن التشكيلات التي عرفت باسم«جحافل الدفاع الوطني». أما خصومها من القوميين الأكراد فأطلقوا عليها تسمية «الجحوش»، التي تجاوزت بمرور الزمن معناها الأصلي لتصبح حكماً سياسياً وأخلاقياً على المنتسبين إليها. غير أن وراء هذه التسمية تاريخاً أكثر تعقيداً من ثنائية الخيانة والوطنية؛ هو تاريخ تتقاطع فيه الدولة والعشيرة، والخصومات المحلية والمصالح، والحرب والسياسة، والولاءات التي لم تكن ثابتة كما تبدو في الروايات اللاحقة.
لم يكن الاسم الرسمي لهذه القوات «الجحوش». فالمصطلح، المشتق من «جحش»، استعمله القوميون الأكراد على سبيل التحقير، بينما عُرفت التشكيلات التي دعمتها الدولة بتسميات تغيرت بحسب المرحلة، من «فرسان صلاح الدين» أو «الأفواج الخفيفة» إلى «جحافل الدفاع الوطني». ويعرّف مايكل غونتر في كتابه القاموس التاريخي للكرد «فرسان صلاح الدين» بأنهم قوات عشائرية كردية دعمت الحكومة العراقية ضد الملا مصطفى البارزاني، مشيراً إلى أن خصومهم أطلقوا عليهم تسمية «الجوش»، ويقارن وظيفتهم بتشكيلات عشائرية وظّفتها دول أخرى في المنطقة لمواجهة حركات مسلحة في الأطراف.
لكن الظاهرة أقدم وأعمق من الاسم التنظيمي. فمنذ تأسيس دولة العراق الحديث وجدت الدولة نفسها أمام منطقة كردية لا تتحرك سياسياً باعتبارها كتلة متجانسة. كانت هناك قبائل وزعامات محلية وبيوت دينية ومصالح وخصومات سابقة على الدولة نفسها. ولهذا فإن ظهور حركة قومية كردية لم يمح تلك البنى، بل تداخل معها. وهذه النقطة مركزية عند الباحث الهولندي مارتن فان بروينسن، في كتابه «القومية الكردية في مواجهة دول بناء الأمة» الذي بين فيه أن بعض القبائل التي كانت في نزاع مع الملا مصطفى البارزاني قبل اندلاع الحرب الكردية واصلت القتال ضده وتحالفت مع بغداد، فيما وجد الحكم المركزي زعماء عشائريين آخرين مستعدين لمواجهة القوميين الأكراد، إما بسبب خصومات قديمة وإما لاعتبارات مصلحية.

لم تكن أفواج الفرسان بقايا «تخلف عشائري» قاومت الدولة الحديثة؛ لقد كانت، جزئياً، نتاجاً لسياسة الدولة الحديثة نفسها

لذلك سيكون مضللاً النظر إلى تاريخ «أفواج الفرسان» باعتباره مجرد عملية قامت بها «حكومة عربية» بتجنيد أكراد ضد «الشعب الكردي». الواقع التاريخي كان أشد تركيباً. الدولة استثمرت انقسامات قائمة بالفعل، لكنها في الوقت نفسه أعادت إنتاجها ووسعتها ومنحتها السلاح والمال والصفة الرسمية. ويشير بروينسن إلى أنه طوال الستينيات دفعت الحكومة العراقية الأموال وسلحت قبائل كردية لتعمل كميليشيات موالية لها، وأن تدفق المال والسلاح عزز موقع رؤساء القبائل، وقوّى التماسك العشائري وأجج النزاعات بين القبائل المتجاورة. والأهم في ملاحظته أن التحالف مع الحكومة أو مع الحركة الكردية لم يكن دائماً نهائياً أو عقائدياً؛ فكثيراً ما كان تحالف مصلحة قابلاً للتبدل.
هنا تكمن المفارقة. فالدولة الحديثة التي كان يفترض أن تعمل على إدماج مواطنيها في مؤسسات وطنية موحدة أعادت، تحت ضغط الحرب، إنتاج الزعامة العشائرية بوصفها وسيطاً بينها وبين سكان الريف الكردي. صار الشيخ أو الآغا الذي يتلقى المال والسلاح ويوزعهما على رجاله حلقة في منظومة الأمن، ولم يعد نفوذه مستنداً إلى البنية التقليدية وحدها، بل إلى موارد الدولة أيضاً. بهذا المعنى لم تكن أفواج الفرسان بقايا «تخلف عشائري» قاومت الدولة الحديثة؛ لقد كانت، جزئياً، نتاجاً لسياسة الدولة الحديثة نفسها.
بلغت هذه السياسة ذروتها في عهد البعث، ولا سيما أثناء الحرب العراقية – الإيرانية. فمع اتساع جبهة الحرب وحاجة بغداد إلى الجنود، أصبحت القوات الكردية الموالية للحكومة مورداً بشرياً وأمنياً بالغ الأهمية. ويذكر ديفيد مكدوال في كتابه التاريخ الحديث للكرد أن بغداد كانت مضطرة، حتى قبل التقدم الإيراني الكبير في الشمال، إلى نشر نحو خمسين ألف جندي في كردستان لدعم قوات الجحوش المحلية. ومع اتساع التجنيد تحولت الظاهرة من مجموعات عشائرية مسلحة إلى شبكة ضخمة ترتبط فيها الدولة بالمستشارين ورؤساء الأفواج وشيوخ العشائر، وتؤدي مهام الحراسة ومراقبة المناطق والطرق ومساندة القوات النظامية.
لكن العلاقة لم تكن ببساطة علاقة سيد بأتباع مطيعين. فبعض أفراد هذه القوات كانوا ينقلون المعلومات إلى الأحزاب الكردية، وبعضهم كان يؤوي البيشمركة الجرحى، كما يورد مكدوال. وحتى سياسة الترحيل لم تستثنِ دائماً العشائر المتعاونة مع السلطة. والأكثر دلالة أن إعادة توطين الجماعات العشائرية معاً في المجمعات السكنية زادت من اعتماد الأفراد اقتصادياً على رؤسائهم، فيما ازداد اعتماد هؤلاء الرؤساء على الحكومة. وهكذا صنعت الحرب شبكة ولاءات لم تكن مستقرة كما بدت من بغداد.
ومن الخطأ، في المقابل، تحويل كل من انضم إلى هذه القوات إلى ضحية بلا إرادة. فالانضمام منح بعض الزعامات امتيازات ونفوذاً وثروة، وشاركت بعض التشكيلات فعلياً في عمليات الدولة ضد الحركة الكردية. المسؤولية التاريخية لا تزول بمجرد الإشارة إلى الظروف الاجتماعية. لكن التفسير شيء والإدانة الأخلاقية شيء آخر. فمن يريد فهم الظاهرة عليه أن يسأل لماذا استطاعت الدولة تجنيد هذه الأعداد، ولماذا تغيرت الولاءات، ولماذا أمكن للرجل نفسه أن يكون في مرحلة ضمن قوات الحكومة ثم يصبح لاحقاً جزءاً من الانتفاضة عليها.
وجاءت الإجابة الدراماتيكية في آذار/مارس 1991. بعد هزيمة الجيش العراقي في الكويت وانتقال الانتفاضة من الجنوب إلى كردستان، لم تقف شبكة «الجحوش» كلها دفاعاً عن النظام الذي بناها ومولها. على العكس، يسجل مكدوال أن هذه القوات أدت دوراً حاسماً في الانتفاضة الكردية، وأن غالبية قادتها انضموا إليها بعد إعلان الجبهة الكردستانية العفو عنهم. وفي بعض الروايات كان أحد قادة هذه التشكيلات نفسه من المبادرين إلى الانتفاضة في رانية. أما بروينسن فيذهب إلى مفارقة أبعد: بحلول أواخر الثمانينيات كانت غالبية القبائل الكبرى قد أصبحت ضمن منظومة «الجحوش»، لكنها كانت في 1991 من القوى التي أطلقت الانتفاضة الكبرى ضد الحكومة المركزية.
هذه النهاية تكشف حدود السياسة التي استمرت عقوداً. فقد استطاعت بغداد شراء الولاء، لكنها لم تستطع دائماً تحويله إلى انتماء سياسي دائم. استطاعت تسليح العشيرة، لكنها بذلك منحتها أيضاً قدرة تفاوضية أكبر. واستطاعت استخدام الانقسامات الكردية لمواجهة التمرد، لكنها ساهمت في إبقاء تلك الانقسامات حية ومسلحة. وحين ضعفت الدولة في لحظة 1991، انتقلت أجزاء واسعة من الشبكة التي أنشأتها إلى المعسكر الآخر.
لهذا ربما تكون كلمة «الجحوش»، بكل حمولتها المؤلمة، أقل قدرة على تفسير التاريخ مما نعتقد. فهي تصدر حكماً أخلاقياً سريعاً على الأفراد، بينما تكشف دراسة الظاهرة عن سؤال أكبر يتعلق بطبيعة الدولة العراقية نفسها: ماذا يحدث حين تعجز الدولة عن تحويل التنوع الاجتماعي إلى مواطنة، فتديره بواسطة الزعامات المحلية والسلاح والامتيازات؟ عندها لا تعود العشيرة نقيضاً للدولة، بل تصبح إحدى أدواتها؛ ولا يعود الولاء علاقة سياسية مستقرة، بل عقداً قابلاً لإعادة التفاوض كلما تغير ميزان القوة.
ولعل الدرس الأبعد من تجربة الفرسان ليس أن بعض الأكراد قاتلوا أكراداً آخرين؛ فالحروب الأهلية وحركات التمرد في العالم مليئة بمثل هذه الانقسامات. الدرس أن الدولة التي تستبدل اندماج مواطنيها بإدارة انقساماتهم قد تنجح عسكرياً لبعض الوقت، لكنها تترك وراءها مجتمعاً أكثر انقساماً ودولة أقل رسوخاً. وما حدث في ربيع 1991 لم يكن فقط انهياراً لأفواج أنشأتها بغداد، بل كان أيضاً لحظة انكشاف لنظام كامل في صناعة الولاءات: حين اختفت القوة التي كانت تضمن العقد، تغير العقد نفسه.

كاتب عراقي



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *