“حين اجتمعت النساء بدأ الحلم يتحقّق”


الناصرة: “القدس العربي”:- تجسّد سيرة الدكتورة مريم مرعي، ابنة مدينة عكا داخل أراضي 48، مسيرة المرأة الفلسطينية العصامية التي صعقت النكبة طفولتها، لكنها نهضت من رمادها وتفوقت على عثرات الزمان. ولدت مرعي لعائلة مباركة الأولاد في مدينة الأسوار، عكا، قبل عامين من نكبتها التي فرّقت أقاربها أيدي سبأ، وبعد سنوات طويلة من الغربة عادت إلى مسقط رأسها، وأصدرت الآن كتاباً بعنوان “حين اجتمعت النساء بدأ الحلم يتحقّق: جمعية النساء العكيّات”، حول واحد من المشاريع العصامية التي قادتها قبيل سفرها إلى الولايات المتحدة.

في حديث لـ”القدس العربي”، تروي مريم مرعي أنها ولدت في عكا، وضاعت شهادة ميلادها بسبب التهجير في 1948، بخلاف بقية أخواتها وإخوتها. وعن تسميتها مريم، روت الباحثة المحاضرة الفلسطينية، ابنة عكا: “كانت أمي تسمي البنات ووالدي يسمي الصبيان. كانت أمي قد فقدت طفلتين تباعاً أسمتهما شهيرة، وعندما أنجبتني بعدهما طلبت من والدي أن يبادر هو إلى تسميتي، على أمل أن أعيش وأبقى، ففتح القرآن واختار مريم اسماً لي تيمّناً بسيدتنا العذراء”.

بعث شقيقي عبد الله رسالة لوالدي قال فيها: “أرجوكم ألّا تحرموا مريم من التعلّم، فلو تعلمنا لما وقعت النكبة، والعلم هو سلاحنا الأهم”

وكان والدها محمود أبو حميد قد صمّم على البقاء في عكا عندما تأزمت الأوضاع خلال النكبة، فانتقلت والدتها ملكة أبو رقبة مع كل الأسرة إلى بلدة البعنة في الجليل، ومكثت هناك ثلاثة شهور، وبعدما احتُلّ الجليل أيضاً، اضطرت الأسرة للنزوح إلى لبنان، واستقرت مسيرة اللجوء في مخيم برج البراجنة، وبقيت فيه أقل من ثلاث سنوات.

وتقول إنها ما زالت تحتفظ ببعض الصور في مخيلتها من رحلة اللجوء، رغم أنها كانت في عمر ثلاث أو أربع سنوات: “في لبنان كنت أظن أن أخي البكر هو أبي، لأن والدي بقي في عكا. في برج البراجنة كنا عشرات من الأعمام والأخوال، 35 نفراً أقمنا داخل بيت واحد، حتى سارع والدي إلى استغلال فتح باب لم الشمل، فعدنا، وبقي إخوتي أحمد وجمعة وعبد الله، وإخواتي المتزوجات. قبيل وداعنا، كنت في الباص، وأرى شقيقي عبد الله خارج الحافلة، فصرت أبكي وأريده أن يكون معنا، وهو الرجل الذي كنت أحسبه والدي. وصلنا إلى عكا من رأس الناقورة، وأذكر استقبال جنديات إسرائيليات لنا، وقد أعطتني واحدة منهن حبة حلوى صغيرة. عندما وصلنا إلى عكا الجديدة والقديمة شاهدت شيخاً كبيراً يعتمر عمامة رجل دين في استقبالنا، فلم أعرفه، وسرعان ما قالوا لي إن هذا والدي. هذه صورة انطبعت داخل وعيي”.

“كانت أمي تصحو قبل الفجر يومياً وتصلي وهي تبكي: يا رب تلمّ الشمل، وهذه صورة موجعة لن أنساها”

نسألها.. هل لاحظت أن والدتك قد أصابها تأنيب الضمير بعدما ضغطت من أجل النزوح، بعكس والدك الذي فضّل البقاء في البيت، وحصل ما حصل؟

“في عكا أقمنا في بيت غير بيتنا الذي أُخرج والدي منه، وكان بيتاً ضيقاً، نبيت كلنا داخل غرفة واحدة، فيما كانت الغرفة الثانية معدّة للصلاة، ولم يدخلها أحد حفاظاً على طهارتها. الصورة الحقيقية التي أذكرها من أمي، وهي صورة مرعبة، أنها كانت تصحو قبل الفجر يومياً وتصلي صلاة خاصة قبل صلاة الفجر. تدعو وهي تبكي: يا رب تلمّ الشمل. كانت هذه صورة موجعة لي ولن أنساها. ولولا شقيقاتي اللواتي قمن بواجب الأم معي، لتعرضت للإهمال، لأن والدتي فقدت طاقتها بسبب نشاطها الاجتماعي والصدمة وانشطار العائلة، فقد توفي زوج شقيقتي في لبنان وهي في العشرينيات من عمرها ومعها ثلاثة أطفال. كانت والدتي تحاول تعويض الخسارات من خلال النشاط النسوي ومساعدة النساء اللواتي فقدن أزواجهن وأولادهن وأشقاءهن نتيجة النكبة. لا، لم تتحدث أمي معنا حول تلك الحادثة التاريخية الصادمة، وربما هذا الصمت من عوارض الكرب بعد الصدمة”.

“أنا عزرايين.. ممنوع الحكي”

في عكا بدأت مريم تتلمذ في مدرسة ابتدائية حكومية مع شقيقها وشقيقتها، وكانت بالنسبة إليها بمثابة كابوس أو حديقة حيوانات، كما تقول، وتمضي في الاستذكار: “لأن بناية المدرسة صغيرة ومزدحمة بالتلاميذ، وخفت من التدافع، فكنت أذهب إلى المدرسة وأعود منها خائفة، وما زلت أذكر كيف سقطت وكُسر سني يوم حاولت تناول الماء من حنفية المشربية نتيجة تدافع الأولاد. ومما زاد حالة الخوف الدائم ما كنت أسمعه من أحد الأساتذة، إذ كان يقول: أنا عزرايين، قباض الأرواح… ممنوع الحكي”.

وعن التربية والتعليم، توضح مريم مرعي أنها كانت في البيت تسمع العربية وتتعلّمها من والدها وهو يتلو القرآن، منوهة إلى أن الفضل في استمرار تعلمها يعود إلى شقيقتها منيرة التي حضّتها على التعلّم، وقامت بنقلها من المدرسة الحكومية في عكا إلى مدرسة “راهبات الناصرة” في المدينة. وتقول إنه عندما استأذنت شقيقتها والدها بذلك سألها: وهل يعلمون الدين الإسلامي في مدرسة الراهبات التي نحترم ونقدّر دورها التربوي؟ فقالت شقيقتها لوالدها: “هناك ستتعلم كل شيء، أما الدين فهو مسؤوليتك أنت كأب”، وفعلاً تعلّمت على يد والدها الدين والعربية.

من عكا إلى حيفا

في الصف الحادي عشر، أغلقت مدرسة “راهبات الناصرة” في عكا أبوابها، ودُمجت في مدرسة أخرى مختلطة للبنين والبنات، فرفضت الالتحاق بها، وطالبت بأن تبقى في مدرسة راهبات للبنات فقط. عن ذلك، تمضي الدكتورة مريم في سرد صباها: “عندما اقترحوا على والدي أن أنتقل إلى مدرسة الراهبات في حيفا رفض، فأرسلت رسالة لشقيقي عبد الله في لبنان عن طريق صديقه في تركيا، فبعث رسالة إلى والدي قال له فيها: أرجوكم ألا تحرموا مريم من التعلّم، فلو تعلمنا لما وقعت النكبة، والعلم هو سلاحنا الأهم. عندئذ حُسم الموضوع، وأخذوني إلى حيفا، وأقمت في القسم الداخلي في مدرسة راهبات الناصرة، وكان شقيقي يحضر إلى حيفا مرة كل أسبوعين ويصطحبني لأعود إلى عكا بسيارة أجرة”.

“زوجي الأول أعطاني العلم، والزوج الثاني منحني الحياة السعيدة، وكلاهما ترك أثراً كبيراً في حياتي”

أنهت الثانوية عام 1967، ومنها انتقلت إلى الجامعة في حيفا، وهذه المرة لم يعترض والدها، وقالت: “كنت قد بلغت وصرت مسؤولة عن نفسي، ورافقني شقيقي عبد، والتحقت بكلية التربية وعلم النفس والفنون، رغم أن الرسم في البيت كان ممنوعاً لاعتبارات دينية، رسم الوجوه. في الجامعة تعرفت على المحاضر في جامعة حيفا، الدكتور سامي مرعي، وتزوجنا. وبعد سنوات، مطلع السبعينيات، رافقته إلى الولايات المتحدة بعدما حاز منحة دراسية في جامعة أمريكية لإنهاء الدكتوراه، وهناك أنجبنا ولدنا خليل في ويسكنسن. ومن هناك انتقلنا إلى سان باولو في البرازيل، بعدما عمل زوجي سامي محاضراً ضيفاً لمدة عام”.

بقيت الدكتورة مريم وزوجها ثلاث أو أربع سنوات، وأنجبت ابنتها رشا، أختاً لخليل، وعادت من الغربة إلى البلاد، والتحقت بجامعة حيفا من جديد لتستكمل دراستها، لأنها لم تتمكّن من استكمال دراستها، فيما حاز سامي الدكتوراه خلال عامين.

عائدة إلى حيفا

في جامعة حيفا، واصلت مريم تعلمها في التربية وعلم النفس، وحازت الماجستير، وعادت مع زوجها من جديد إلى الولايات المتحدة عام 1983 للعمل هناك، ومكثا حتى 1986، حين عادا إلى البلاد، وهنا فُجعت بوفاة زوجها بشكل مباغت في “صدمة عمر”: “سافرنا من حيفا إلى القدس لإجراء فحص للأمعاء، وخلال ذلك مات فجأة وأنا واقفة إلى جانب السرير. خلال الفحص طلب مني الطاقم الطبي مغادرة الغرفة، فخرجت إلى الشرفة، وفجأة سمعت الطبيب يصرخ بصوت عال وهو يناديه، ويبدو أنه فقد الوعي، وأغلقوا الستارة، وبعد ربع ساعة عادوا وسألوني إذا كان لنا أقارب في القدس، فاتصلت بعضو الكنيست محمد ميعاري، الذي سارع إلى المستشفى، وسرعان ما اكتشفت أن ميعاري اتصل بأهل زوجي الذين حضروا إلى المستشفى بعدما رحل سامي تحت الفحص الطبي عن 46 عاماً. كان ذلك اليوم الأكثر صدمة لي، فقد كان رحيل والدي صعباً، بيد أن رحيل سامي زوجي كان أكثر صعوبة، خاصة أن والدي توفي عن عمر 100 سنة، حيث كنا نستعد للاحتفال بعيد ميلاد والدي المئة، بيد أن سامي رحل في اليوم نفسه”.

وتوضح مرعي أن ولديها خفّفا عنها الصدمة في تلك الفترة، ولاحقاً بقيت رشا في أمريكا، وتعمل في مجال التجميل، وولدها خليل مقيم في إسبانيا، ويعمل صحافياً في وسائل إعلام أجنبية عالمية.

مؤسسة النساء العكّيات

عملت الدكتورة مريم عشر سنوات في جامعة حيفا كمحاضرة في علم النفس التربوي، ومع بداية مسيرة عملها شاركت في تأسيس جمعية “النساء العكيات” وعدة مشاريع، منها “دار الطفل العربي”، وهي مؤسسة مختصة بإعداد مربيات للطفولة المبكرة، ولها عدة فروع داخل أراضي 48. وحسب روايتها، جاءت الفكرة من حقيقة أن ولدها خليل كان قد نشأ في روضة عربية يهودية مشتركة في عكا: “ولدت الفكرة عندي من الفهم أن تعلّم العبرية واللغات الأجنبية ينبغي ألا يكون على حساب لغة الأم”.

ولا تزال “دار الطفل العربي” موجودة في عكا حتى اليوم، والدكتورة مريم تشغل اليوم رئاسة مجلس إدارة هذه المؤسسة التي يروي مسيرتها كتابها الجديد “حين اجتمعت النساء بدأ الحق يتحقق”. بيد أن هذا الكتاب الصادر عن دار النشر “كل شيء” يروي رواية النضالات النسوية الفلسطينية، خاصة في عكا، وقصة تأسيس “دار الطفولة” ومشاريع أهلية أخرى.

“ولدت عندي فكرة “دار الطفل العربي” من الإيمان بأن تعلّم العبرية واللغات الأجنبية لا ينبغي أن يكون على حساب لغة الأم”

وقد أصدرت مريم مرعي تسعة كتب بالعربية والإنكليزية، منها كتاب “في سطور”، تروي فيه عن زوجها الراحل، المحاضر الجامعي والناشط الوطني والمؤسس للحركة الوطنية التقدمية، ابن بلدة عرعرة في المثلث، الدكتور سامي مرعي، ونتاجاته الفكرية والتربوية.

وعن ذلك تقول: “لقد ألهمني زوجي الراحل في تأليف كتب أخرى، منها كتب أدب للأطفال وكتب تربوية مرجعية للحاضنات والمربيات: توفير مواد. الآن بدأت بالعمل على ترجمة فكرة تختمر برأسي: منذ عدت إلى عكا قبل عام وأنا أسمع بعض الناس يسألون: لماذا عدت؟ ولماذا لا تبقين في بلاد الفرص في أمريكا؟ لكنني إنسانة متفائلة، ولذا شرعت في وضع كتاب عن الوجيز المنير لمدينة عكا، وفي الوقت ذاته شرعت في كتابة سيرة ذاتية بالإنكليزية: ستون عاماً في يوم واحد”.

الزواج من أمريكي

بعد رحيل زوجها سامي مرعي بثلاث سنوات، تزوجت المحاضرة الفلسطينية من رجل أعمال أمريكي من أصل إيرلندي، جون ريان، وانتقلت معه للإقامة في ميتشغان بعدما تزوجا قبل 30 سنة، وقد رافقها في عودتها إلى البلاد قبل نحو عام: “زوجي الأول أعطاني العلم، والزوج الثاني منحني الحياة السعيدة. كنت قد تعرّفت عليه بعد وفاة زوجي الأول بثلاث سنوات، التقيته في البلاد خلال قيادته حملة إنسانية، “الابتسامة الجميلة”، وهي حملة عمليات جراحية مجانية في الضفة الغربية لمن أصيبوا بتشوهات خلقية. وشملت حملة “الابتسامة الجميلة” معالجة بعض الفتيات من عكا. خلال زياراته للضفة الغربية، زار عكا بنصيحة بعض الناشطين الفلسطينيين في القدس، وشاءت الصدفة أن زارنا، وطلبوا من يترجم له إلى العربية، فاستحضروني، وتعرفنا وتزوجنا. تعرف على أهلي، وصار صديقاً لأشقائي، وتبرع لمشاريع خيرية في عكا، منها مشروع قروض دون فوائد. في البداية رفضت الزواج منه عدة مرات، حتى وافقت في المرة الأخيرة، خاصة أنني أنتمي إلى مجتمع محافظ”.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *