حوّاء من معدن: بيت الطاعة الغربي!


يختار الكاتب حسام الدين محمد عنوانا إغريقيا لمقاله: «بيغماليون في تطبيق ذكي: الروبوت العاشقة تقول لا!». ولا مشاحة في ذلك، فالمواد أفلام غربية، وقد ذكّرني بشعراء الستينيات الذين أسرفوا في اقتباس التاريخ الإغريقي وأساطيره، وكنت أضع معجما بجانبي للعودة إلى تفاسيرها. كانوا يعيبون على الشعر العربي المقفّى وعورة ألفاظه، فإذا بهم يزيدون الشعر وعورة ويغربونه أيضا. كنت أقرأ الشعر للطرب، فإذا به مقروءا للكرب؛ كان نفيا جماليا. ويمكن أن أتذكر قول الشاعر عمر أبو ريشة، الذي قال نثرا أجمل من شعره كله، للرئيس كينيدي: «جدّنا السوري يسوع المسيح، وهو ربكم يا سيدي».
ومن ردوده النثرية التي هي أجمل من شعره كله: قوله لجون كينيدي أيضا، الذي قال له: «لو كنت أمريكيا لعيّنتك مستشارا لديّ»، فردّ أبو ريشة قائلا: «لو كنت أمريكيا، لكنت جالسا على كرسيك». قد ترون ابن زهران محمداني، أو ابن إلهان عمر أو ابن عبد الرحمن السيد في «البيت الأبيض».
قد يكون اسم بجماليون هو «أبو الجمال»، وأهل المغرب العربي يحذفون الألف، فيقولون: سيدي بوزيد أو بوتفليقة تخفيفا، وقد يكون الرب بوسيدون منحولا عن اسم أبي صيدون، وهو ربُّ البحر والصيد عند الإغريق، ويمكن أن أذكر أسماء أرباب إغريقية كثيرة عربية الأصل، لكن سنحيد عن موضوعنا: وهو ملكة الحسن والدلال غالاتيا وابتداع زوجة آلية، وصناعة «غاليت» أو غلاتيا معاصرة. وكان أبي ينطق اسم عائشة «عاشت»، وفاطمة «فاطمت»، وطلحة «طلحت»، فهو كردي، والكرد لا يحفلون بالنحو العربي وأساليبهم في النداء، مثله مثل هيرودت!
إنَّ الغربي المعاصر يريد معارضة الخالق سبحانه وتعالى معارضة جعليّة وخلقية؛ خلق الله الإنسان من طين، أمّا خلق الذين من دونه فمن معادن شتّى ومطاط، والتراب معادن أيضا، لكن الاختلاف هو في نفخة الروح. أجزم أن صانع الدمى الثلاث كان يدخّن، فالدمى الثلاث شريرة ومجرمة. وقد تذكّر حسام الدين محمد فرنكشتاين، جدّ المخلوقات الآلية الشريرة، وهذا لا بد منه، وقد رُوِّض في النسخة الأخيرة، وكان يمكن أن يذكر آلات «ترمنيتور» بأجزائه وسلاسله، لكنه قصّر موضوعه على الحبِّ المعدني، فنسي فيلما مشهورا، وهو أحق بالذكر، وهو فيلم سيمون Simone.
واسمه اسم موفق، يجمع بين اسم البطاقة الذكيّة، واسم القديس سمعان العمودي، وهو من الأفلام التي أصنّفها من بين أفضل الأفلام التي شاهدتها، وأغفله ربما لأن حبُّ سيمون شامل، حبّ جماهيري، وليس حبا بين شخصين. فصانع الدمية ينجو من حبها، لأنه يعرف سرّها.
وفي «سيمون» مشهد أحبه، وغالبا ما أختار من كل فيلم مشهدا هو أذكى المشاهد، وأسـأل أصدقائي عنه، وهو مشهد سقوط فرشاة أسنان الدمية سيمون في حوض المرحاض، فيأخذها الصحافي ماكس ساير، الذي تسلّل إلى غرفة النجمة سيمون، وهي شخصية افتراضية من عاج الإلكترونات، خدع بها المخرج الجمهور، فيسوك بها، يا عود الآراك، أسنانه تبركا!
لم يتغير السحر منذ عصر فرعون، ما تزال هي الصورة!
لم تنل الأنثى بعضا من حقوقها حتى مطالع القرن العشرين، من انتخاب ونشر وطلاق، وكانت «نجسة» في العهدين القديم والجديد، بل إنَّ كتابا عن الحمل في أمريكا أودى بصاحبته إلى السجن، وكانت الزوجة تباع في الأسواق وتوفّى بها الديون، وهي قرين الشيطان في الآثار الغربية، وعقائد الغرب عقائد عاطفية، على عكس صنائعهم ومنتوجاتهم وطائراتهم.
من الكتب الرائدة التي قرأتها، كتاب فاطمة المرنيسي «شهرزاد ترحل إلى الغرب».
الكتاب محاولة لاستعادة شهرزاد التي خطفها الغرب كما خطف الطرواديون هيلين، وشوّهوا صورتها، فإما هي ذليلة مضطهدة، لها نصف الميراث، وشهادتها بنصف شهادة الرجل، وإما هي محض موضع للشهوة لا غير.
لكنَّ النساء، وإن لم يكمل منهن سوى أربع، لا يُجمَّل بهنَّ ولا تُعظَّم ولا تُحسَن في عين العربي إلا بالمنطق. يمكن جمع ما لا يُحصى من الشواهد وافدات على الخليفة، فيؤخذ الخليفة بجمالهن، ثم يسمعها فيقول الراوي: «وإن لها منطقا»، فتُسمعه شعرا، فيطير لبّ الخليفة بها.
أما كتب مصارع العشاق فكثيرة، والعاشقون التالفون عشقا كثيرون، ولا نجد عاشقا مات من الحبِّ في الغرب إلا عاشقا وحيدا مات انتحارا هو روميو.
تدافع المرنيسي عن المرأة الشرقية (العربية المسلمة)، وتجلو قناع الوجه الآخر عن وجه الغرب: فلا يجدر بالمرأة الجميلة أن تكون «عقلانية»، وإذا أصبحت عالمة ومفكّرة وصاحبة رأي وعقل، فقد تفقد شيئا من أنوثتها، كما لدى كانط. وتجد المرنيسي مثالا أدبيا شديد الدلالة عند إدغار آلان بو، في قصته «الحكاية الألف والثانية لشهرزاد». يعيد بو كتابة شخصية شهرزاد، لكن بصورة مختلفة اختلافا كبيرا عن شهرزاد العربية؛ إذ تنتهي القصة بقتلها، بل تُصوَّر وكأنها تستمتع بمصيرها!
في القصة الفارسية، وهم جيران العرب، ذكاء المرأة وكلامها وحكاياتها هي التي تنقذها. أما في إعادة التصوير الغربية فتُفقد شهرزاد أهم أسلحتها: عقلها ولسانها. شهرزاد المنكرة غربيا: هي المرأة الجميلة الصامتة، وقد صارت في الأفلام الثلاثة «هير» و«كومبانيون» و«سول مات» دمية إلكترونية! تقول المرنيسي إنَّ الغرب، عندما نقل ألف ليلة وليلة، ركّز بدرجة كبيرة على المغامرة والجنس والنساء الجميلات، بينما تراجعت شخصية شهرزاد المثقفة التي تستخدم الحوار والحكاية والذكاء، حتى استقرت المرأة العربية في الخيال الغربي الذي تنتقده المرنيسي:
جميلة، وعارية، وخرساء، ومطيعة.
ثم تنتقل المرنيسي من مثال المرأة في الفلسفة عند كانط، والأدب عند إدغار آلان بو، إلى الفنِّ.
فتتقصّى صور الحريم والنساء الشرقيات عند رسامين مثل جان أوغست دومينيك إنغر وهنري ماتيس وغيرهما. وتجد أن المرأة الشرقية في كثير من هذه الأعمال تحولت إلى جسد معروض أمام عين الرجل، غالبا عارية أو شبه عارية، ساكنة ولا تتكلم. هذه ليست سعاد أو ميّة أو خولة، إنها جولييت أو هيلين أو جنجر… وتقارن ذلك بالصور التي وجدتها في الفن الفارسي والإسلامي، حيث يمكن أن تكون المرأة خصما وندّا.
تتحدث المرنيسي عن «حريم المقاس 6»، أو ما أسميه «حريم الخوخ»، أو «المرأة السيمونية» أو «الكومبانيون» أو «السول ماتية»، الدميّة التي يجمدها الرجل في وضعية «توفير الطاقة أو الطيران». الحجاب حرية وليس قيدا، والقيد يكون في الجمال الإجباري والبكيني؛ فهو نفسه نوع من الحجاب، لأنه يجعل المرأة أسيرة لنظرة الآخر إلى جسدها.
لم تُحسن المرنيسي اختيار الشواهد العربية، فألف ليلة وليلة كتاب هجين، ومؤلفه مجهول، وقد خلط فيه السمك واللبن والتمر هندي، ودسّت فيه قصص إباحية وأخرى وثائقية لجعل القصص ألف قصة وقصة. ولو ذهبت المرنيسي إلى الآثار العربية لوجدت خيرا كثيرا. يمكن أن تذكر قصص الأفلام المذكورة الثلاث بالحسناء والوحش، وقد قُلبت قلبا، فالحسناء هي الوحش، وهي حصيلة نظرة كانط وآلان بو وييتس وسواهم إلى المرأة الوطر، والمرأة الدمية. قد يكون أصل الدميّة ليس في الضيق بالنساء وثرثراتهن ونكدهن، بل في حبّ الغربي المستجد للفردية. يظهر البطل الغربي في أفلام الويسترن، راكبا الحصان أو راكبا السيارة، كاوبوي أو كار بوي، صامتا، يقضي وطره من نساء عابرات يقعن في حبه لأنه «سبيشل»، يتحرشن به، ويقضين له وطره، وهو سايب يديه، يفكر في أمر وحيد: الانتقام.

كاتب سوري



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *