الرمزية السياسية في قصص «الفراشات البيضاء»


في مجموعته القصصية «الفراشات البيضاء» يقدّم باسم سليمان عالما سرديا شديد الكثافة، تتجاور فيه الحكاية الرمزية مع التأمل الفلسفي، والسخرية السوداء مع النقد السياسي والاجتماعي. ومع أنّ قصص المجموعة تتحدث عن الحيوانات والحشرات والكائنات الهامشية ظاهرا، إلا أنّها في حقيقتها تمثل مرايا مكسورة للإنسان العربي المعاصر، ولأنظمة القمع، ولعلاقة الفرد بالسلطة، ولآليات الترويض والخوف والتدجين. ومنذ الإهداء إلى كافكا، حيث يستدعي الكاتب روح صاحب «المسخ» يتضح للقارئ أنّه يدخل عالما غرائبيا عبثيا، تتحول فيه الكائنات الصغيرة إلى رموز كبرى، وتصبح الحشرات والطيور والدجاج والصراصير، أدوات لقول ما يصعب قوله مباشرة، والمجموعة بأكملها تقوم على تقنية «الاستعارة السياسية»، حيث يُستبدل الإنسان بالكائن الحيواني، لكن الإنسان يبقى حاضرا في الخلفية بوصفه المقصود الحقيقي من السرد. تعتمد قصص المجموعة على تقاليد الحكاية الرمزية القديمة، بدءا من «كليلة ودمنة» وصولا إلى أدب كافكا وأورويل وغيرهم، غير أنّ باسم سليمان يعيد إنتاج هذا الشكل، ويوظفه لفضح البنية السياسية العربية الحديثة، حيث تتكرر مفاهيم السلطة المطلقة، والقطيع، والخوف الجماعي، والتواطؤ بالصمت، وصناعة الأكاذيب، وتحويل الضحية إلى شريك في القمع. وهنا تكمن قوة المجموعة؛ فهي لا تهاجم السلطة كمؤسسة سياسية جائرة فقط، وإنّما تكشف كيف تتحوّل المجتمعات نفسها إلى أدوات لإدامة الاستبداد. وتتناول هذه المقالة بعض قصص المجموعة ورمزيتها السياسية.

صناعة العبودية

تُعد قصة «البيضة والحجر» من أكثر قصص المجموعة وضوحا في إسقاطها السياسي، حيث تبدأ الحكاية بنبوءة عن ديك سيغيّر مصير الطيور ثم يتحوّل هذا الديك إلى طاغية يقسّم الطيور إلى طيور لها السماء، وطيور لها الأرض، في استعارة مكثفة عن الأنظمة التي تصادر الحرية باسم التنظيم والاستقرار؛ فالديك يقمع الطيور، ويقصّ أجنحتها، أي يجرّدها من إمكانية الطيران ذاتها، وهنا يتحوّل القمع من فعل سياسي إلى تغيير في الطبيعة والوعي. الأكثر قسوة؛ أنّ الدجاج نفسه، وهو الضحية، يشارك في ترسيخ سلطة الديك طمعا في امتيازات صغيرة، قبل أن يكتشف متأخرا أنّ الطاغية لا يُفرّق بين تابع ومعارض، ولذلك تأتي النهاية مريرة حين يعجز الدجاج عن الطيران، حتى بعد سقوط الديك، لأنّ الاستبداد الطويل لا يقمع الحرية وحدها، وإنّما يقتل القدرة عليها، وأنّ المجتمعات التي تتواطأ مع الطغيان يصبح العجز جزءا من تكوينها النفسي.

تهمة الاختلاف

في قصة «الذئب النباتي»، يقدّم الكاتب محاكمة عبثية لذئب قرر أن يصبح نباتيا، ومنذ البداية يدرك القارئ أنّ القضية لا تتعلق بالغذاء، وإنّما بحرية الفرد في الخروج عن الدور المفروض عليه؛ فالخراف وكلب الراعي لا يحاربون الذئب لأنّه مفترس، ولكن لأنّه توقف عن الافتراس، أي أنّ الجريمة الحقيقية هي «كسر الصورة النمطية»، وهنا يبلغ الإسقاط السياسي ذروته؛ أنّ الأنظمة والمجتمعات تخاف المختلف، حتى لو كان اختلافه سلميا. وتكشف القصة أيضا هشاشة البُنى الاجتماعية القائمة على الخوف؛ فالخراف تحتاج إلى الذئب كي تواصل تربية صغارها على الرعب والطاعة، وكلب الراعي يحتاج إليه كي يحتفظ بوظيفته، ولذلك يصبح تغيّر الذئب تهديدا لبنية كاملة من المصالح والخطابات. أما الغول الذي يتكاثر في الخلفية، فهو رمز بالغ الذكاء؛ إذ بينما ينشغل الجميع بمحاكمة المختلف، يتمدد الخطر الحقيقي بعيدا عن الأنظار، في إشارة إلى المجتمعات التي تطارد المثقفين والمجددين بينما تتغافل عن الكوارث الفعلية.

كابوسيّة الثورة

تستعيد قصة «استيقاظ غريغور سامسا» عالم كافكا بصورة مباشرة من خلال استحضار شخصية غريغور سامسا، لكنها تمنحه بعدا سياسيا جديدا؛ فالمفكر الذي يعلّم الصرصار القراءة والوعي إنّما يصنع، من حيث لا يدري، ثورة مضادة للبشرية، عندما يتحوّل الصرصار المتعلّم إلى قائد أيديولوجي يحرّض الصراصير على تدمير العالم النووي، مستفيدا من شعورها التاريخي بالظلم والتهميش. تحمل القصة إسقاطات واضحة على الثورات العنيفة والأيديولوجيات المتطرفة، التي تبدأ بشعارات التحرر وتنتهي بالرغبة في إحراق العالم، كما أنّ اختيار الصراصير تحديدا ليس اعتباطيا؛ فهي كائنات تعيش في الظل، مكروهة، لكنها قادرة على البقاء بعد الكوارث. ولا غرابة أنّ المقهور حين يُسحق طويلا قد لا يحلم ببناء عالم أفضل، وإنّما بالانتقام من العالم كله.

الطغيان الداخلي

إنّ من يقلّد الطغاة ينتهي غالبا ضحية لمنطقهم، هذا ما يستخلصه القارئ من قصة «القُمقم»، حيث يحرر طائر البغاث ماردا من مصباحه، ويحصل على ثلاث أمنيات، لكنه يستخدمها جميعا ليصبح مثل أعدائه الأقوى؛ يريد أن يكون نسرا، ثم قطا، ثم صيادا. لا تتحدث القصة هنا عن القمع الخارجي فقط، بل عن استبطان القمع؛ أي حين يتمنى المقهور أن يصبح جلاده لا أن يتحرر من منطق الجلاد نفسه، وهذه واحدة من أعمق الثيمات السياسية في المجموعة؛ «السلطة ليست دائما مؤسسة فوقية، بل قد تكون حلما دفينا داخل الضحية نفسها»، ولذلك تنتهي القصة بمفارقة سوداء؛ إذ يتحوّل البغاث أخيرا إلى أول بغاث يُصاد في التاريخ، وهو الطائر الضعيف القميء البطيء الذي لا يأبه به أحد.

عبث الجدل العربي

تقترب قصة «وسكتت الدجاجة عن الكلام المباح» من السخرية السياسية المباشرة؛ فالفلّاحان ينشغلان بجدل «الدجاجة أم البيضة» بينما تُسرق الدجاجة نفسها. إنّها صورة ساخرة للمجتمعات التي تغرق في الجدل النظري والأيديولوجي بينما تضيع القضايا الحقيقية على الأرض، ويتضاعف المعنى حين تستحضر القصة الديناصورات والنظريات العلمية والأسئلة الفلسفية، في مقابل واقع بسيط؛ الثعلب يسرق الدجاجة. والثعلب هنا رمز للقوى التي تستفيد من انشغال الناس بالجدالات العقيمة.

الفرد في مواجهة الجماعة

في قصة «البنفسجة الطموح» تتحوّل الفراشة إلى رمز للمثقف أو الحالم أو المختلف الذي يرفض حدود الجماعة، والبنفسجات يمثلن العقل الجمعي المحافظ، بينما الفراشة تؤمن بإمكانية المستحيل. وعندما تشتعل الغابة، تكون الفراشة وحدها القادرة على إنقاذها، حتى لو احترقت أجنحتها، وهنا يبدو الإسقاط السياسي واضحا على مصير المثقف العربي، الذي غالبا ما يُسخر منه أو يُتهم بالجنون، قبل أن يكتشف الجميع متأخرين أنّه كان يرى ما لا يرونه. إنّها قصة عن ثمن الطموح، وثمن الحرية، وثمن الخروج عن الجماعة.

بساطة خادعة وعمق رمزي

تمتاز لغة المجموعة بالاقتصاد الشديد، لكنها لغة موحية ومشحونة بالدلالات، والكاتب لا يثقل نصوصه بالتنظير، بل يترك الرمز يعمل بهدوء داخل القصة. كما أنّ اعتماده على الحيوانات والحشرات يمنحه حرية واسعة في السخرية السياسية، من دون الوقوع في المباشرة الخطابية، وهذه التقنية تجعل القصص قابلة للقراءة على مستويات متعددة؛ قراءة طفولية ظاهرية، وقراءة فلسفية رمزية، وقراءة سياسية ناقدة. وفي كثير من الأحيان، تبدو النهايات صادمة ومفتوحة، فالكاتب لا يريد تقديم حلول، بقدر رغبته بتعرية الواقع فقط. المفارقة الكبرى في المجموعة أنّ الحيوانات تبدو أكثر وعيا من البشر؛ فالإنسان، بوصفه الكائن الأكثر هشاشة، يكاد يكون الغائب الحاضر؛ حاضرا بوصفه سبب الخراب، وغائبا بوصفه كائنا فاقدا للحكمة، ولهذا تبدو المجموعة أقرب إلى مرثية حضارية لعالم فقد بوصلته الأخلاقية والسياسية.
وبعد؛ إنّ «الفراشات البيضاء» للكاتب السوري باسم سليمان، الصادرة عن دار ميسلون في دمشق، عام 2023، ليست مجموعة قصصية عابرة، إنّها مشروع رمزي متكامل، يستخدم الحكاية الحيوانية لتفكيك بنية القمع والخوف والتدجين في العالم العربي، إنّها نصوص تتخفى خلف الأقنعة، لكنها تصيب الواقع مباشرة، إنّها فراشات تحترق لكي تفضح العتمة. وفي هذه القصص، تتحوّل الحيوانات الناطقة إلى مرايا للإنسان وهو يفقد حريته، أو يتواطأ مع سجنه، أو يحلم بأن يصبح سجّانه، ولهذا تبدو المجموعة مؤلمة بقدر ما هي ساخرة، وفلسفية بقدر ما هي سياسية. إنّها كتابة تؤمن بأنّ الأدب لا يُغيّر العالم مباشرة، لكنه يستطيع على الأقل أن يفضح القفص، وأن يذكّر الكائنات المكسورة بأنّ لها أجنحة، حتى لو نسيت الطيران منذ زمن بعيد.

كاتب أردني



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *