علم إسرائيلي يرتفع على بؤرة استيطانية جديدة قرب رام الله (رويترز)
رام الله- «القدس العربي»: دشنت جمعية استيطانية إسرائيلية حملة لحشد الدعم المالي للنشاط الاستيطاني في الضفة الغربية أطلقت عليها اسم «شيكل يومياً»، بهدف تغيير وجه الاستيطان في الضفة.
وتقوم الجمعية الاستيطانية، التي تطلق على نفسها اسم «حماة الأرض»، بحملة «شيكل واحد يومياً» لدعم الاستيطان الزراعي في الضفة، إذ تقول إن الشيكل، وهو ثلث دولار أمريكي، سيغيّر وجه الاستيطان في الضفة الغربية، حسب قولها.
وترتكز الحملة والأبعاد الاستراتيجية لمشاريع الاستيطان على التمويل الجماهيري، من خلال جمع تبرعات يومية صغيرة، شيكل واحد، من المستوطنين وعموم الإسرائيليين.
وحسب الرئيس التنفيذي ومؤسس المنظمة الاستيطانية، الناشط اليميني تسفي سوكوت، الذي يشغل أيضاً منصب عضو في الكنيست الإسرائيلي عن حزب «الصهيونية الدينية»، فإن منطلق جمع التبرعات يأتي مما أسماه «ثقل العبء الملقى على عاتق هؤلاء الشباب/ فتية التلال».
وقال: «علينا استعادة أكبر قدر ممكن من الأراضي، والعودة إلى الأراضي التي هجرناها لسنوات. فالاستيطان هو الضمانة الأساسية لأبنائنا في المستقبل. ويدرك شباب اليوم هذا الأمر، ويدركون رسالتهم والتزامهم به، ويعلمون أنه إن لم نقم نحن بذلك، فلن يقوم به أحد».
الاستيطان الرعوي والزراعي
وغالباً ما يتحول هذا الدعم إلى الاستيطان الرعوي والزراعي، عبر تمويل ودعم البؤر الاستيطانية الزراعية، واستعادة مساحات شاسعة من الأراضي التي تُصنف مناطق (ج). وكذلك خلق وقائع على الأرض، إذ يقوم الشباب المستوطنون بإنشاء حظائر ومزارع لمنع الفلسطينيين من الوصول إلى أراضيهم، وتثبيت سيطرة دائمة عليها.
ورأى الخبير في الشأن الإسرائيلي محمد علان دراغمة أن وسائل إعلام اليمين الإسرائيلي باتت تعج بقصص الاستيطان الزراعي الإسرائيلي في الضفة الغربية تحت عناوين كثيرة، من ضمنها «الصراع على كل دونم»، و»جيل كامل يحاول إعادة السيادة إلى الأرض التي هجرت».
وعلى سبيل المثال، يقول الباحث دراغمة إن القناة السابعة العبرية تحدثت عن بؤرة استيطانية زراعية «جيفن عامي»، فيها زوج من المستوطنين، وصفتهما القناة أنهما «زوجان شابان يمثلان طليعة جيل كامل يسعى لاستعادة السيادة على الأراضي المهجورة».
ورأى دراغمة أن هؤلاء المستوطنين، وعبر جمعيات استيطانية، من ضمنها جمعية «حماة الأرض»، يقدمون الدعم المادي والعيني، فمن خلال تقديم المعدات الزراعية وشق الطرق الاستراتيجية تمكنوا من إيقاف الخطة الفلسطينية للاستيلاء على الأرض، حسب ما ادعت الصحيفة.
ويرى دراغمة أن الخطاب الخاص بالإعلام اليميني يشدد على أنه من خلال حملة «شيكل يومياً» يدعون الجمهور إلى الخروج من حالة اللامبالاة، وتحمل المسؤولية الوطنية، والمشاركة الفعالة في كتابة الفصل التالي من تاريخ الصهيونية.
وشدد دراغمة، في حديثه لـ»القدس العربي»، على أن الاستيطان الرعوي والزراعي يهدف بالأساس إلى السيطرة على مساحات واسعة من الأراضي والمراعي، والتضييق على السكان الأصليين.
وتابع: «حسب معطيات منظمة «بتسيلم»، فإن المستوطنين يسيطرون على حوالي 14% من مساحة الضفة الغربية، وذلك يعني حوالي 800 ألف دونم من الأراضي».
فرض الحقائق على الأرض
وحول سياق ما يجري في الميدان، قال الباحث إن الاستيطان يتعزز قبل الانتخابات الإسرائيلية، والنتيجة تتمثل في فرض حقائق على الأرض، والجميع يشترك في ذلك، ليس فقط المستوى الرسمي والجيش والمستوطنون، إنما عموم الجماهير الإسرائيلية، من أجل السيطرة على أكبر مساحة ممكنة من الضفة الغربية، وهو أمر تجاوز مناطق «ج»، ووصل إلى مناطق «ب» وحواف مناطق «أ» التي تخضع لسيطرة السلطة الفلسطينية.
وتساءل في نهاية حديثه: «في مقابل كل هذا الدعم من الحكومة والجيش والمنظمات الاستيطانية، يكون السؤال: ما الذي قدمناه للمواطن الفلسطيني ليصمد بأرضه؟ ماذا عن حملات ومبادرات الفلسطينيين؟ ماذا عملنا للمواطن الفلسطيني كي لا يترك أرضه ومزرعته، وكي لا يلجأ إلى خيار التهجير؟ ما طبيعة الصمود الذي نقدمه للمزارعين والرعاة في مواجهة الاستيطان، أم عسى الأمر كلاماً في كلام؟».
البعد النفسي لحملة التمويل
وحسب الباحث في الشأن الإسرائيلي والاستيطاني ياسر مناع، فإن الفكرة بالأساس لا ترتبط بالقدر ذاته بالحاجة إلى التمويل المادي، بل يمكن النظر إليها على أنها مسألة نفسية، وهي أمر ضروري جداً للمشروع الاستيطاني.
وأضاف في حديث لـ»القدس العربي»: «أعتقد أن الأمر مرتبط أكثر بجعل مسألة الاستيطان مسألة في نفس كل الإسرائيليين، وذلك عبر جعلهم كلهم مساهمين في هذا المشروع، فالمساهمة في النشاط الاستيطاني وإحيائه كفعل عودة إلى الأرض يجب ألا تكون فقط على عاتق المستوطنين والعاملين في المجال الاستيطاني، بل تمتد لتشمل كافة مكونات المجتمع الإسرائيلي».
دعم للبؤر الزراعية
وكانت وزارة الاستيطان والمهام القومية الإسرائيلية قد طالبت المجالس الإقليمية للمستوطنات بدعم فتية البؤر الاستيطانية الزراعية وفتية التلال.
وكانت وسائل إعلام عبرية قد كشفت أن وزارة الاستيطان الإسرائيلية رصدت أيضاً موازنة تُقدّر بنحو 12 مليون شيكل للمشروع، بهدف توفير برامج إعداد وتدريب، إلى جانب دعم لوجستي للمشاركين.
وأشارت المصادر إلى أن المشروع يندرج ضمن مساعي تعزيز وتوسيع الأنشطة الاستيطانية في الضفة الغربية، من خلال دعم المبادرات والبؤر الزراعية التي يقودها المستوطنون. وهي جزء من ميزانية أكبر خصصتها وزارة المالية الإسرائيلية، تجاوزت 2.7 مليار شيكل لتعزيز الاستيطان، وإنشاء البنية التحتية، وبناء بؤر استيطانية جديدة. وكذلك شق الطرق التي تعمل على تكريس السيطرة الفعلية على الضفة الغربية، والحيلولة دون قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافياً.
صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي
وفي السياق ذاته، نشرت مجموعات المستوطنين صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي تُعبر عن واقع الاستيطان الإحلالي الكامل ومحاصرة السكان في الضفة.
والصورة تعبيرية، تقدم مدينة فلسطينية محاصرة من كل الجهات، ومطوقة بالرعاة المسلحين والبؤر الاستيطانية، والسيطرة على كافة الموارد الطبيعية من ماء وأرض وحركة، وحتى الضوء والهواء، ليصبح صاحب الأرض محاصراً وغريباً داخل أرضه وفي وطنه.
وتبدو الصورة بمثابة اختصار لما يجري في الضفة، حيث الحصار والتجويع والاعتداءات، وتكريس واقع الخوف والاستنزاف اليومي، وتطبيق شعار «لا مستقبل في فلسطين».
بؤرة «ملاحي هشالوم» شرق المغير
وفي رام الله، نشرت وسائل إعلام فلسطينية صورة جوية تُظهر البؤرة الاستيطانية المقامة على أراضي قرية المغير من الجهة الشرقية، والمسماة «ملاحي هشالوم»، والتي أُنشئت على يد المستوطن المتطرف الياف ليفي.
وحسب ما نشره ليفي عبر صفحاته، فقد ادّعى حصول البؤرة على ترخيص من سلطات الاحتلال وتحويلها إلى مستوطنة معترف بها، معلناً عزمه العمل على توسيعها وزيادة امتدادها خلال الفترة المقبلة.
وتُظهر الصورة أجزاءً واسعة من سهل القبون وسهل مرج الذهب، اللذين فُرضت السيطرة عليهما خلال السنوات الأخيرة من قِبل قوات الاحتلال تحت ادعاء أسباب أمنية، في إطار سياسة التوسع الاستيطاني والتضييق على المواطنين وأصحاب الأراضي في المنطقة.
حملة فلسطينية في سنجل
وفي مقابل حملات المستوطنين ومبادرات دعمهم، نجحت حملة فلسطينية يتيمة في بلدة سنجل شمال رام الله قبل عيد الأضحى في جمع التبرعات لمساندة وتعويض أبناء البلدة الذين تعرضت أغنامهم للسرقة من قبل المستوطنين.
وأعلنت البلدية، بعد ساعات من بث مباشر، أن حجم التبرعات وصل إلى ثلاثمئة وسبعين ألف شيكل، والدولار أقل من ثلاثة شواكل.
وحسب تصريحات صحافية سابقة لمعتز طوافشة، رئيس البلدية، فإن الحملة جاءت بنتائج أكبر من كل التوقعات، حيث «تهافتت التبرعات من كل حدب وصوب، من الوطن والمهجر ومن القرى والبلدات الفلسطينية».