هي شاعرة يتشاركها وطنان: وطن الأب البحرين ووطن الأم الإمارات، ويتقاسم قصيدتها أسلوبان: شعر التفعيلة وقصيدة النثر، ويتوزّعها نوعان أدبيان: الشعر والمقالة، وتستأثر باهتمامها قضيتان: شؤون المرأة وهموم السياسة، ويميزها تحولان: «تحوّل القصيدة عندها من الإيقاع والخطاب السياسي إلى قصيدة النثر والتأمل، وتحوّل المرأة فيها من رمز للأم والوطن إلى ذات مستقلة تعبّر عن جسدها ورغبتها واغترابها».
تلك هي الشاعرة البحرينية/الإماراتية حمدة خميس التي كانت أول شاعرة أستضيفها في مسيرتي الإعلامية، حدث ذلك سنة 1998 في برنامجي «شظايا الإبداع» في تلفزيون البحرين، وكنت قبل ذلك متأثرة بتجربتها الشعرية من حيث جرأتها في الكتابة وقدرتها على الاختزال. ولم أكن الوحيدة إذ أكاد أزعم أن أغلب شواعر الخليج تأثرن بطريقة ما بشعر حمدة خميس، وبكتاباتها النثرية، فقد كانت إحدى رائدات الشعر الحديث في البحرين والخليج، بدأت الكتابة في أواخر ستينيات القرن الماضي وشاركت سنة 1969 في تأسيس «أسرة الأدباء والكتاب» في البحرين، وكانت واحدة من امرأتين فقط بين ستة عشر مؤسسا.
كتب الشاعر قاسم حداد وهو من المؤسسين عن ذلك الحدث بطرافة «كانت حمدة خميس الصوت الشعري النسائي الوحيد في حداثتنا المبتدئة، وحمدة كانت أيضا صاحبة الحدث الاجتماعي الأول في أسرة الأدباء، فقد نشأت بينها وبين الأخ محمد الماجد علاقة حب تكللت بالزواج».
يصعب أن نختزل تجربة شعرية امتدت على مساحة أكثر من نصف قرن في مقال، فهذه الشاعرة القادمة من تخصص العلوم السياسية، ومارست التعليم والكتابة الصحافية، عاشت تحولات متعددة في المكان (البحرين والإمارات والعراق ودمشق) وفي التجربة الشعرية ابتداء من الثورية والرومانسية في مرحلة البدايات، خاصة مع ديوانها «اعتذار للطفولة» وصولا إلى رؤيتها الإنسانية الأشمل في، «وقع خفيف» و»سيد السديم». وديوانها الأول لفت الأنظار إليها بقوة كشاعرة كانت صلة وصل بين جيل فدوى طوقان ونازك الملائكة وأجيال الشواعر الخليجيات، اللواتي بدأت تجاربهن في الظهور بداية الثمانينيات، ويكفي أن نقف عند قصـيدتها «حـوار عـن الحـب والمستحيل» في ديوانها الأول لنستشف أسلوبها الشعري فهي تهيئ القارئ بمفردات سوف تطورها في أعمالها اللاحقة، لكنها مفردات لصيقة بالأنثى، سواء عبر فعل الولادة، أو العواطف التي تتأثر بها الأنثى، أمّا وطفلة وحبيبة.
قصيدة «حوار عن الحب والمستحيل» هي مزيج لتجربة حمدة خميس في مرحلة البدايات، حيث تختلط الرومانسية بالواقعية، وحيث تستخدم مفردات الحياة الأنثوية الخاصة بالعرس والطفل والحب. والقصيدة تقدم فيها حالة وصفية للمشاعر المتوحدة بالطبيعة، والساردة لضروب الألم، والمتشبثة بالأمل. كما تمثل قصيدتها « قصاصات من دفتر امرأة عاشقة في القرن الرابع عشر»، استمرارا لما بدأته في قصيدتها الأولى، حيث تزاوج الحب بالسياسة، والرجل بالوطن، والحلم بالكابوس يتضح ذلك بمثال من جملها الشعرية في هذه القصيدة «يغازل وجه حبيبي في شرفات السجون/ وغاباتك الموغلات إلى جزر النفي/ آه إن انتظارك يبحر في قامتي خنجرا/ تلك كانت مدائن غدر/ شردتني طويلا». كما ينبغي الإشارة إلى أن ديوانها الأول ضم مسرحية شعرية بعنوان «فوق رصيف الرفض»، وهو ما يكشف حضور النزعة الدرامية والحوار وتعدد الأصوات منذ بداياتها، ورغبة حمدة خميس وإصرارها على التجدد لم يقف بها عند أسلوب شعري واحد، ولا قضية واحدة فعلى المستوى الفني أصبحت تميل إلى التكثيف، وتتخفف تدريجيا من المباشرة التي صبغت ديوانها الأول، وإن بقيت موضوعات الوطن والثورة والطفولة حاضرة في قصائدها كما في مجموعة «ترانيم» مع ملاحظة اتساع حضور البيئة المحلية ببحرها ونخيلها وأفلاجها وسدرها وأهازيجها.
واشتد هذا التكثيف الشعري عندها فتلاشت تدريجيا الموسيقى الوزنية التي تطبع قصيدة التفعيلة لتعوضها بالتكثيف وقوة الصورة والإيحاء والسرد القصير لتصبح مجموعتها مسارات نقلة فنية إلى القصيدة الومضة الميالة إلى التأمل بعيدا عن الصخب السياسي والانفعال. وأصبحت حمدة خميس تعتمد السؤال، بدل الأجوبة الجاهزة، فالتساؤل عنـدها يعد وسيلة البناء التشكيلي، وكلما ازدادت التجربة احتشدت أسئلة الروح القصوى، تقول في إحدى قصائد هذه المرحلة «ما الذي يجلد الروح؟ ها هو قلبي مكتنز بالهوى/ ها هو الجسد/ يستريح على جسد مفعم بالجمال/ ما الذي يجلد الروح إذن؟»، فلهذا الشعر بعد أعمق من البعد المألوف في قصائدها الأولى المباشرة. تحاول من خلاله حمدة أن تكتشف ملامح ذاتها عن طريق أسئلة وجودها، ونحن نحس بأنها تحمل الأرض والطبيعة والسماء تحت أهدابها وتعددها بحثا عن «الحقيقة»، التي تهيم حبّا بها، وتنشدها، ولكنها دائمة التهرب منها. إن الكثافة الشعرية التي خلفها الاستفهام لم تقف حائلا بين المتلقي وبين الإحساس العميق بخصب ما يشيع في القصيدة من أجواء فلسفية وصوفية وميتافيزيقية، تلوح الشاعرة من خلالها تائقة إلى معانقة الأشمل والأكمل، وحسب القصيدة أن توحي بهذا الجو، وتلهم هذا الإحساس «هذه الروح يا هذه الروح من أنت؟ أي لغو يصوغك من مبدأ الوهم حتى حضور التوهم؟ لماذا أسميك روحي وأزعم أنك أنت جسد قوقعة وأنت هلام؟»، فطبيعة هذه الأسئلة لا تدعو إلى أي إجابة، فقد تكون كما في النص صيحة دهشة تستدرج المكبوت الداخلي ليتفجر من دون خوف، واثقا من جدارة القناع الاستفهامي، حيث تنتقل من مستوى القول/ الاعتراف إلى مستوى السؤال، الأمر الذي يجعل النص برمّته علامة على وجود نص باطني لا يكون فيه كل ما قيل غير إشارة إلى ما لم يقل.
أهم ما سخّرت له حمدة خميس كتاباتها الشعرية والنثرية من خلال مقالاتها قضايا المرأة، ليست الشاعرة نسوية بالمعنى الفلسفي للكلمة، كما شاع في أدبيات الغرب، فهي ترفض حتى مصطلح الكتابة النسوية، ولكنها مع تأنيث اللغة، لتستعيد المرأة حقها في التعبير عن نفسها مختصرة ذلك في قولها «أنا سعيدة جدا عندما تتجلى أنثاي في كتابتي»، لذلك نزعت عنها في نصوص عديدة ثوب المرأة المتغزل بها وارتدت ثوب المتغزِّلة، التي تعبّر عن مشاعر الحب والحرمان والمعاناة، فلها مثل ما للرجل الحق في البوح. لذلك اختارت في طريق مواجهتهـا للذات والعالم الكتابة للتعبير عن مزاياها وإنسانية حضورها.. وعندما تصدت لهذه المهمة بدأت باكتشاف الواقع المأزوم للمرأة والعبودية المقنعة التي تحاصرها، والتي تسعى إلى تهميشها وإقصائها عن التعبير عن نفسها، وأدركت عن طريق ممارسة الوعي كيف تصبح المرأة كائنا متعددا في تشظيات وعيه بذاته والعالم، ما بين فهمه واستيعابه لمؤثرات العالم واستبطانه لانشغالات الذات، لتحاول بعد ذلك المزج بين هواجس وأحـلام ذاتها، وخبرات تعاملها مع العالم الخارجي، للحكم على الخبرات جميعها. وتعلن الشاعرة رفضها امتهان الهروب في صورة الضحية المغلوبة على أمرها، ولكـن هـل جـاءت تجربتها مشروعا لتحرير الذات من اليـأس، أم شكّل رفضها في لحظة المقاومة يأسا من نوع آخر، أيقظ فيها روحَ المبدعة. إنها تقول لنا الأسباب التي دفعت بها إلى الكتابـة: «لمـاذا نكتب نحن النساء المنذورات -كالقرابين- للغياب، القابضـات علـى الغبار، المرسومات بفرجار وفق زوايا منحنية! نحن اللاتي صهرن في قوالب أضيق من ساحة الكتابة وأفقر من ثرائها.. لمـاذا نكتب وفعل الكتابـة أصـعب مـن طـلـق الـولادة، طلق الولادة وجع آني أما الكتابة فهي وجع ممتد».
نص حمدة خميس الشعري موسوم دائما بسمات الأنوثة الشعرية في مفرداته ولغته، فلا نجد نصا لها يخلو من استخدام صور ومفردات أنثوية، فمثلا منذ البدايات تقول في قصيدتها «حوار عن الحب والمستحيل: «تأتين كالعرس أو كالولادة/ لك الآن في كل حبة قلب وحبة رمل جنين/ ولا تمنحي غير ثوبك للطفل» فقضايا المرأة الخاصة مثل الأمومة لا تغيب عن نصوصها حتى السياسية منها.
هكذا تبدو حمدة خميس سيدة للتحولات، لا لأنها انتقلت من التفعيلة إلى قصيدة النثر، ومن صخب السياسة إلى هدوء التأمل فحسب، بل لأنها لم تسمح لتجربتها بأن تستقر في قالب واحد. ظلّت القصيدة عندها سفرا متواصلا من الوطن إلى الذات، ومن صوت الجماعة إلى أسئلة الروح. وفي جميع هذه التحولات بقي جوهر تجربتها ثابتا: الجرأة على مواجهة العالم، والقدرة على تحويل الألم إلى معرفة، والكتابة إلى فعل مقاومة. لكل هذا لا نقرأ حمدة خميس بوصفها صوتا شعريا نسائيّا رائدا في الخليج فقط، بل بوصفها شاعرة وسّعت حدود القصيدة، وأنّثت لغتها من داخلها، وتركت لمن جئن بعدها طريقا أقلَّ ضيقا وأكثرَ حرية. لقد بدأت شاعرة تعتذر للطفولة، وانتهت شاعرة لا تعتذر عن أنوثتها ولا عن أسئلتها. ويجدر بنا نحن الذين مشينا في درب عبدته لنا أن نستحضر تجربتها ونضيء عليها وهي تقترب من عامها الثمانين، ولا نتركها للجحود وهي التي استطابت العزلة حتى كتبت في مديحها «ها أنت وحدك، خرج الجميع/ القليلون في شخوصهم، الكثيرون في الضجيج/ وحدك.. ليس حولك إلّاك/ ليس معك غير نفسك تستريح إليك/ غير روحك تسأنس بك».
شاعرة وإعلامية من البحرين