رامبو … من مغامرة اللغة إلى مغامرة العالم


هناك من يقولون إن قصائد آرثر رامبو مجرد «مهاترات» وقد أُعطيت حجما أكبر من حجمها. ولو أن هنالك نقادا أقل غلظة يرون أن كل ما كتبه ليس عظيما لمجرد أنه رامبو.
بغض النظر عما يقال فإن رامبو شاعر مؤثر ومغامر جدا؛ قوته الأساسية في أنه حاول أن يغيّر وظيفة اللغة الشعرية نفسها. لم يكن يريد أن يقول الفكرة بطريقة أجمل فقط، بل كان يريد أن يجعل اللغة تفتح أبوابا إلى حالات حسية ونفسية جديدة. ولهذا نجد عنده صورا قد تبدو للقارئ لأول وهلة غريبة أو حتى غير منطقية، لكنها تعمل على مستوى الإيحاء والحلم والموسيقى.
ما جعل أعماله راقية، لأنه كان بعيدا جدا عن الشعر التقريري. فمثلا في (المركب السكران) لا يبدأ بإخبارك عن شعور أو فكرة ما بطريقة شعرية، بل يجعل المركب نفسه يتكلم ويعيش تجربة شبه هلوسية، هنا المجاز ليس زينة؛ المجاز هو طريقة بناء القصيدة.
لكن هناك جانبا آخر مهما، رامبو أحيانا متعمد في صعوبته وفوضويته. بعض نصوصه يمكن أن تبدو متكلفة أو مبهمة إذا قُرئت بحثا عن معنى منطقي مباشر. ولذلك نفهم تماما لماذا لا يستسيغه بعض النقاد والقراء. ليس كل غموض شعرا، وليس كل صورة غريبة عميقة. لكن عندما تقرأ رامبو بعين ناقد، تشعر بأن وراء الغموض طاقة شعرية حقيقية؛ الصورة تستمر في العمل داخل ذهنك حتى بعد أن تنتهي القصيدة. وهذا في رأيي، هو السبب في أن تأثيره تجاوز عصره بكثير. وأعتقد أن رامبو لم يكن شاعرا يريد أن يشرح العالم للقارئ؛ كان يريد أن يجعله يراه بطريقة أخرى، وهذا قريب جدا من فكرة استبدال الشعر الجيد من التقرير إلى المجاز. لذلك لا أضع رامبو في خانة «الشاعر الذي يجب أن يعجبكم»، بل في خانة الشاعر الذي غيّر حدود ما كان ممكنا فعله باللغة الشعرية، وهذه في حد ذاتها، مكانة كبيرة جدا.
وقد نشرت جامعة أكسفورد فصلا أكاديميا يناقش تحديدا أسلوب رامبو المكثف والاختزالي وصوره المفاجئة وانتقالاته الحادة، ويشير إلى أن شعره يصعب اختزاله في شرح نثري مباشر.
نعم، النقطة التي يتفق عليها الجميع هي أن رامبو كان عبقريا ثم ترك الشعر.
رامبو بلغ خلال سنوات قليلة مرحلة شديدة التطرف في علاقته باللغة والشعر. في رسالته الشهيرة إلى بول ديميني سنة 1871 أعلن رغبته في العثور على لغة جديدة، وربط الشعر بمشروع «الرائي» وأن يحدث اضطراب طويل وعظيم ومدروس في الحواس. واستكشاف مناطق أخرى من الواقع. كما أن الدراسات عن أعماله المتأخرة ترى أن سعيه إلى كشف لغة شعرية جديدة كان السمة الأبرز في تجربته الفنية. ولهذا نجد فرضية مقنعة جدا كتفسير نقدي حول سؤال لماذا ترك الشعر؟ بما أننا لا نملك تصريحا من رامبو يقول فيه توقفت «لأنني وصلت إلى أقصى ما أستطيع فعله في الشعر»، بل إن مسألة توقفه نفسها أكثر تعقيدا؛ فقد كتب معظم أشعاره بين سن 16 و21 عاما، وهناك أعمال في الإشراقات يُرجَّح أنها كُتبت بعد فصل في الجحيم، وربما في 1874 أو 1875. ثم ترك الشعر نهائيا تقريبا واتجه إلى السفر والعمل والتجارة.
لكن الجانب الذي نتفق عليه بشدة هو «روح التمرد» في أعماله ورؤيته للعالم.
رامبو لم يكن متمردا في حياته فقط؛ بل كان متمردا داخل اللغة نفسها. كان يرفض القوالب الشعرية الموروثة، ويجرب الصور غير المألوفة، ويضغط اللغة حتى تكاد تتفكك ثم يعيد تشكيلها. وهذا واضح جدا في الإشراقات، حيث تتداخل الثورة على الشكل مع الثورة على المألوف في الرؤية والمعنى.
نعم إن الشاعر الذي يرى العالم بالطريقة نفسها التي يراه بها الجميع يستطيع أن يكتب قصيدة جميلة، لكن الشاعر الذي يغيّر زاوية الرؤية يستطيع أن يغيّر الشعر نفسه. وهنا تحديدا هو الفارق الأبرز بين شاعر يستخدم الاستعارة كزخرفة، وشاعر يجعل الاستعارة وسيلة إدراك.
فلربما هنالك من يقول، إنه ترك الشعر لأنه شعر بأنه لا يستطيع أن يعمل أكثر من ذلك، أو لنضعها بصيغة أكثر حذر، ربما شعر بأنه استنفد، أو تجاوز، المرحلة الشعرية التي كان يريدها لنفسه؛ وربما كان انتقاله إلى الحياة العملية استمرارا آخر لروح المغامرة التي كانت في شعره. لكن هذا يبقى تفسيرا نقديا جميلا، لا حقيقة يمكننا إثباتها من كلامه، بل إنها قراءة لرامبو، وليست مجرد معلومة مؤكدة عن رامبو. وأنها تفتح بابا مهما لفهم رامبو، مع ضرورة أن نفرّق بين ما يمكن إثباته تاريخيا، وبين التأويل النفسي والأدبي.
وهناك من يتحدث عن التأثير الجيني لوالده عليه، الكابتن فريدريك رامبو، كان عسكريا كثير الغياب بسبب خدمته وحملاته في الجزائر والقرم وإيطاليا. وحوالي سنة 1860، عندما كان آرثر في السادسة، غادر والده الأسرة نهائيا ولم يعد إليها. وقد نشأ رامبو بعد ذلك في بيت تهيمن عليه أمه فيتالي، التي كانت شديدة الصرامة.
لذا نرى بأن هنالك نقاط التشابه المحتمل بين الأب والابن. الأب كان رجل ترحال ومغامرة وحياة عسكرية خارج البيت؛ وبعد أن ترك الأسرة، عاش بعيدا عنها واستقر لاحقا في ديجون ثم دول أخرى. أما رامبو، بعد سنوات الشعر القصيرة والمكثفة، فعل شيئا يبدو للوهلة الأولى مختلفا تماما، لكنه قد يكون من ناحية نفسية امتدادا غريبا لذلك النموذج ترك الشعر، وترك أوروبا، وبدأ حياة الترحال والمغامرة والعمل في أماكن بعيدة، خصوصا في عدن وهرر. والأكثر إثارة أن الأب لم يكن مجرد عسكري. كان مثقفا وله اهتمام بالعربية، وكتب مواد لتعليم العربية وحاول ترجمة القرآن. وهذه الأعمال بقيت في البيت، واستفاد منها آرثر لاحقا في اهتمامه بالعربية والشرق. هنا تصبح المسألة أعمق من مجرد «جينات». فلنستبدل عبارة التأثير الجيني بعبارة الأثر الأبوي الموروث، أو النموذج الأبوي؛ لأننا لا نستطيع علميا أن نقول، إن حب الترحال أو التمرد انتقل إلى رامبو جينيا من والده. لكن يمكننا أن نتحدث عن مزاج، نموذج عائلي، وغياب أبوي ترك أثرا نفسيا وثقافيا. وهناك دراسات نفسية وأدبية فعلا، جعلت غياب الأب محورا في قراءة شخصية رامبو، وتربط بين رحيله حين كان آرثر في السادسة، وبين طفولة اتسمت بالقسوة والصرامة وغياب الحنان.
فلربما رامبو لم يهرب كما كان حال أبيه؛ بل ربما أعاد تمثيلها بطريقة مختلفة. الأب هرب من البيت إلى العالم الخارجي؛ والابن هرب من البيت إلى الشعر أولا، ثم إلى العالم الخارجي نفسه. وهذا يجعل توقفه عن الشعر مثيرا للاهتمام جدا. ربما لم يكن الانتقال من الشعر إلى السفر قطيعة كاملة كما يبدو. في شبابه كان يريد أن يكون رائيا ويذهب باللغة إلى مناطق لم يصل إليها الشعر من قبل. ثم عندما ترك الشعر، أخذ يبحث عن المجهول في الجغرافيا والحياة نفسها. كأن المغامرة انتقلت من مغامرة في اللغة إلى مغامرة في العالم.
لعل هذا التمرد الذي جعله يكسر اللغة ويبتكر رؤية شعرية جديدة هو نفسه الذي جعله لاحقا يرفض أن يبقى شاعرا، ويرفض حياة أوروبا، ويذهب إلى الشرق وافريقيا.
واللافت أن هذا الأب الذي غاب عن حياة ابنه ترك له تناقضات، خريطة نحو الشرق والعربية، الترحال، الحياة العسكرية والمغامرة. ثم ذهب الابن بعد سنوات إلى الشرق فعلا. هذه مفارقة سيرة ذاتية شديدة الشعرية.
نعم رغم أن هذه الفكرة ليست حقيقة مثبتة، لكنها فرضية نقدية قوية جدا، وأرى أنها تستحق أن تُدرس إلى جانب تأثير الأم والبيئة الدينية والاجتماعية.
وهكذا غاب الأب عن حياة رامبو، لكن ربما ترك فيه شيئا من روحه، روح الرحيل. فهرب الأب من الأسرة إلى العالم، وهرب الابن من العالم المألوف إلى الشعر، ثم هرب من الشعر نفسه إلى العالم.

كاتب عراقي



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *