«حماس» والمقاومة… هل بلغ السلام مداه؟


«لقد وصل السلاح الفلسطيني في غزة إلى أقصى ما يمكن أن يصل إليه خيار الكفاح المسلح، وفي مواجهته وصل الاحتلال الإسرائيلي إلى أقصى ما يمكن أن يصل إليه من إجرام حد الإبادة الجماعية. لهذا علينا البحث عن صيغ أخرى مختلفة للمقاومة».
حين قال لي ذلك صديقي الصحافي الفلسطيني قبل أشهر، اقترحت عليه كتابة مقال في هذا الاتجاه فبدا مترددا لأنه لم يكن من السهل أن يقول وقتها ما يريد قوله دون أن يتعرّض لشتى الاتهامات.
اليوم وقد قبلت «حماس» وباقي فصائل المقاومة في غزة بما ورد في خريطة الطريق التي أقرّها «مجلس السلام» من وجوب حصر وإيداع وتخزين جميع الأسلحة التي لديها، ولدى غيرها، من قبل «اللجنة الوطنية لإدارة غزة»، الهيئة الفلسطينية المكلفة بحكم القطاع، فإن طرح هذا الموضوع والخوض فيه لم يعد من «المحرّمات» أو بتلك القدسية التي اكتسبها لعقود.
وبغض النظر عن تعقيدات هذه العملية أمام لجنة لم يسمح لها الاحتلال حتى الآن بدخول القطاع، وما إذا كان بالإمكان التغلّب عن عقدة الخطوة الأولى هل هو السلاح الفلسطيني أم الانسحاب الإسرائيلي أم الارتباط الضروري بينهما، فإن الأكيد أن هذا الموضوع سيحتل حيّزا هاما من النقاش السياسي والمجتمعي الفلسطيني في المرحلة المقبلة.
مثل هذا النقاش لا يمكن أن يكون بالدرجة الأولى إلا فلسطينيا خالصا، سواء تمت مقاربة المسألة من زاوية أن «جمع السلاح شأن فلسطيني داخلي، ولن يكون لإسرائيل أي دور فيه»، وأن الصيغة المتفق عليها تستهدف «إنقاذ سكان غزة من مزيد من الدمار والحرب والتهجير»، كما قال غازي حمد عضو المكتب السياسي لحركة «حماس»، أو من زاوية أن ما جرى ما هو في النهاية سوى استحقاق ذهبت إليه الحركة مكرهة بعد هزيمة عسكرية مريرة ودمار كامل للقطاع، كما يرى آخرون من خصومها أو ممن أحزنهم مآلها رغم كل شيء.
ليس من السهل على «حماس» أو أي حركة فلسطينية مسلحة أن تصل إلى المحطة التي وصلت إليها، كما لم يكن الأمر سهلا على أي فصيل مسلح في العالم اختار أو أجبر، في مرحلة من مراحل كفاحه المسلح، أن يضع البندقية جانبا وأن يبحث عن صيغ جديدة للنضال بأشكال مختلفة فرضتها موازين القوى الظالمة أو البحث عن الجدوى النضالية بأساليب مغايرة أو كليهما، والأمثلة على ذلك كثيرة.

 اختفاء البندقية الأخيرة لا يعني اختفاء قضيةٍ كبيرةٍ وعميقة، اعترف تسعة أعشار دول العالم بحق شعبها في تقرير مصيره وإقامة دولته

الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات الذي خاطب الجمعية العامة للأمم المتحدة في نوفمبر/ تشرين الثاني 1974 طالبا من العالم كله ألا يسقط الغصن الأخضر من يده، وجد نفسه بعد عشرين عاما تقريبا وبعد اتفاق أوسلو 1993 أمام اختبار ترك السلاح، الذي جاء رافعا إياه باليد الأخرى، والمراهنة في المقابل على التسوية السلمية عبر مراحل معقّدة ومضنية، لكنه وصل في النهاية إلى سقوط كل من الغصن الأخضر بسبب المراوغات الإسرائيلية، وكذلك البندقية حين قرر العودة إليها من جديد.
هذه التجربة التي مرت بها حركة «فتح» وقائدها التاريخي ستكون بالتأكيد ماثلة أمام «حماس» وهي تقبل مكرهة بما قبلت به، لكن ما قد يكون مطلوبا منها الآن، هي وبقية القوى السياسية الفلسطينية، هو الانكباب على نحت نموذج جديد مبتكر للمقاومة في ضوء الفشل المرير لخيار التسوية الذي ارتضته السلطة حتى أدمنته، وكذلك فشل خيار السلاح حين أوصل القطاع إلى ما أوصله إليه رغم اللوحات البطولية الباسلة التي رسمها طوال عامين في غزة دون أن يرفع الراية البيضاء.
وكما كتب متسائلا القيادي الفتحاوي السابق نبيل عمرو، وهو من عايش سنوات البندقية ثم سنوات المفاوضات والتسوية «حين تقرّ «حماس» بإنهاء دور السلاح، لا بد أن يُثار سؤال: هل بندقية غزة هي الأخيرة في هذه المرحلة من كفاح الفلسطينيين؟ وهل سيكون التخلّص منها بدايةً لتسويةٍ وفق المبادرة الأمريكية الموافق عليها من قبل مجلس الأمن الذي أشار لأول مرة منذ تأسيسه إلى دولةٍ فلسطينية؟»، مضيفا بأن «المنطق يقول إن اختفاء البندقية الأخيرة لا يعني اختفاء قضيةٍ كبيرةٍ وعميقة، اعترف تسعة أعشار دول العالم بحق شعبها في تقرير مصيره وإقامة دولته…فللبندقية وقت وللكفاح الشعبي والسياسي بكلّ أشكاله كل الوقت».
ويبقى الأهم، والفلسطينيون يستعدون لتحد كبير جديد بهذا الحجم، أن ينغمس فيه الجميع بعيدا عن أية ملاومة أو مزايدات، إذ الكل مدعو، بلا استثناء وليس فصائل المقاومة المسلحة وحدها، إلى إعادة تقويم المسيرة واستخلاص الدروس، على أن يواكب العرب، حكومات وشعوبا، هذا المسار الذي لا مفر منه بأكبر قدر من الحرص على نجاحه دون مزايدات أو محاولات تدجين.
وكما كتبها بكل صراحة ووضوح الأسير الأردني المحرر سلطان العجلوني: «اللي بزاود على المقاومة في غزة: قاتلت معهم؟ لا، أولادك استشهدوا في القصف؟ لا، دعمتهم بالسلاح والمال؟ لا، طيب من وين جبت ها الجرأة والوقاحة وسمحت لنفسك تعطي رأيك أصلا؟! انطم وعيرنا سكوتك».

٭ كاتب وإعلامي تونسي



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *