القاهرة – “القدس العربي”: بينما اختتم منتدى مصر 2026 أعماله في العاصمة الإدارية الجديدة، السبت، وسط تأكيدات رسمية بتحقيق إنجازات غير مسبوقة خلال السنوات الماضية، كانت مشاهد أخرى تلفت النظر خارج القاعات التي استضافت فعالياته، من احتجاجات أهالي جزيرة الوراق رفضًا لخطط الإخلاء، إلى تصاعد الانتقادات لملاحقة الصحافة المستقلة، وصولًا إلى انهيار أبنية في الإسكندرية وطنطا. وقائع أعادت تسليط الضوء على ملفات السكن والحريات والخدمات العامة.
وعود حكومية
وفي الوقت الذي عرضت فيه الحكومة حزمة من المستهدفات الاقتصادية والاجتماعية، شملت رفع الأجور وتطوير التعليم والصحة والإسكان، انتقد مشاركون في المنتدى محدودية فرص الحوار، فيما حذرت قوى سياسية ومنظمات حقوقية من استمرار التضييق على الصحافيين والمنصات الإعلامية المستقلة.
وقال الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، في كلمته الختامية للمنتدى، إن الفعاليات شهدت استعراض ما تحقق على أرض مصر من إنجازات، وإن المشاركين خاضوا حوارًا وصفه بـ”الثري والبناء”، واستمعوا إلى آراء ومقترحات تسهم في وضع رؤية لمستقبل البلاد.
عاد السيسي إلى الحديث عن ثورة يناير/كانون الثاني 2011، التي أطاحت بالرئيس الأسبق، حسني مبارك، قائلًا إن “مصر لم تكن تواجه تحديات عادية أو ظروفًا عابرة”
وعاد السيسي إلى الحديث عن ثورة يناير/كانون الثاني 2011، التي أطاحت بالرئيس الأسبق، حسني مبارك، قائلًا إن “مصر لم تكن تواجه تحديات عادية أو ظروفًا عابرة، بل كانت أمام لحظات فارقة اقتربت فيها الدولة”، حسب تعبيره، من “حافة السقوط والانهيار”.
وأضاف أنه عندما تولى قيادة الدولة عام 2014، واجه تحديات وصفها بـ”الهائلة”، تمثلت في مواجهة الإرهاب، وإعادة بناء البنية الأساسية، وتحسين الخدمات العامة، ومعالجة المشكلات المزمنة، وتطوير الجهاز الإداري والحكومي.
وأكد أن الدولة اختارت مواجهة المشكلات من جذورها بدلًا من الاكتفاء بإدارة الأزمات، مشيرًا إلى أن مسار الإصلاح والبناء فرض تكلفة كبيرة على المواطنين الذين قال إنهم تحملوا أعباء هذه المرحلة.
ورفض ما وصفها بمحاولات تصوير مؤسسات الدولة باعتبارها كيانات منفصلة عن الشعب أو متعارضة مع مصالحه، معتبرًا أن مثل هذه المساعي تستهدف تماسك الدولة المصرية وإضعاف جبهتها الداخلية.
توصيات المنتدى
وفي ختام المنتدى، أعلن رئيس مجلس الوزراء، مصطفى مدبولي، مجموعة من التوصيات والمخرجات التي قال إنها تحولت إلى تكليفات رئاسية، مؤكدًا التزام الحكومة بتنفيذها خلال السنوات المقبلة.
وتضمنت رفع الحد الأدنى للأجور من 8 آلاف جنيه إلى 15 ألف جنيه بحلول العام المالي 2029-2030، إلى جانب زيادة الحوافز للعاملين في القطاع الطبي، وتحسين دخول المعلمين، وتطوير المدارس الفنية والتعليم الجامعي.
وفي قطاع الصحة، أعلنت الحكومة خططًا لاستكمال مراحل منظومة التأمين الصحي الشامل، وتقليص قوائم انتظار الحالات الحرجة، وتوسيع خدمات الإسعاف والكشف المبكر عن الأمراض.
كما شملت الخطط توفير مليون وحدة سكنية متنوعة على مدار أربع سنوات باستثمارات تريليون جنيه، واستكمال المرحلة الثانية من مبادرة “حياة كريمة”، وتطوير شبكات مياه الشرب والصرف الصحي والطرق المحلية.
تستهدف الحكومة رفع معدل النمو إلى 6.8% بحلول العام المالي 2029-2030، وزيادة مساهمة القطاع الخاص في الاستثمار
وفي المجال الاقتصادي، تستهدف الحكومة رفع معدل النمو إلى 6.8% بحلول العام المالي 2029-2030، وزيادة مساهمة القطاع الخاص في الاستثمار، والتوسع في التصنيع المحلي والصادرات، إلى جانب زيادة الرقعة الزراعية وخفض التضخم والبطالة.
إن الأهداف الحكومية المعلنة لم تمنع انتقادات تتعلق بطبيعة الحوار الذي شهده المنتدى، إذ انتقد أمجد عمارة، عميد كلية التجارة في جامعة المنوفية الأسبق، طريقة إدارة إحدى جلساته المخصصة لمناقشة موارد الدولة من النقد الأجنبي وإدارة الديون، معتبرًا أن تنظيمها لم يتح للحضور من غير المسؤولين الرسميين فرصة حقيقية للمشاركة.
وقال، في منشور له على “فيسبوك”، إنه تلقى دعوة لحضور مائدة مستديرة بقاعة القمة في فندق سانت ريجيس في العاصمة الإدارية الجديدة، وإنه خصص ألف جنيه من معاشه الشهري، الذي لا يتجاوز خمسة آلاف جنيه، لتلبية الدعوة رغم بُعد المسافة عن محل إقامته.
وبيَّن أن الجلسة تأخرت أكثر من ساعة ونصف الساعة عن موعدها المحدد، قبل أن تبدأ بإدارة إحدى مذيعات التلفزيون المصري، التي وجهت أسئلة قال إنها أُعدت مسبقًا إلى الوزراء والمسؤولين المشاركين، واستغرقت إجاباتهم قرابة ساعتين ونصف الساعة.
وأضاف أن المنظمين خصصوا دقيقة واحدة فقط لأسئلة الحضور في نهاية الجلسة، لم يتبق منها، حسب روايته، سوى 30 ثانية، قبل إغلاق باب المشاركة.
وانتقد كذلك توزيع المقاعد داخل القاعة، معتبرًا أن تخصيص المقاعد الأكثر راحة للمسؤولين في الدائرة الداخلية، مقابل جلوس بقية الضيوف في مقاعد ضيقة وغير مريحة، عكس تفاوتًا في التعامل بين المشاركين.
ورأى عمارة أن بعض الحضور من غير المسؤولين يمتلكون خبرات علمية وتخصصية كان يمكن الاستفادة منها في مناقشة الملفات الاقتصادية، منتقدًا ما اعتبره غيابًا للأفكار الجديدة والمساحة الكافية لتبادل المقترحات.
الصحافة المستقلة
وفي ملف الحريات، أدانت “الحركة المدنية الديمقراطية” ما وصفتها بالهجمة على المنصات الصحافية المستقلة، عقب القبض على فريق تحرير منصة “متصدقش”، وإحالة لينا عطا الله، رئيسة تحرير موقع “مدى مصر”، إلى المحاكمة بتهمة إنشاء وإدارة وتشغيل موقع إلكتروني دون ترخيص.
أدانت “الحركة المدنية الديمقراطية” ما وصفتها بالهجمة على المنصات الصحافية المستقلة، عقب القبض على فريق تحرير منصة “متصدقش”
وقالت، في بيان، إن استمرار التضييق على الصحافة المستقلة وملاحقة الصحافيين يأتي في سياق أوسع من الإجراءات الأمنية وتقييد الحريات، في مواجهة الأصوات المستقلة والمعارضة.
وانتقدت دور المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، معتبرة أنه أصبح أداة للتضييق على المنصات المستقلة، مشيرة إلى أن المجلس لم يمنح عددًا من المواقع، من بينها “مدى مصر”، التراخيص المطلوبة رغم تقديم الأوراق اللازمة، ولم يرد على طلباتها، فضلًا عن حجب معظم المنصات المستقلة.
وأضافت الحركة أنها كانت قد تفاءلت بإمكانية فتح المجال أمام التغيير السياسي، عقب تصريحات الرئيس بشأن عدم المساس بالدستور لمد مدد الرئاسة، لكنها وجدت نفسها مجددًا أمام موجة من الملاحقات والتضييق على الصحافة المستقلة.
وأكدت أن حرية الصحافة لا تتعلق بحقوق الصحافيين وحدهم، وإنما تشمل حق المواطنين في المعرفة، وحق المجتمع في الرقابة والمساءلة، وحق الأصوات المستقلة في التعبير عن هموم المصريين ومعاناتهم بعيدًا عن الاقتصار على الرواية الرسمية.
وتساءلت عن أسباب استمرار التضييق على هذه الأصوات، بالتزامن مع تنظيم الحكومة منتدى لعرض إنجازاتها، مشددة على أن حرية الصحافة وتعدد الآراء شرطان أساسيان لأي إصلاح سياسي جاد.
وفي السياق ذاته، أدانت 119 من منظمات المجتمع المدني والمنافذ الإعلامية المستقلة من مختلف أنحاء العالم، إحالة لينا عطا الله إلى المحاكمة، معتبرة الخطوة تصعيدًا يهدد مستقبل الصحافة المستقلة في مصر.
وذكرت المجموعة، في بيان مشترك، أن عطا الله استُدعيت للتحقيق أمام نيابة أمن الدولة العليا في 19 أكتوبر/تشرين الأول، بعد ساعات من انضمام “مدى مصر” إلى سبع مؤسسات إعلامية مستقلة أخرى من العالم العربي لتأسيس غرفة أخبار تضامنية، عقب القبض على فريق عمل منصة “متصدقش”.
أدانت 119 من منظمات المجتمع المدني والمنافذ الإعلامية المستقلة من مختلف أنحاء العالم، إحالة لينا عطا الله إلى المحاكمة، معتبرة الخطوة تصعيدًا يهدد مستقبل الصحافة المستقلة في مصر
وأضاف البيان أن التحقيق الذي جرى في 21 أكتوبر/ تشرين الأول الجاري، واستمر أكثر من ست ساعات تناول تغطية الموقع للاحتجاجات في السجون، إلى جانب وضعه القانوني، وانتهى بتوجيه اتهامات تتعلق بإدارة موقع دون ترخيص ونشر أخبار كاذبة، قبل إخلاء سبيلها بكفالة قدرها 100 ألف جنيه، ثم إحالتها إلى المحاكمة وتحديد الثلاثاء المقبل موعدًا لأول جلسة.
ووفق البيان، فإن الموقع تقدم بطلب ترخيص في عام 2018، ثم أعاد تقديمه بعد صدور اللائحة التنفيذية للقانون في 2020، دون تلقي رد، قبل أن يعلم في 2022 برفض طلبه، من دون إخطار أو توضيح مناسب. كما رفع دعوى قضائية للطعن في قرار الرفض، فيما ظل طلب آخر قدمه في 2023 معلقًا دون رد.
وحذر الموقعون من أن التهم الموجهة إلى عطا الله قد تترتب عليها غرامات تتراوح بين مليون وثلاثة ملايين جنيه، مع احتمال مضاعفتها في حالة العود، فضلًا عن إمكانية إغلاق الموقع بحكم قضائي.
وطالبوا السلطات المصرية بوقف ملاحقة عطا الله، ومنح “مدى مصر” الترخيص وفقًا للقانون، وإنهاء استهداف المنصات المستقلة، والإفراج عن الصحافيين المحتجزين بسبب عملهم، مشيرين إلى استمرار حبس ستة صحافيين احتياطيًا في قضية “متصدقش”، ومزاعم تعرض بعضهم للتعذيب.
جزيرة الوراق
وبعيدًا عن قاعات المنتدى، شهدت جزيرة الوراق تظاهرة حاشدة نظمها الأهالي عصر الجمعة، جددوا خلالها تمسكهم بالبقاء ورفضهم خطط الإخلاء في ظل مشروع التطوير الحكومي المستمر منذ سنوات.
ورفع المشاركون لافتات تحمل عبارات “لا للتهجير” و”لا لحصار جزيرة الوراق” و”باقون في جزيرة الوراق”، ورددوا هتافات بينها “مش هنسيب بيوتنا” و”يا وزير يا وزير.. إحنا أحق بالتطوير”.
وتأتي التظاهرة بعد تصريحات أدلى بها رئيس الوزراء خلال المنتدى، قال فيها إن أراضي الجزيرة كانت ضمن المناطق المقترحة لتنفيذ العاصمة الإدارية الجديدة عليها. واعتبر بعض الأهالي أن هذه التصريحات تؤكد الأهمية الاستراتيجية لموقع الجزيرة، وتدعم تمسكهم بالبقاء فيها وعدم قبول الخروج منها مقابل التعويضات المطروحة.
رفع المشاركون لافتات تحمل عبارات “لا للتهجير” و”لا لحصار جزيرة الوراق” و”باقون في جزيرة الوراق”، ورددوا هتافات بينها “مش هنسيب بيوتنا” و”يا وزير يا وزير.. إحنا أحق بالتطوير”
وكانت مجموعة “باقون في جزيرة الوراق” ذكرت، في بيان سابق، أن لقاءً جمعها بمسؤولين عن ملف الجزيرة أسفر عن تأكيد موافقة الدولة على مطلب توفير مساكن بديلة داخل الجزيرة، عبر قرار رسمي قالت إنه وشيك.
وتعود الأزمة إلى صيف 2017، حين بدأت قوات الأمن إخلاء مساكن وهدمها في الجزيرة، ما أدى إلى مواجهات أسفرت عن مقتل أحد الأهالي بالرصاص الحي وإصابة عدد من السكان ورجال الأمن.
وفي العام الماضي، أعلنت وزارة الإسكان استحواذها على نحو 993 فدانًا من أصل 1295 فدانًا من أراضي الجزيرة، أي ما يزيد على 76% من المساحة المحددة للتطوير.
وفي يوليو/تموز 2023، نشرت الهيئة العامة للاستعلامات صورًا لمشروع “مدينة حورس”، وهو الاسم الذي أُطلق على مشروع تطوير الجزيرة، وقالت إنه يستهدف تحويلها إلى منطقة استثمارية وتجارية عالمية، تضم مناطق استثمارية وتجارية وسكنية، وحديقة مركزية ومناطق خضراء وواجهة نهرية سياحية.
انهيارات عقارية
وفي ملف آخر يتعلق بسلامة المباني، شهدت الإسكندرية انهيار عقار سكني مأهول بالسكان، مكون من طابق أرضي وأربعة طوابق علوية، في شارع سعد زغلول المتفرع من شارع الترعة المردومة، ما أسفر عن وفاة شخصين وإصابة اثنين آخرين.
أظهرت لقطات متداولة من كاميرات مراقبة لحظة انهيار العقار بصورة مفاجئة، فيما هرع الأهالي إلى الموقع لمحاولة إنقاذ السكان
وأظهرت لقطات متداولة من كاميرات مراقبة لحظة انهيار العقار بصورة مفاجئة، فيما هرع الأهالي إلى الموقع لمحاولة إنقاذ السكان، وانتقلت سيارات الإسعاف وقوات الحماية المدنية والأجهزة الأمنية للتعامل مع الحادث والبحث عن ناجين أسفل الأنقاض.
وفي طنطا في محافظة الغربية، انهار منزل سكني السبت خالٍ من السكان، مكون من طابق أرضي وأربعة طوابق علوية، ما أدى إلى تهشم أربع سيارات كانت متوقفة في محيطه، دون وقوع وفيات أو إصابات.
وأصدر المحامي العام الأول لنيابات غرب طنطا الكلية توجيهاته بفتح تحقيق عاجل في الواقعة، فيما انتقل رئيس نيابة قسم أول طنطا إلى موقع الحادث لإجراء المعاينة والاستماع إلى أقوال عدد من السكان.
كما اتخذت المحافظة الإجراءات اللازمة، بما في ذلك فصل المرافق عن العقار المنهار وفحص المباني المجاورة للتأكد من سلامتها.