الجو العام للنص في قصيدته «الشيء الذي لا يوجد»، من ديوان «الأزهار تورق داخل الصاعقة»، يجعل حسين مردان من الذاكرة فضاءً للبحث عن أشياء لم يعد في الإمكان استعادتها. يتجول الشاعر في أعماقه بحثاً عن الوجوه والذكريات والأصوات، لكنه لا يعثر إلا على صور الفقد وآثاره، في مفارقة يتحول فيها الغياب إلى مصدر للحضور الشعري. ومن خلال ثنائيات الحرارة والجليد، والنور والعتمة، والذاكرة والنسيان، تتيح القصيدة قراءة تستعين بمفهوم «الأثر» عند جاك دريدا؛ فالأشياء الغائبة لا تعود إلى الوجود كما كانت، لكنها تواصل حضورها في اللغة، بوصفها صوراً لما فقدته الذات وعجزت عن الإمساك به.
المقطع الأول
(منذ الصباح وأنا أتجول في قلبي، بحثا عن ذكرى أو شبح، عن رجفة حارة أو لوعة. لا شيء غير قالب من جليد وظل غزالة تبتعد وتغيب في عتمة الأعماق. وكلما أرسلت كفي ليحفر في داخلي ويمسك بعطر أغنية أو لمعة ضوء، عاد وقد امتلأ بالغبار والطين! قلي أين ذهبت تلك الوجوه والمناظر والكؤوس المترعة؟ وأين اختفت غابات الريحان والطيور وجداول الضحك؟). (منذ الصباح وأنا أتجول في قلبي بحثا عن ذكرى أو شبح عن رجفة حارة أو لوعة)… من البداية تظهر ثنائية الحضور/الغياب، فالشاعر يتجول في قلبه بحثا عن شيء يفترض أنه موجود في داخله (ذكرى، شبح، رجفة، لوعة) لكن البحث الداخلي لا يقود إلى استعادة الماضي، بل إلى اكتشاف غيابه وهنا يبدأ النص في تقويض تصوره الأول: الداخل الذي يُفترض أن يكون موطن الذاكرة يتحول إلى فضاء للفقدان.
واللافت أن الشاعر لا يبحث عن شيء محدد وإنما عن ذكرى أو شبح والفرق بينهما مهم؛ فالذكرى توحي بحضور الماضي في الوعي بينما الشبح هو حضور غير مكتمل شيء حاضر بوصفه غائبا. وبالتالي فإن الشبح يصبح صورة عبثية ساخرة بامتياز، إنه حاضر لأنه يترك أثرا وغائب لأنه لا يمكن الإمساك به، ثم تأتي العبارة (لا شيء غير قالب من جليد وظل غزالة تبتعد وتغيب في عتمة الأعماق)..
هنا ينهار وعد العثور على الماضي، فبدل الرجفة الحارة نجد الجليد، وبدل الحضور نجد الظل، وبدل الإمساك نجد الابتعاد والغياب نحن أمام سلسلة من المتقابلات.. (الحرارة/ الجليد) (الحضور/ الغياب) (النور/ العتمة) (الإمساك/ الابتعاد) (الذاكرة / النسيان)، لكن عمل التفكيك لا يكتفي بإثبات هذه الثنائيات؛ بل يسأل عن العلاقة بينها، فالغياب هنا ليس نقيضا بسيطا للحضور، وإنما هو الشرط الذي يجعل الحضور ممكنا، فالشاعر لا يشعر بوجود الماضي إلا من خلال الإحساس بفقدانه، وما يسميه ذكرى لا يظهر إلا بوصفه أثرا غائبا، في حين نرى قوله (اليد التي تبحث ولا تجد) تزداد هذه المفارقة وضوحا في قوله: (وكلما أرسلت كفي ليحفر في داخلي ويمسك بعطر أغنية أو لمعة ضوء، عاد وقد امتلأ بالغبار والطين!). الفعل (يحفر) يفترض أن هناك شيئا مدفونا يمكن الوصول إليه، وهذه الصورة تشبه عمل الذاكرة فالماضي يبدو كأنه موجود في الأعماق وكل ما يحتاجه الإنسان هو أن يحفر للوصول إليه، لكن النتيجة تأتي معاكسة تماما الحفر لا يؤدي إلى اكتشاف الشيء، بل إلى الغبار والطين. وهنا يفكك النص اعتقادا ضمنيا بأنّ العمق يعني الحقيقة، فكلما توغل الشاعر في داخله لم يصل إلى جوهر صافٍ، بل إلى مادة غامضة وثقيلة، يصبح الداخل نفسه غير موثوق؛ فبدل أن يكون مستودعا للمعنى، يتحول إلى مكان تتراكم فيه آثار الفقد. والأهم أن الكف تحاول الإمساك بعطر، أو لمعة غير أن العطر والضوء من أكثر الأشياء استعصاءً على القبض، يمكن الإحساس بهما لكن لا يمكن امتلاكهما ماديا، لذلك فإنّ رغبة الشاعر في الإمساك بالماضي محكومة بالفشل منذ البداية.
كما يمكن قراءة (الغبار والطين) باعتبارهما نقيضين للصور السابقة، فالعطر والـضوء يرتبطان بالخفة والجمال والصفاء، بينما (الغبار والطين) يرتبطان بالمادية والتلف والدفن، وكأن عملية استعادة الذاكرة لا تعيد الماضي، بل تكشف بقاياه. في نهاية المقطع يتحول الخطاب إلى السؤال:
(قلي أين ذهبت تلك الوجوه والمناظر والكؤوس المترعة).. وهنا يصبح السؤال أهم من الإجابة، فالنص لا يقدم تفسيرا لاختفاء الأشياء وإنما يبني معناه على استحالة استعادتها، والسؤال (أين ذهبت؟) يحمل افتراضا بأنّ الأشياء كانت موجودة في مكان ما ثم انتقلت منه، لكن النص نفسه لا يسمح بتحديد ذلك المكان، أين ذهبت الوجوه؟ أين المناظر؟ أين الكؤوس؟ إن البحث عن مكان الغياب لا يؤدي إلى نتيجة لأن الغائب ليس موجودا في مكان آخر يمكن الوصول إليه. فجأة نرى أن قائمة المفقودات قد اتسعت (غابات الريحان والطيور وجداول الضحك)..
هذه الصور تمثل عالما حيا وحسيا ومتحركا، ولكنها لا تظهر في النص بوصفها حضورا فعليا، وإنما بوصفها أسماء لأشياء غائبة، وهنا يمكن القول إن اللغة تستعيد ما عجز الواقع عن استعادته، فالريحان والطيور والضحك لم تعد موجودة في تجربة الشاعر لكنها أصبحت موجودة في اللغة. الشيء الغائب لا يتخفى بصورة مطلقة وإنما يترك أثرا في اللغة وهذا يقود إلى مفهوم مهم عند دريدا هو الأثر trace.. فالوجوه والمناظر والكؤوس والطيور، لم تعد حاضرة لكنها بوصفها كلمات تشير إلى غيابها وهذه هي ثنائية (الحضور والغياب) عند جاك دريدا.
إذا قرأنا المقطع قراءة تقليدية يمكن أن نقول، إن الشاعر يتذكر ماضيا جميلا ثم يشعر بالحزن لأنه فقده لكن القراءة عبر مفهوم الميتا لغة تكشف شيئا أعمق، الماضي نفسه لا يظهر لنا إلا باعتباره غائبا، فالقصيدة لا تقدم الماضي بصورة مباشرة، بل تقدمه من خلال: (الذكرى التي لا تستعاد) أو (الشبح الذي لا يمكن الإمساك به) (العطر الذي يتبدد) (الضوء الذي يلمع ثم يختفي) (الوجوه التي لم تعد موجودة) (الضحك الذي تحول إلى أثر لغوي)، وهكذا يصبح الغياب هو الذي ينتج الحضور الشعري، فلو كان الماضي حاضرا بصورة كاملة، لما كانت هناك حاجة إلى القصيدة أصلا، القصيدة تنشأ من المسافة بين ما كان وما لم يعد موجودا.
الخصائص الفنية للقصيدة:
الملاحظ أن الشاعر كتب نصّه على شكل كتلة أي مقال، وهو الشكل الأصلي لقصيدة النثر التراثية عند النفري، أو قصيدة النثر الفرنسية عند برتراند، وأيضا نلاحظ التنقيط والأقواس وهي أهم سمات قصيدة النثر الأصل، شكلت الأقواس والنقاط الشرط السيميائي أو قد تكون قد تحوّلت إلى مجرد حيلة شكلية أو تجربة بصرية، لكن يمكن القول إن المقطع يقوم ظاهريا على البحث عن شيء مفقود، لكنه عند تفكيكه يكشف أن عملية البحث نفسها مستحيلة، لأن الشيء الذي يبحث عنه الشاعر لا يوجد بوصفه حضورا مكتملا وإنما يوجد بوصفه أثرا، بينما نرى النص وقد احتفى بسلسلة من الثنائيات: الحضور/الغياب، الحرارة/الجليد، الضوء/العتمة، الداخل/الخارج، الذاكرة/النسيان، الإمساك/الانفلات، لكنه في الوقت نفسه يهدم الحدود بين أطراف هذه الثنائيات؛ فالذكرى لا تظهر إلا من خلال الغياب والحضور لا يُدرك إلا عبر فقدانه والداخل الذي يبحث فيه الشاعر عن ذاته يتحول إلى فضاء من الطين والغبار.
ناقد و شاعر عراقي