الخرطوم ـ «القدس العربي»:أعلنت وزارة الطاقة السودانية، الأحد، أن أعمال إصلاح الأعطال في محطة كهرباء سد مروي شمال البلاد ستستغرق عدة أيام، بعد أن تسبب حريق اندلع في المحطة في أضرار كبيرة بالمغذيات الرئيسية لخطوط نقل الكهرباء، ما أدى إلى انقطاع الإمداد الكهربائي عن أربع ولايات.
أهمية المحطة
وتكتسب محطة كهرباء سد مروي أهمية استراتيجية باعتبارها أكبر مشروع للتوليد الكهرومائي في السودان، إذ تبلغ طاقتها التصميمية نحو 1250 ميغاواط موزعة على عشر وحدات توليد، ما يجعلها إحدى الركائز الأساسية للشبكة القومية للكهرباء.
وفي الظروف التشغيلية الطبيعية، يوفر السد نحو 60٪ من إجمالي الكهرباء المولدة في البلاد، وقد ترتفع مساهمته في بعض الفترات مع تراجع إنتاج المحطات الحرارية أو خروج بعضها عن الخدمة. ويجعل ذلك أي عطل يصيب محطة مروي أو خطوط النقل الرئيسية المرتبطة بها ذا تأثير مباشر على استقرار الإمداد الكهربائي في عدد من الولايات السودانية.
وأدى الحريق الجزئي في السد إلى انقطاع الكهرباء عن العاصمة الخرطوم وولايات نهر النيل والشمالية والبحر الأحمر.
وأوضحت الوزارة أن الحريق الذي اندلع في أحد كوابل محطة توليد كهرباء سد مروي ألحق أضراراً كبيرة بالمغذيات الرئيسية لخطي النقل «مروي ـ المرخيات» و«مروي ـ عطبرة». وأضافت أن الفحص الفني أكد حاجة الأعطال إلى أعمال صيانة قد تمتد لعدة أيام قبل إعادة التيار الكهربائي إلى الولايات المتأثرة.
وأكدت أن فرق الدفاع المدني والفرق الفنية تمكنت من السيطرة على الحريق في وقت وجيز، فيما تواصل الكوادر الهندسية والفنية أعمال الإصلاح والصيانة على مدار الساعة لإعادة الخدمة في أقرب وقت ممكن.
وفي السياق، وصل وزير الطاقة المهندس المستشار المعتصم إبراهيم أحمد إلى سد مروي عقب الحادث مباشرة، حيث وقف على سير أعمال الصيانة بحضور اللجنة الأمنية في ولاية الشمالية. وأكد اتخاذ الإجراءات اللازمة لاستعادة التيار الكهربائي، وتوفير قطع الغيار المطلوبة لإصلاح العطل، إلى جانب تعزيز التغذية البديلة من المحطات الأخرى وربط الشبكات لإدارة الطاقة الكهربائية المتاحة بكفاءة وعدالة.
وأشارت الوزارة إلى أن التحقيقات لا تزال جارية للوقوف على أسباب اندلاع الحريق، مؤكدة التزامها بإطلاع الرأي العام على أي مستجدات عبر منصاتها الرسمية.
وجددت وزارة الطاقة اعتذارها للمواطنين عن انقطاع الكهرباء، مؤكدة أن الأعطال جاءت نتيجة ظروف خارجة عن الإرادة، ومثمّنة تفهم المواطنين وصبرهم حتى اكتمال أعمال الصيانة وإعادة الخدمة.
وتأتي الحادثة في وقت يواجه فيه قطاع الكهرباء في السودان تحديات غير مسبوقة منذ اندلاع الحرب في أبريل/ نيسان 2023، إذ تعرضت أجزاء واسعة من البنية التحتية للكهرباء إلى أضرار مباشرة وغير مباشرة أثرت على قدرات التوليد والنقل والتوزيع، وأدت إلى انقطاعات متكررة للتيار في معظم ولايات البلاد.
وخلال أكثر من ثلاث سنوات من الحرب، تحول قطاع الكهرباء إلى أحد أكثر القطاعات الحيوية تأثراً، بعدما طالت العمليات العسكرية عدداً من محطات التوليد والتحويل وخطوط النقل، فضلاً عن أعمال التخريب والنهب التي استهدفت المعدات والكابلات والمحولات، وسرقة موصلات النحاس في شبكات الإمداد وداخل المنازل في عدد من المدن، ما أعاق جهود الصيانة وأبطأ إعادة الخدمة في كثير من المناطق.
يوفر سدّ مروي 60٪ من احتياجات البلاد… وتحقيقات لمعرفة الأسباب
وفي الأشهر الأولى للحرب، خرجت عدة محطات تحويل رئيسية عن الخدمة، بينما تعرضت شبكات التوزيع في العاصمة الخرطوم ومدن أخرى إلى أضرار واسعة نتيجة الاشتباكات، الأمر الذي أدى إلى انهيار الإمداد الكهربائي في مدن كاملة لفترات طويلة. كما واجهت فرق الصيانة صعوبات كبيرة في الوصول إلى مواقع الأعطال بسبب الأوضاع الأمنية، وهو ما أدى إلى تراكم الأعطال وتأخير عمليات الإصلاح.
ومع استمرار الحرب، أصبحت الشبكة القومية تعمل بقدرات أقل من المعتاد، مع الاعتماد بصورة أكبر على محطات التوليد المائي، وفي مقدمتها محطة سد مروي التي باتت تمثل أحد أهم مصادر الإمداد الكهربائي للبلاد، ما جعل أي عطل يصيب المحطة أو خطوط النقل المرتبطة بها ينعكس بصورة مباشرة على عدد من الولايات المرتبطة بالشبكة القومية.
وخلال العامين الماضيين شهد السودان عدة انقطاعات واسعة للكهرباء نتيجة أعطال فنية وخروج بعض محطات التوليد أو التحويل عن الخدمة، فضلاً عن تأثر خطوط النقل الرئيسية التي تربط مناطق الإنتاج بمراكز الاستهلاك، الأمر الذي جعل استقرار الإمداد الكهربائي تحدياً يومياً أمام السلطات المختصة.
وفي مايو/ أيار الماضي، أقرت وزارة الطاقة بأن قطاع الكهرباء يواجه واحدة من أصعب مراحله، مشيرة إلى أن إعادة تأهيل الشبكة القومية تتطلب موارد مالية وفنية كبيرة، في ظل حجم الدمار الذي لحق بالبنية التحتية خلال سنوات الحرب.
كما أعلنت عن خطة لإعادة تأهيل محطات التوليد الحراري وشبكات النقل والتوزيع، بالتعاون مع مؤسسات وشركات وطنية ودولية، بهدف استعادة القدرات الإنتاجية تدريجياً.
وكان وزير الطاقة قد كشف عن تدمير نحو 60٪ من البنية التحتية للقطاع، مقدراً الخسائر بنحو تسعة مليارات دولار.
وأوضح أن حجم الأضرار شمل محطات التوليد، ومحطات التحويل، وخطوط النقل، وشبكات التوزيع، بالإضافة إلى المعدات والآليات وورش الصيانة، الأمر الذي جعل إعادة بناء القطاع تمثل أحد أكبر ملفات الإعمار في مرحلة ما بعد الحرب.
أزمة كهرباء
ولا تقتصر آثار أزمة الكهرباء على انقطاع التيار عن المنازل، بل تمتد إلى مختلف القطاعات الاقتصادية والخدمية. فقد أدى عدم استقرار الإمداد الكهربائي إلى زيادة الاعتماد على المولدات الخاصة، وارتفاع تكاليف الإنتاج في المصانع، وتعطل بعض الأنشطة التجارية، فضلاً عن تأثيره على خدمات المياه والمستشفيات والاتصالات، خاصة في المدن الكبرى التي تعتمد بصورة أساسية على الشبكة القومية.
كما انعكست الأزمة على المواطنين بصورة مباشرة، إذ أصبحت ساعات القطوعات الطويلة جزءاً من الحياة اليومية في عدد من الولايات، ما أثر على حفظ الأغذية والأدوية، وأرهق الأسر في ظل ارتفاع درجات الحرارة وزيادة تكاليف الحصول على بدائل للطاقة، سواء عبر المولدات أو أنظمة الطاقة الشمسية التي اتجه إليها كثير من المواطنين والمؤسسات خلال السنوات الأخيرة.
أزمة مياه
وفي حي الأندلس، تقول نجلاء محمد عثمان لـ« القدس العربي» إن أزمة الكهرباء تمتد آثارها إلى أزمة المياه، إذ يعتمد السكان على الآبار والمضخات التي لا تعمل إلا لساعات محدودة عند توفر الكهرباء أو عبر أنظمة الطاقة الشمسية، الأمر الذي يدفع الأسر إلى تخزين احتياجاتها اليومية من المياه خلال فترة تشغيل قصيرة لا تتجاوز بضع ساعات. وتشير إلى أن الأهالي اضطروا للتكيف مع شح المياه، إلا أن استمرار انقطاع الكهرباء يجعل الحياة اليومية أكثر صعوبة ويضاعف الأعباء على الأسر.
وفي إفادة مماثلة من حي الكلاكلة جنوبي الخرطوم، تصف منال أحمد حمد أزمة الكهرباء بأنها تجاوزت مجرد انقطاع التيار لتصبح عبئاً يومياً يطال مختلف جوانب الحياة.
وتقول إن السكان يقضون معظم أيامهم في ظلام دامس، بينما لا تتجاوز ساعات الإمداد، إن حضرت، بضعة أيام متفرقة تكون خلالها الكهرباء ضعيفة إلى درجة لا تكفي لتشغيل الأجهزة المنزلية الأساسية. وتضيف أن غياب التيار الكهربائي أجبر الأسر على شراء الطعام يومياً لعدم القدرة على حفظه، كما زاد من تكلفة الحصول على مياه الشرب الباردة والمشروبات في ظل الارتفاع المستمر للأسعار.
أما فوزية عاصم، من حي الأندلس، فتتهم الجهات المسؤولة بعدم الاستجابة لشكاوى المواطنين، رغم تكرار البلاغات والمراجعات. وتقول إن السكان طالبوا مراراً بإعادة الخدمة الكهربائية عبر الشبكة العامة، ولو لساعات محدودة ومنتظمة، بدلاً من الحلول المؤقتة والرسوم الإضافية، إلا أنهم لم يتلقوا سوى وعود متكررة دون تحسن ملموس. كما تشير إلى أن الأعطال في المحولات وشبكات التوزيع تستمر لفترات طويلة، بينما يتحمل المواطنون كلفة الإصلاح بصورة مباشرة أو غير مباشرة. وتضيف: «المواطن السوداني أصبح مديوناً للعذاب.. لقد تعبنا».
سلع تتعرض للتلف
وفي الكلاكلة، ترى فتحية عثمان أن استمرار الانقطاع ألحق أضراراً مباشرة بسبل كسب العيش، إذ أصبحت الأنشطة التجارية الصغيرة أكثر صعوبة، وتعرضت السلع الغذائية والمشروبات سريعة التلف للخسائر بسبب غياب وسائل التبريد. وتؤكد أن انعدام الاستقرار في الإمداد الكهربائي، إلى جانب ارتفاع تكاليف المعيشة، جعل كثيراً من الأسر عاجزة عن تلبية احتياجاتها الأساسية، معتبرة أن الكهرباء لم تعد خدمة عامة فحسب، بل أصبحت عاملاً حاسماً في قدرة المواطنين على مواصلة حياتهم اليومية بكرامة.