القاهرة ـ «القدس العربي»: واجه قرار رفع أسعار الكهرباء للاستخدامات المنزلية في مصر انتقادات واسعة، واتهمت أحزاب معارضة ونواب الحكومة بالفشل، ومعتبرين أنها أصبحت تلعب دور شركات التحصيل، وتحمل المواطن سياساتها الخاطئة.
وكانت وزارة الكهرباء والطاقة المتجددة المصرية أعلنت، السبت، رفع أسعار الكهرباء للاستخدامات المنزلية، بنسبة 12 ٪.
وقالت، في بيان، إن الزيادة الجديدة في الأسعار تأتي في إطار خطة الدولة لضمان استقرار التغذية الكهربائية، والحفاظ على استدامة منظومة إنتاج ونقل وتوزيع الكهرباء والطاقة المتجددة، مع الاستمرار في مراعاة البعد الاجتماعي وتخفيف الأعباء عن المواطنين، خاصة محدودي الدخل ومتوسطيه.
وبررت قرار رفع الأسعار بأنها استهدفت تحقيق التوازن بين التكلفة الفعلية لإنتاج الكهرباء واستمرار تقديم الدعم للمشتركين، بما يضمن استقرار الخدمة وعدم تأثرها بالمتغيرات الاقتصادية وارتفاع تكاليف الإنتاج.
وبينت أنها في إطار دعم الفئات الأقل استهلاكًا، قررت تثبيت سعر الشريحة الأولى للاستخدام المنزلي دون أي زيادة خلال المرحلة الحالية.
ووفق الوزارة، فإن نسبة الزيادة تختلف من شريحة إلى أخرى وفق حجم الاستهلاك، بما يحقق العدالة في توزيع الدعم، ويضمن استمرار توجيهه إلى الفئات الأكثر احتياجًا.
وأكدت أن هذه الزيادة جاءت بعد مراجعة دقيقة لمختلف المتغيرات الاقتصادية، وفي مقدمتها ارتفاع أسعار الوقود وتكاليف التشغيل والصيانة، إلى جانب الالتزامات المالية الخاصة بقطاع الكهرباء.
وشددت على أن الهدف من تطبيق التعريفة الجديدة ليس تحميل المواطنين أعباء إضافية، وإنما تحقيق التوازن بين استمرار تقديم خدمة كهربائية مستقرة وعالية الجودة، وبين الحفاظ على الاستدامة المالية لمنظومة الكهرباء والطاقة المتجددة.
وأضافت أن الدولة ما زالت تتحمّل جانبًا كبيرًا من التكلفة الفعلية لإنتاج الكهرباء، رغم الزيادات التي طرأت على أسعار الوقود ومستلزمات التشغيل.
وحسب بيان الوزارة، فإن الدولة تتحمّل سنويًا نحو 100 مليار جنيه، تمثل الفارق بين التكلفة الحقيقية لإنتاج الكيلووات/ساعة، وفق أسعار الوقود التي تسدد بها شركات إنتاج الكهرباء، وبين التعريفة المحاسبية التي يدفعها المواطنون.
الزيادة الثانية
وأعلن الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي رفضه القرار لما يفرضه من عبء جديد على ملايين الأسر التي تواجه بالفعل موجات متلاحقة من الغلاء وتراجعًا حادًا في قدرتها الشرائية.
وبين أن الزيادة ليست إجراءً استثنائيًا، بل هي خامس جولة لرفع أو إعادة تسعير تعريفة الكهرباء المنزلية منذ يوليو/ تموز 2021، بينها زيادتان خلال أربعة أشهر فقط في عام 2026، ما يؤكد أن جيب المواطن أصبح الحل الأسهل والمتكرر أمام الحكومة، بدلامن مراجعة أولوياتها وتصحيح السياسات التي أدت إلى العجز الراهن.
وأضاف أن الأمر يزداد خطورة بعد تصريحات وزير الكهرباء في فبراير/ شباط الماضي، التي نفى فيها وجود نية لزيادة الأسعار، قبل أن تُقر الحكومة زيادتين متتاليتين خلال أشهر قليلة؛ بما يثير تساؤلات جدية حول مصداقية التصريحات الحكومية وقيمة التعهدات المعلنة للمواطنين.
ولفت إلى أن تقديم تثبيت سعر الشريحة الأولى باعتباره حماية لمحدودي الدخل، فلا يصمد أمام الواقع؛ إذ إن استهلاك هذه الشريحة لا يكفي الاحتياجات الأساسية الواقعية لأسرة، مهما حرصت على ترشيد الاستهلاك. وبالتالي، ستتجاوز الغالبية العظمى من الأسر محدودة الدخل هذا الحد وتتحمل الزيادة الجديدة.
وتابع الحزب: «رئيس مجلس الوزراء أعلن في 18 يناير/ كانون الأول الثاني 2021 أن مصر ستحقق الاكتفاء الذاتي من المنتجات البترولية بحلول عام 2023 ولن تحتاج إلى استيرادها، لكن الوعد لم يتحقق، ثم نقلت الحكومة الموعد هذا العام إلى 2030، ما يعكس إخفاقًا واضحًا في إدارة ملف الطاقة والوفاء بالتعهدات أمام الشعب».
وطالب الحزب الحكومة بالتراجع الفوري عن الزيادة، وعدم إجراء أي تسعير جديد قبل عرض بيانات تكلفة إنتاج الكهرباء، ونسب الفاقد، والمديونيات، وخطة الدعم على مجلس النواب والرأي العام، مع تبني خطة وطنية محددة المواعيد لخفض الفاقد، وترشيد الاستهلاك الحكومي، والتوسع في الطاقة الشمسية المنزلية من خلال الحوافز والتمويلات الميسرة.
وختم الحزب بيانه باتهام الحكومة المواطن، في كل مرة، ثمن أخطاء الإدارة وتأخر الإصلاحات الحقيقية.
كذلك، اعتبر حزب العدل أن القرار يعكس استمرار تحميل المواطنين أعباء الأزمات الاقتصادية، بدلامن معالجة أسبابها الهيكلية، محذرًا من أن العلاقة بين الدولة والمواطن باتت تقترب من نموذج شركة تحصيل لا دولة تقدم خدمات في إطار عقد اجتماعي متوازن.
وقال إن الأزمة لا تتعلق بزيادة أسعار الكهرباء وحدها، وإنما بالنهج الاقتصادي الذي يجعل المواطن الحل الأخير في كل أزمة مالية، لافتًا إلى أن مديونية وزارة الكهرباء لوزارة البترول بلغت نحو 480 مليار جنيه بنهاية يونيو/ حزيران الماضي، بزيادة تقترب من 90 مليار جنيه خلال ستة أشهر، رغم الزيادات المتتالية في الأسعار.
حزب قال إنها تحولت «شركة تحصيل»… ونائب اتهمها بهجوم دمياط
وأضاف أن الكهرباء تمثل نموذجًا لأزمة أوسع في إدارة المالية العامة، موضحًا أن نحو 64٪ من استخدامات الموازنة العامة تذهب لخدمة الدين، ما يضغط على الإنفاق المخصص للتعليم والصحة والحماية الاجتماعية والاستثمار، بينما يصبح تحميل المواطن مزيدًا من الأعباء هو الخيار الأسهل لتعويض ضيق الحيز المالي.
ولفت الحزب إلى أن ارتفاع تكلفة إنتاج الكهرباء يرتبط أيضًا بتراجع إنتاج الغاز الطبيعي وزيادة الاعتماد على الغاز المستورد الأعلى تكلفة، مؤكدًا أن المواطن لم يعد يدفع فقط ثمن استهلاكه للكهرباء، وإنما يتحمل كذلك تكلفة تراجع الإنتاج المحلي، وفوائد الدين، والتشابكات المالية، وتأجيل الإصلاحات الحقيقية.
وانتقد الحزب حديث الحكومة عن استمرار دعم شرائح الاستهلاك، مشددًا على أن الأموال التي تتحملها الدولة هي في النهاية أموال المواطنين، سواء عبر الضرائب أو الدين العام أو التضخم أو تراجع الإنفاق على الخدمات الأساسية.
وشدد على أن القضية تجاوزت حدود السياسة الاقتصادية إلى مفهوم العقد الاجتماعي بين الدولة والمواطن، مؤكدًا أن المواطن ليس عميلالدى الحكومة، والحكومة ليست شركة تحصيل، بل من حق المواطنين أن يتساءلوا عن المقابل الذي يحصلون عليه بعد سنوات من خفض الدعم، وارتفاع الأسعار، وتراجع قيمة العملة، وموجات التضخم المتتالية.
واختتم بيانه بالتأكيد على أن زيادة أسعار الكهرباء ليست سوى عارض لأزمة أكبر تتعلق بتراكم الديون، وضيق الحيز المالي، وتراجع الدور الاجتماعي للدولة، متسائلًا: بعد كل ما دفعه المصريون طوال هذه السنوات، وإذا كانت الحكومة تتخلى تدريجيًا عن دورها الاجتماعي وتطالب المواطن بثمن متزايد لكل شيء، فما الذي بقي أصلامن العقد الاجتماعي بين المواطن والحكومة.
اختلالات مالية
حزب «العيش والحرية» اعتبر أن القرار يمثل استمرارًا لنهج اقتصادي يقوم على تحميل المواطنين، عامًا بعد عام، أعباء الاختلالات المالية والاقتصادية، سواء الناجمة عن السياسات الاقتصادية التي اختارتها السلطة أو عن ظروف عالمية وإقليمية، في وقت تتراجع فيه القدرة الشرائية للأجور والدخول، وتواصل معدلات التضخم تقليص قدرة ملايين الأسر على تلبية احتياجاتها الأساسية.
وقال الحزب في بيان: «بدء برنامج إعادة هيكلة أسعار الكهرباء في عام 2014، ثم جاء الاتفاق مع صندوق النقد الدولي في 2016، وشهدت أسعار الكهرباء زيادات متكررة تحت مبررات متعددة، من بينها خفض دعم الطاقة، وارتفاع تكلفة الوقود، وتحقيق الاستدامة المالية للقطاع الذي يجري إشراك القطاع الخاص فيه بوتيرة متسارعة».
وشدد على أن الكهرباء ليست سلعة استهلاكية عادية، بل هي مدخل أساسي للإنتاج وللحياة اليومية، وأن كل زيادة في تعريفتها تجعل المواطنين في حال أسوأ وتعرضهم لمخاطر صحية مع ارتفاع الحرارة خاصة في المحافظات الجنوبية مثل أسوان. إلى ذلك، شن أعضاء في البرلمان هجومًا على الحكومة، وقال النائب محمد عبدالعليم داود، رئيس الهيئة البرلمانية لحزب الوفد، إن الحكومة لا يجوز أن تعالج أزماتها المالية بتحميل المواطنين أعباءً جديدة، خاصة في ظل موجات الغلاء المتلاحقة، مشددًا على أن حماية محدودي ومتوسطي الدخل مسؤولية دستورية لا تقبل التفريط، مطالبًا بوقف هذه الزيادات فورًا، ومحاسبة المسؤولين عن أي إخفاقات في إدارة ملف الطاقة بدلامن تحميل الشعب ثمنها، مع اتخاذ الإجراءات البرلمانية اللازمة لمواجهة هذا القرار والدفاع عن حقوق المواطنين.
فيما قال النائب ضياء الدين داود، إن الحكومة اتبعت في أيامها الأخيرة قبل الرحيل، أقصى درجات الانحراف عن طريق الرشد السياسي، لتصل بالمصريين لأقصى درجات القسوة والكراهية تجاهها وتجاه مؤسسات الدولة. وأضاف، في بيان عبر صفحته الشخصية على الفيسبوك، أن زيادة أسعار شرائح الكهرباء جاءت وسط أزمة تعرض الأمن القومي لهزة واختبار كبيرين بالاعتداء على ميناء دمياط، وأنها واستغلت الظرف أسوأ استغلال لفرض أعباءً جديدة لم يعد بمقدور أحد من المصريين تحملها.