يا وجهها الأول
يا خفق الجمر في ثوب نيسان
عدت إليك
وقلبي حصان أريق على الطرقات القديمة
دمه
يبحث عن ظلك في عطر الينابيع
وعن اسمك
في نفس الغياب
ما زلت هناك
بين قمح ينام على كتف الريح
وبين طفل يخط وجهك
على غبار النافذة
أحببتك لأنك تشبهين البلاد
حين نغني
وحين تصاب بالصمت أيضا
أحببتك لأنك رمادية كالفجر
تنقذ الليل من وحدته
وتغرقينني بالحنين
أنا آخر العائدين من الحلم
ارتق ما تبقى من نجم
وأزرعك في رمادي
قلت لها
هل الوطن
إلا وجهك حين ينام القمر على خدك
وهل الغربة
إلا أن أمشي في عينيك
ولا أجد الطريق إلى نفسي
كنت خريطة القلب
رسم فيك
نهري
وجبلي
وحدودي
وأكتب على صدرك
هنا كانت قرية اسمها أنا
في هدير أنفاسك
سمعت نشيدا قديما
كان الفقراء يغنونه في الصباح
حين تشرق رائحة الخبز
والدم معا
ففهمت أن الحب ليس قصيدة
بل نشيد نجاة من الفقد
وفهمت أن الرماد
هو ما تبقى من الوطن حين يحترق القلب فيه
فضممتك
وسميتك يا وطني
لتصيري نجمة في رمادي
ولأصير شهيدا في عينيك
في المنفى
لا وجه للوقت
ولا ظل للباب
ولا أسماء للجهات الأربع
نحمل أوطاننا في جيوب المعاطف
ونخفيها عن العسس
كأنها رسالة حب
أرسلت من زمن محظور
في المنفى
تصير القصيدة وطنا مؤقتا
وتغدو الحروف أجنحة للهاربين
هناك
كنت أكتب اسمك على زجاج المقاهي
فيمسحه الغريب بكم قميصه
دون أن يدري
إنه محا خريطتي
كنت بعيدة كنجمة
وأقرب من وجعي
وكنت أقول لنفسي
ما المنفى إلا أن تحب
ما لا يمكن أن يعود
فزرعت رمادي في ريح الغياب
وقلت
لعل الحب
أن لم ينقذ الوطن
ينقذ القصيدة من الموت
نهضت من رمادي
كأن القصيدة بعثتني
وقالت لي
اكتب لتنجو
فالناجون هم الذين يحملون الكلمات كأعمدة بيت
قديم
في رماد العاشقين
وفيك ندى البدء
فلنزرع معا ما تبقى من الفجر
في حدائق الفجر
رأيت البلاد تفيق
من نومها الطويل على جمر الصمت
وكان الأطفال يحملون دفاترهم
كما يحمل الأنبياء نبوءاتهم الأولى
قالت لي الريح
اكتب وطنا لا يخاف الغياب
ولا يخونه الشعر إن مات الحلم
فكتبتك أنت
لأنك القيامة التي وعدتني بالعودة
ولأن حبك وحده
يعيد للتراب معناه
وللإنسان وجهه
وقلت
من رمادك ولدت
ومن حبك أبدأ الطريق
رأيت قلبي يسير أمامي
يفتح الدرب للعشب
ويكتب على الحجارة
ها هنا مر عاشق
فانتبهوا للنور الذي تركه خلفه
لم أعد أسأل عنك
لأنك أصبحت ما لا يسأل عنه
كالمطر
كالغفران
كالأوطان حين تشفى من أسمائها
كل ما كتبته عنك
صار ترابا ينبت ذاكرة جديدة
وكل ما بكيته
صار نهرا يفيض على حجارة اللغة
في آخر القصيدة
وصرت طفلا يحمل رمادي في كفه
ويسألني
الحب هو القيامة
حين تشتعل الأرض من قلب واحد
سلام عليك
يا أنثى الرماد
يا وطني الموعود بالمطر
يا آخر ما يبقى
حين لا يبقى أحد
شاعر سوري