«حائكات الأزل» موجز لتاريخ ألم النساء


ميلانو ـ «القدس العربي»: على هامش الندوة التي عقدها مؤخراً «المعهد الثقافي العربي» في ميلانو، أجرت أستاذة اللغة العربية والمترجمة الإيطالية إليزا فيريرو حواراً مع الكاتبة اللبنانية بسمة الخطيب، حول روايتها «حائكات الأزل»، الصادرة حديثاً عن دار الآداب في بيروت. وأشارت فيريرو إلى أن الخطيب ولدت في إحدى قرى الشوف في جبل لبنان. درست في بيروت الصحافة والتربية المتخصّصة بالطفولة المبكرة، وعملت في الإعلام المرئي والمسموع والمكتوب والتحرير الأدبي. أصدرت ثلاث مجموعات قصصية وعدداً من الكتب لليافعين والأطفال وروايتين هما «برتقال مرّ» و»حائكات الأزل». وقالت فيريرو إنها حين ترجمت إلى الإيطالية بعض مقاطع الرواية الثانية وقرأتُها لجمهور ندوة «المعهد الثقافي العربي» في ميلانو، «وجدتُ أثرها ينتقل إليّ ويتفاعل مع صوتي كأنّني أنا من يعيش تلك السطور. تتّسم الرواية بالصراحة الشديدة، والتسلّل إلى تفاصيل منمنمة ومتشعّبة تتغلغل في صميم حياة النساء، من سرد تجربة المخاض وجرح الولادة إلى فائض هرمون البرولاكتين العاطفي، وإدرار الحليب، إلى زراعة الكتّان والقطن وغزلهما والحياكة بكلّ ما يواجهها من صعوبات مروراً بالإخراس والاضطهاد والعنف الجنسيّ. إنّها ليست عن النساء والحياكة فقط، بل عن الألم، وهي موجز لتاريخ ألم النساء واضطهادهنّ».
وأضافت فيريرو أن الرواية «تُصوَّر الأمومة تحديداً من دون تجميل، بكلّ ما فيها من ألم ومخاطر وإخفاقات، من دون التقليل من قيمتها، وفيها يظهر اللوذ بالحياكة والأنسجة، حيلةً للنجاة والصمود فوق صدع جغرافي وحضاري كان موطن الحائكات. تذهب الرواية إلى ما قبل الحكي والسرد، وتخبرنا كيف كانت النساء يبحن ويصمدن ويتجذّرن بالأرض المتصدّعة قبل التدوين عبر الحياكة والغزل والأنسجة».
وأوضحت أنه إن كانت كاتبات عربيات كثيرات تناولن واقع النساء ومصائرهنّ، فإنّ الخطيب في روايتها هذه اختارت التميّز عنهنّ بشكل محوريّ، عبر هذا البُعد التاريخي أوّلاً، وثانياً عبر الأسلوب الذي يمزج الواقع بالأسطوريّ، ليخلق واقعيةً أسطوريّة، من صورها المؤثّرة بناء عالمين متوازيين: واحد في زمن مجهول سحيق مُتخيّل ومُستلهم من الحضارات المتتالية، التي مرّت بمنطقة شرق حوض المتوسّط، وعالم آنيّ واقعي في المحيط الجغرافي نفسه. وبما أنّ أيّ خطّين متوازيين لا يلتقيان إلّا في الأزل، كما تقول الرياضيات والفيزياء، لجأت الكاتبة إلى وصلهما بالغرز والقطب والخيوط ذات الأشكال والأنماط العديدة والخيوط المتقاطعة والمنسوجة بتأنّي النسّاجات وصبرهنّ».
وهنا الحوار:
* تبدأ الرواية بما يمكن وصفه بالاحتجاج، أو فعل التمرّد على السرديّة الشائعة التي تقول إنّ «رواية القصص تشفي»، لأنّه برأيكِ لم يكن الكلام مسموحاً دائماً للمرأة عبر التاريخ، وأحياناً تمّ تعمّد إنهاكها لئلا تجد الوقت لذلك، ففي غياب هذه الحرية لا توجد قصص أو سرد، بل تاريخ طويل مدفون لا يُسمع له صوت. يبدو أنّ هذه الرواية تحديداً تمزّق هذا الصمت، وتُقرأ كرحلة مؤلمة عبر الزمن إلى الذات الأنثويّة الجماعيّة منذ ما قبل التدوين. لماذا اخترتِ النساجات لتمثيل هذه الذات الجماعيّة؟ هل هذا اختيار مرتبط بذاكرة عائلتك، أم أنّكِ فكّرتِ في التشابه – اللغوي أيضاً في اللغة العربية (حاك / حكى) – بين فعل النسيج وفعل السرد؟ ـ
ـ كلاهما. كان أجدادي نسّاجين استقرّوا في جبال قريبة من البحر تناسب شجر التوت، فربّوا دود القزّ وصنعوا الحرير، ثم في مرحلة لاحقة وبعد تدهور هذه الصناعة واظبوا على الغزل والحياكة على الأنوال والاتجار بالقماش، وكانت نساؤنا عصب هذا الاقتصاد، كما تؤكّد أبحاث تاريخيّة مهمّة أبرزها لفواز طرابلسي وفادية إسماعيل، من جهة ثانية وموازية عندي إيمان راسخ بأنّني أنتمي إلى اللغة «العربية» بجذورها وتفرّعاتها وروافدها. اللغة العربيّة هي موطني. لقد كانت إشارة بالغة الأهمّيّة بالنسبة لي عندما اكتشفتُ هذه العلاقة بين أسلافي واللغة التي تُشكّل محور حياتي ومهنتي، فأنا صحافيّة وأديبة ومحرّرة. انتبهت ذات لحظة فارقة للصلة اللغوية بين الحياكة والحكاية ولم أستطع التخلّص من أسر الأمر وفتنته. ويمكنني إضافة المزيد من الأسباب: فأنا أُحبّ النسيج والخياطة والحياكة والتطريز والأقمشة… لقد كان خياراً جمالياً وفنّياً شخصياً، نابعاً من شغفٍ عميق وإرث أيضاً. وفي خصوص الإسكات وما قبل التدوين، وبتتبّع المسار الإنسانيّ، فإنّ المرأة قبل أن يُسمح لها بحرية الكلام وسرد تاريخها بنفسها، وقبل أن يُسمح لها أن تشارك في سرد التاريخ ووضع وجهة نظرها وقبل أن يكون لها «صوت» بالأساس، اتّخذت الحياكة طريقة لذلك، لجأت إلى الزراعة والحياكة للصمود والاستقرار وبناء الحضارة، الزراعة والحياكة ملتصقتان وتكادان بالنسبة لي أن تكونا أمراً واحداً، لأنّنا نحوك ممّا نزرع ونزرع لنأكل ونحوك، لذا، بعد أن سُلبت من المرأة عوامل قوّتها، وسادت السيطرة الأبويّة راحت تترك شيفرات عبر الحياكة، والحياكة ـ للمفارقة- أنيطت بالنساء ربّما كعقاب من وجهة نظر السادة والحكّام، لكنّها ساعدتها على تطوير مهارة السرد، فالعقل هو برأي العلم «الراوي الأوّل»، والعمل اليدويّ الحِرفي كما تثبت الأبحاث العلميّة يساعد الخلايا العصبيّة على النموّ ويحفّز إفراز هرمونات السعادة والمرح ما يؤدّي إلى تحمّل الألم، وهكذا تبلورت شخصيّة المرأة المثابرة والمكافحة والساردة البارعة.
*لا يقتصر النسيج على كونه موضوع الرواية فحسب، بل هو أيضاً جزء لا يتجزّأ من بنيتها. فالسرد نفسه مُتشابك كنسيج. تدور أحداث الرواية حول شخصيتين رئيسيتين وقطبين زمنيين: تانيس، في الماضي، قبل الكتابة، وندى، في العالم المعاصر، خلال جائحة كوفيد 26 المتحوّر عن كوفيد 19. يتقدّم السرد زمنياً بدءاً من تانيس، ويتراجع بدءاً من ندى، حتى يلتقي الخطّان مُعيدين بناء نسل نسائي يُمثّل جميع نساء الرواية. ما الصعوبات التي واجهتك أثناء العمل على هذه البنية السرديّة الصعبة برأيي؟
ـ تطلّب بناء هذه الرواية عملاً مضنياً على مدى سنوات، تخلّلته ظروف شخصيّة صعبة: معركة والدي مع السرطان، وصراعه مع الموت، معاناة احتضاره، والانهيار المالي في لبنان، ثمّ جائحة كورونا. المهمّ أنني كنت أنهض مجدّداً بعد كلّ انتكاسة، وأبذل جهداً هائلاً لأكمل من حيث توقّفت، وأحياناً حتّى من الصفر. وكما أوردتِ، بنيتُ عالمين سرديين، ونسجتُ بينهما خيوطاً كالجُسور مستخدمةً تقنيّات من عالم النسيج نفسه: الرتق، القطبة المخفيّة، الرفو، وتحقيق التوازي والتباين والتكامل السرديّ. استلهمتُ أنماطاً من عالمي وبيئتي (فأنا تعلمت حياكة الصوف بعمر 9 سنوات والخياطة بعمر 17 سنة)، وأخرى من خيالي وأحلامي. بينما يبحث الحاضر عن الماضي، يتحرّك الماضي نحو الحاضر حتّى يلتقيا؛ هكذا يعمل النول وصنّارات الخيوط في جوهرها، انتقلت التقنية تلقائياً إلى كتابتي، لم تكن هنا الصعوبة، بل في الظروف الأخرى المحيطة بي، ولعلّ أصعب ما مررت به هو قرار التخلّي عن خطّ سردي كامل لئلّا يشوّش على ثيمة الرواية الرئيسيّة، حدث ذلك بعد صراع مضنٍ.
*هل سعيت من خلال هذه الرواية إلى اقتراح نسب بديل للنسب الأبويّ التقليديّ؟ أم أنّ الهدف هو كشف الجانب الآخر من الحياكة، الجانب الذي – كما تقولين في الرواية – «يُظهر بوضوح ما تمّ إصلاحه وخياطته وترقيعه»؟
ـ ليس بديلاً بقدر ما هو مواز. حين انجبت ابنتيّ التوأمتين صرت أفكّر كثيراً بحبل السرّة، حبل سرّتي انتقل لابنتيّ وسينتقل إلى أبنائهما، بينما ابني لن يورث حبل سرّته لأولاده، فهمت أكثر لماذا كان الأطفال يُكنّون بأسماء أمّهاتهم في المجتمع الأموميّ، باتباعي خطى جدّتي لأمّي، لم أصل سوى إلى رابع جدّة، كانت خيبة كبيرة، ليست لدينا شجرة عائلة للأمّهات، فأبحرت في الخيال وعلى خطى العصور التاريخيّة في المنطقة، وصلتُ إلى تانيس، وشعرتُ بالتعب وكأنّها لاقتني هناك، قررتُ التوقّف عندها لأفهمها أكثر، ولأفهم نفسي، وقد عثرت عليها عند نهر الفرات، لأنّني أشعر بأنّنا بنات هذا النهر (وحضارات ما بين النهرين) ننجرف معه ونتفرّع كالجداول. أنا وأمّي وأمّها وجدّاتنا من نسل تانيس، نسبح في ماء الرحم نفسه، ونتفرّع من الحبل السرّي نفسه. يسعى الرجال ويقاتلون ويشنّون الحروب ليورثوا أسماءهم وممتلكاتهم وعروشهم لأبنائهم الذكور. النساء لا يحتجن إلى ذلك، لديهنّ حبال السرّة التي توطّد الصلة. هذا التاريخ غير المعلن هو تاريخنا الذي يجب أن نقدّره، وقد كتبتُ هذه الرواية عنه من هذا المنطلق. في كلّ قصّة هناك تفصيل واحد على الأقلّ لم يُروَ، سواء كُتم أو أُسقط أو ضاع بالمصادفة، يأتي من يعثر عليه ويرتقه وهذا ما خُلِقتْ لأجله الروايات وقبلها الحكايات الشفوية وفكرة «أن نروي» بذاتها.
*لقد استخدمتِ أسلوباً يقع بين الأسطورة والحكاية الخرافيّة والواقعيّة الرمزيّة القويّة. النتيجة مؤثّرة للغاية: كلّ خيط من خيوط هذا النسيج السرديّ الغنيّ يبقى عالقاً في ذاكرة القارئ، مستحضراً مشاعر وذكريات شخصيّة. هل اخترتِ هذه اللغة لأنّها ربّما الأقرب إلى النفس البشريّة، وبالتالي الأقدر على مخاطبة جميع النساء، في مختلف الأماكن والأزمنة؟
ـ أجد هذا النهج قويّاً ومؤثّراً. شخصيّاً، لا تزال الحكايات الشعبيّة والأساطير تُبهرني. الإرث الشفويّ الأسطوريّ إبداع بشريّ مذهل، لا يزال تأثيره على الفنون والأدب مستمرّاً حتّى يومنا هذا؛ له بصمة أصيلة ويخاطب الرجال والنساء ولكن يبدو أنّ لدينا كنساء حساسيّة خاصّة في استقباله والتفاعل معه، لأنّ القصص هذه تعطينا القدرة على الحلول فيها وعلى تقمّص البطولات والنهايات السعيدة مثل الحبّ الأبديّ والثراء والخصوبة والإنصاف. اخترت الأسطورة والرمزيّة لأنّني تتبّعت أثر جدّتي الأزليّة، العودة إلى زمن ما قبل التدوين حين كانت الجغرافيا والتضاريس مختلفة عمّا هي اليوم، حين لم تكن اللغة هي نفسها لغتنا وحين كانت الحيوانات الضارية رفيقة بعض البشر وشريكتهم (تانيس وأفروديت روّضتا الضواري)، كلّ هذا ألزمني بالأسلوب الملحمي- إن شئتِ أن تسمّيه هكذا- كما أنّني عشت طفولتي قرب وادٍ غامض فيه قصر محفور في الصخر يعود للعصر الحجري وقد ألهمني بالتأكيد، لم يدفعني إلى استلهامه كمكان فقط بل كعالم كامل عبر أزمنة متتابعة. الوادي الذي ولدت أمّي قربه أيضاً ساحر وآسر، أردت أن أسمّيه وادي الأزل في أولى مسوّدات الرواية، ثمّ عدلت عن الأمر وسمّيته وادي الهجران، فالهجر بمعنى ما أزليّ أيضاً.
* يبدو أنّ هناك تواتراً دائما في الرواية بين الصدمات الفردية والجماعية (الأوبئة، الزلازل، الحروب…). هل يمكن للسرد، كشكل من أشكال «إعادة بناء الذاكرة»، أن يساعد في التئام ندوب هذه الصدمات، فردياً وجماعياً؟ هل هذا ما حاولتِ فعله في هذه الرواية؟
ـ بعد تنظيف الجرح، نقوم بخياطته وإغلاقه ليشفى. سيترك ندبة، لكن هذه الندبة – التي لها لغتها الخاصّة – دليل على التعافي، دليل على المعاناة التي تحملناها للشفاء. أنا ضدّ محوها. أنجبت توأمتين بعمليّة قيصريّة، ولا تزال ندبة الولادة ظاهرة. رفضتُ إجراء جراحة تجميليّة لها. إنّها أثر خروج ابنتيّ للحياة وما بقي من جرح الولادة وألمي. لم تضمر كما هو متوقّع، بل اتضح لي أنّ كلّ نوع من أنواع البشرة يتفاعل بشكل مختلف مع الندوب. بعضها يتأثّر لفترة أطول من غيرها؛ وغالباً ما يكون هؤلاء هم الأكثر حساسيّة بيننا. تُقرّب الكتابة والحياكة حواف الجروح وتربطها بأنماط وأشكال ورموز وحروف وغيرها. ثمّة بين الصدمة الشخصيّة والجماعيّة تآزر وتداخل. مسارهما ليس خطّياً بل دورياً؛ فهو يتكرّر حتماً إذا لم تتغيّر الخلفيّة والسياق، الأوبئة مثلاً تتحوّر وتعيد ترميم نفسها، المجاعات والحروب أيضاً، وهذا الصدع، من جنوب تركيا إلى شمال مصر يعيد سيناريوهات زلازله وأزماته مع الزمن، لقد سبق أن دمّر مملكة أوغاريت بأكملها، وأول معهد للحقوق في الشرق، وقد نتساءل عن سرّ صمود أهله ونجاتهم. أتعلمين أمراً؟ ينصح الأطبّاء النفسيّون وأطبّاء الأعصاب مرضاهم بممارسة الحرف اليدويّة الدقيقة لعلاج التوتّر والاكتئاب. الغزل والحياكة علاجات نفسيّة، وكذلك الكتابة. كتابة قصّتنا المؤلمة تُخفّف الألم مراراً وتكراراً، نسخة تلو الأخرى، كندبة تجفّ مع مرور الوقت.
* في الرواية، الرمزية المرتبطة بالطبيعة قويّة جدّاً. الطبيعة شخصيّة بحدّ ذاتها تُساهم في تشكيل هويّة الشخصيّات البشريّة. يبدو أنّ مصير النساء مرتبط بالأرض – أرض قاسية وصدع يستيقظ دوريا ويقتل – بينما يبدو مصير الرجال مرتبطاً بالبحر الذي يحملهم بعيداً، ويُشفيهم، ويُحرّرهم. هل هذا التفسير ممكن؟
ـ بالمبدأ كلّ تفسير ممكن، وهذه قراءة جميلة منكِ. الرواية الآن ملك لقارئها، ونعم، فكّرتُ في هذا الاتّجاه. تُحبّ النساء اللواتي عرفتهنّ الموانئ أكثر من السفن. في الثقافة البريطانيّة مثلاً، كان البحارة يتشاءمون من صعود امرأة على متن سفينة معهم، معتبرين ذلك نذير شؤم. حتّى إنّ بعض النساء تنكّرن في زيّ الرجال للسفر بحراً. لا أعرف أصل هذه الأسطورة، لكنّني أعرف أسطورة عربيّة تقول إنّه إذا لم يوفِ رجل على متن قارب بعهد أو وعد فلن يُبحر القارب؛ بل سيصير ثقيلًا. هل هذا لأنّ وعود النساء لا يُمكن الوفاء بها؟ أم لأنّ النساء أنفسهنّ يعدن بالأمان والسعادة، وهو وعد غالباً ما يبقى من دون تحقيق؟ ترتبط النساء بالأرض ارتباطًا وثيقًا لأنّهنّ ينجبن الأطفال ويحتجن إلى الاستقرار في مكان آمن لحماية صغارهنّ، بينما يرتحل الرجال للحرب وللصيد وإعالة أسرهم، ويجدون أحياناً قوت يومهم في البحر. أمّا النساء، فقد فضّلن الزراعة والنسيج. ولأنّ البحر منفذ للتحرّر فقد بقي وقتاً طويلاً محظوراً على النساء في بلادنا، وما زال أثره لليوم، حيث يتجدّد كلّ صيف جدال نزول النساء للسباحة والمحظور من اللباس والتصرّفات وغير ذلك.
*نعم، لاحظت أن بعض بطلات الرواية يخفن من الاقتراب من البحر، وعندما يفعلن ذلك أخيراً، يشعرن بالشفاء والتحرّر. هل هذه استعارة للخوف الذي قد تشعر به النساء عند دخولهنّ عالم الرجال؟
ـ علاقتنا بالبحر معقّدة؛ فنحن نرتبط به بشغف، ولكنّه افتتان خطير. البحر غامض وجذّاب في آن واحد. بإمكانه أن يشفي الأمراض والقروح، أو أن يغرقنا أو يجعلنا وليمة لمخلوقاته. منطقتي، من شرق البحر الأبيض المتوسط ​​إلى شبه الجزيرة العربيّة، كانت كلّها بحرا قبل آلاف السنين، انحسر في حقبة جيولوجيّة بعيدة، لكنّ تأثيره لا يزال قائماً، حيث أعيش، البحر والغرب واحد. فالبحر يقع غرب لبنان، ما يجعل البحر رمزاً للمنفى والرحيل، وربّما الفقد، فضلاً عن كونه رمزاً للبدايات الجديدة والمغامرة والمخاطرة والاستقلال. وكما ذكرت، شواطئ البحر رمز التحرّر والثقافة الوافدة والتجديد والتغيير، لذلك خاف الأهل علينا منه. كلّ ما هو وافد ومختلف يثير خوف أهل هذه البلاد.
*بطلات الرواية، يمكننا القول إنهنّ أكثر اعتدالًا من كونهنّ مناضلات. فهنّ لا يقمن بأعمال تمرّد عظيمة ضدّ سلطة الرجل، بل يعارضنها من خلال أعمال صغيرة لكنّها ذات دلالة: ليلان تغنّي، وأميرة تنقذ ديدان القز لتتحوّل إلى فراشات، وأخرى تربّي الخيول، وندى تلتحق بالجامعة من دون علم زوجها وتتبنّى طفلًاً بمفردها… برأيك، هل هذه هي أنواع الإيماءات التي دعمت -ولا تزال تدعم- نضالات المرأة العظيمة عبر التاريخ؟
ـ نعم، تماماً. عبّرتِ عمّا في وجداني وخاطري. الغناء، وتحرير الفراشات، ونفخ زهور الهندباء، وحياكة الصوف والحرير، وتخزين بذور الكتان، كلّها أعمال حبّ ونضال. إنّهنّ غير صداميّات أو مبتذلات، يتحرّكن بذكاء وفطنة ضمن المتاح ويوسّعن مساحته ببطء شديد وصبر تعلّمنه من العناكب ودود الحرير. ثمّة منطق قديم أظنّ أنّ النساء ابتكرنه وهو «الصمود» و»التجذّر» وهذا التجذّر هو الحلّ الأوحد أمام الحرائق، الحريق يلتهم كلّ ما فوق الأرض ويستثني الجذور، وهذا ما قصدته في نهاية الرواية.
* أثناء قراءتي لبعض مراجعات روايتك، لاحظتُ أنّ إناث ابن آوى التي ترافق بطلات الرواية لم تُذكر. لكن على الغلاف، بجانب المرأة، تظهر أنثى ابن آوى. ماذا تُمثل؟ هل هي البُعد الجامح والحرّ للمرأة؟
ـ شكرا جزيلا على هذا السؤال. تمنّيت أن يُولي القارئ اهتماماً لبنات آوى، فهنّ رفيقات الحائكات، وهنّ رمز الطبيعة والغطاء النباتي والحيواني لمسرح الرواية وللأرض التي أنبتتنا وأنجبتنا. للأمانة وعلى صفحات «القدس العربي» انفرد الأستاذ المثنى الشيخ عطيّة بالحديث عنها. لقد روّضت النساء الكائنات البرّيّة ودجّنت ما أمكنها. تقف بنت آوى مع الحائكة على الغلاف الذي صمّمته الفنّانة التشكيليّة نجاح طاهر، وأنا والناشرة لا نتدخّل في عملها لكنّنا نبدي رأينا ونتناقش لاحقاً، هي تقرأ الرواية وتستلهم منها وتضفي إليها من روحها. بنات آوى رمز الحرّية ونداء البراري والوفاء لها، تلك البراري والفيافي التي طالما احتضنتنا وأحبّتنا رغم القسوة.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *