دمشق – “القدس العربي”: فجّر الكشف عن مصير أطفال الدكتورة رانيا العباسي الستة، بعد أكثر من 13 عاماً على اختفائهم القسري، موجة من الجدل الواسع في سوريا، فبينما أعلنت الجهات الرسمية التوصل إلى أدلة موثوقة ومتقاطعة تؤكد مقتلهم، اتهمت عائلة العباسي “فريق توثيق مجزرة التضامن” البحثي، بحجب معلومات ومقاطع مصورة كان من الممكن أن تكشف مصير الأطفال منذ سنوات، كما انتقدت، الهيئة الوطنية على طريقة إبلاغها بنتائج التحقيقات قبل إعلانها للرأي العام.
وتحوّل الإعلان عن القضية إلى سجال علني، في حين أكد أعضاء الفريق البحثي أنهم سلموا جميع المواد – تضم مجموعة من المقاطع مصورة تبلغ نحو 26 مقطعاً وثقت الجرائم – منذ سنوات إلى جهات قضائية وحقوقية مختصة، وأن التعامل مع الملف بات من اختصاص الهيئة الوطنية للمفقودين والجهات المعنية بمسارات العدالة والمساءلة.
الموقف الرسمي
الهيئة الوطنية للمفقودين في سوريا كشفت السبت أن تحقيقاتها بيّنت إلى حدّ كبير أن أطفال طبيبة الأسنان رانيا العباسي المفقودين مع والديهم منذ أكثر من عقد خلال حكم بشار الأسد، قد توفوا.
وتُعد قضية العباسي، وهي طبيبة أسنان وبطلة شطرنج سورية قضت في معتقلات نظام الأسد، من أبرز قضايا الاخفاء القسري في سوريا.
وفُقد أثرها مع زوجها عبد الرحمن ياسين وأطفالهما الستة في آذار/مارس 2013 إثر مداهمة قوات الأمن حينها منزل العائلة في مشروع دمر في دمشق، وفق منظمات حقوقية.
بقي مصير الأطفال الستة، ديمة وانتصار ونجاح وآلاء وأحمد وليان، مجهولاً طوال أكثر من عقد، ما جعل قضيتهم رمزاً لملف الأطفال المفقودين من أبناء المعتقلين والمغيبين قسراً
وبقي مصير الأطفال الستة، ديمة وانتصار ونجاح وآلاء وأحمد وليان، مجهولاً طوال أكثر من عقد، ما جعل قضيتهم رمزاً لملف الأطفال المفقودين من أبناء المعتقلين والمغيبين قسراً، في بلد لا تزال عشرات آلاف العائلات فيه تبحث عن أجوبة بشأن مصير أقاربها.
وأفادت الهيئة الوطنية للمفقودين في بيانها أنها توصلت، بعد سلسلة من إجراءات التحقق والتحليل ومراجعة معلومات ومواد متقاطعة ذات صلة بالقضية، وبالتنسيق مع الجهات الوطنية المختصة، إلى نتائج وصفتها بالموثوقة تتيح الاستنتاج بدرجة عالية من اليقين المهني بوفاة أطفال العباسي.
وأكدت الهيئة أنها أبلغت أفراداً من العائلة بهذه النتائج قبل الإعلان عنها للرأي العام، وفق ما وصفته ببروتوكول مهني وإنساني يراعي حق العائلة في المعرفة ويحفظ كرامتها وسلامتها النفسية.
وأوضحت أن النتائج استندت إلى تحقيقات ومعطيات وتحليلات متعددة خضعت للمراجعة والتقييم وفق المعايير المهنية المعتمدة، مشيرة إلى أن الجهود ما تزال مستمرة للعثور على الرفات وتحديد أماكن وجودها بالتنسيق مع الجهات المختصة.
وشددت على أنها لن تنشر أي مواد بصرية أو معلومات قد تمس بكرامة الأطفال أو تنتهك خصوصية العائلة، نظراً للحساسية الإنسانية للقضية، داعية وسائل الإعلام والرأي العام إلى التعامل معها بمسؤولية والامتناع عن تداول المواد غير الموثقة أو ما قد يسبب أذى إضافياً للضحايا وذويهم.
كما جددت التزامها بمواصلة العمل على كشف مصير المفقودين في سوريا وفق منهجية مهنية وإنسانية وقانونية تضع حقوق العائلات وحقها في المعرفة في صدارة أولوياتها، معربة عن تعازيها لعائلة العباسي، ومؤكدة استمرار جهودها في متابعة جميع ملفات المفقودين.
وأفادت وزارة الداخلية السورية بأنها توصلت عبر تحقيقات مع موقوفين وأدلة إضافية، إلى أن الأطفال قُتلوا على يد مجموعات وميليشيات مرتبطة بالنظام السابق، مشيرة إلى أن التحقيقات ما تزال مستمرة لتحديد جميع المتورطين، وعلى رأسهم أمجد يوسف، المعروف بلقب “سفاح التضامن”، والمتهم بالضلوع في مجزرة حي التضامن عام 2013.
تعرضنا للتضليل
لكن إعلان الهيئة لم يضع حداً للتساؤلات، إذ سرعان ما برزت اعتراضات من عائلة العباسي التي تحدثت عن معلومات ومقاطع مصورة محجوبة، قالت إنها كانت بيد الفريق البحثي منذ سنوات، ووجهت انتقادات لكل من الهيئة الوطنية للمفقودين وفريق توثيق مجزرة التضامن.
وفي هذا السياق، نعى حسان العباسي، شقيق الدكتورة رانيا العباسي، الأطفال الستة، مؤكداً أن ما شاهده في أحد المقاطع المصورة حسم مصيرهم بعد سنوات طويلة من الانتظار.
أوضح العباسي أنه شاهد مقطعاً يظهر فيه صوت أمجد يوسف أثناء دخوله إلى غرفة تضم أطفالاً قتلى
وأوضح العباسي أنه شاهد مقطعاً يظهر فيه صوت أمجد يوسف أثناء دخوله إلى غرفة تضم أطفالاً قتلى. وأضاف أن الصوت كان يذكر تاريخ 11/03/2013، بينما كان صاحب الصوت يتنقل بين الأطفال مستخدماً مصباحاً يدوياً داخل غرفة مظلمة، ويقوم بتصويرهم واحداً تلو الآخر بحيث تظهر ملامحهم بوضوح.
وحسب رواية العباسي، فإن صوت أمجد يوسف كان يقول: “أولاد أكبر ممولين بركن الدين”، في إشارة إليه، قبل أن يعيد ذكر التاريخ ويختم بالقول: “فداء روح الشهيد البطل نعيم يوسف”.
كما وصف العباسي تفاصيل الفيديو الذي شاهده، موضحاً أن الطفل أحمد كان يرتدي الجاكيت ذاته الذي ظهر به في الصور المعروفة للعائلة، فيما ظهرت آلاء بالكنزة الصوفية الخضراء نفسها، وكأنها نائمة أو مقيدة. وأضاف أن نجاح كانت ترتدي الكنزة الحمراء نفسها التي تظهر بها في الصور المتداولة، مع وجود آثار دماء على فمها.
وأشار إلى أن ثلاثة من الأطفال، وهم ليان وانتصار ونجاح، كانت تظهر حول أعناقهم أربطة سوداء تشبه الحبال، معتبراً أن ذلك يرجح تعرضهم للخنق. وقال إن التطابق في الملابس والملامح لا يترك مجالاً للشك في أن الأطفال الذين ظهروا في الفيديو هم أبناء شقيقته.
رسائل عائلة العباسي
وفي تدوينة أخرى، كشف العباسي أنه سبق أن وجّه رسالتين بعد اعتقال أمجد يوسف؛ الأولى إلى وزارة الداخلية التي تتولى التحقيق معه، والثانية إلى فريق كشف مجزرة التضامن للحصول على الفيديو الذي يظهر فيه أطفال قيل إن أمجد يوسف وصفهم بأنهم “أطفال كبار ممولي الإرهاب في ركن الدين”.
وأضاف أنه تواصل لاحقاً مع الباحثة أنصار شحود والباحث دمر سليمان، وطلب الاطلاع على الفيديو الخاص بالأطفال، إلا أن طلبه قوبل بالرفض، فيما طلب منه إرسال صور حديثة للأطفال قبل اعتقالهم من أجل مقارنتها بالصور الموجودة لدى الفريق.
وقال العباسي إن أنصار شحود أبلغته في اليوم التالي، بعد إجراء المقارنة، بعبارة: “الحمد لله مو أطفالكم”. أما دمر سليمان فأخبره بأنه سيجري مقارنة إضافية، قبل أن يعود لاحقاً ويبلغه بأن الموضوع يحتاج إلى جهة مختصة دون أن يؤكد أو ينفي وجود صلة بين الأطفال الظاهرين في الفيديو وأطفال رانيا العباسي.
وأضاف العباسي أن تأكيد أنصار شحود آنذاك دفعه إلى صرف النظر عن احتمال أن يكون الأطفال الظاهرون في المقاطع هم أبناء شقيقته، قبل أن تعود القضية إلى الواجهة مجدداً.
وقال حسان العباسي إن مصير أطفال شقيقته كان معروفاً لدى الفريق منذ فترة طويلة، وإن المعلومات المتعلقة بهم لم تنقل إلى العائلة رغم معاناتها المستمرة طوال سنوات البحث عنهم.
وتساءل العباسي عن أسباب هذا الإنكار بعد أن تبيّن لاحقاً، بحسب قوله، أن الأطفال ووالدهم كانوا ضمن الضحايا الذين ظهروا في مقاطع مصورة لم تنشر للعلن.
وفي تصريح آخر، قال العباسي بشكل مقتضب: “لقد تم تضليلنا”.
أصدر دمر السليمان، أحد أعضاء فريق البحث الذي عمل على توثيق مجزرة التضامن، توضيحاً أكد فيه أن جميع المواد المتعلقة بجرائم أمجد يوسف سُلّمت منذ سنوات إلى الجهات المختصة
وتعد أنصار شحود من أبرز الباحثين الذين عملوا على كشف مجزرة التضامن وتوثيقها. وقد اشتهرت بدورها في التحقيق الذي كشف هوية أمجد يوسف، بعدما أمضت سنوات في بناء علاقة وهمية معه مكّنتها من الحصول على اعترافات ومقاطع مصورة ساهمت في تحويل القضية إلى ملف دولي يتعلق بجرائم الحرب والانتهاكات المرتكبة في سوريا.
وفي مواجهة هذه الاتهامات، أصدر دمر السليمان، أحد أعضاء فريق البحث الذي عمل على توثيق مجزرة التضامن، توضيحاً أكد فيه أن جميع المواد المتعلقة بجرائم أمجد يوسف سُلّمت منذ سنوات إلى الجهات المختصة، وفي مقدمتها الهيئة الوطنية للمفقودين.
وأوضح سليمان أن المواد نفسها كانت قد أُرسلت منذ عام 2020 إلى الآلية الدولية المحايدة والمستقلة وإلى القضاء الألماني وهيئات متخصصة بجرائم الحرب في فرنسا، إضافة إلى جهات أخرى معنية بمسارات العدالة والمساءلة.
وأضاف أن تواصل حسان العباسي معه جاء بعد إلقاء القبض على أمجد يوسف، مؤكداً أنه لم تكن لديه قبل ذلك أي معلومات أو مؤشرات تربط بين الفيديو المتداول وأطفال الدكتورة رانيا العباسي.
وأشار سليمان إلى أنه أبلغ العباسي منذ البداية بأن المواد أصبحت في عهدة الهيئة الوطنية للمفقودين، باعتبارها الجهة المخولة بالتعامل مع الملف، ونصحه بالتواصل معها مباشرة.
كما شدد على أن الصور المتداولة حالياً على أنها لقطات من فيديو إعدام الأطفال لا تعود، بحسب المعلومات المتوافرة لديه، إلى أي من الفيديوهات التي عمل الفريق على توثيقها أو قام بتسليمها إلى الهيئة الوطنية للمفقودين، لافتاً إلى أن حسان العباسي نفسه أشار إلى هذه النقطة خلال مقابلة تلفزيونية أجراها مؤخراً.