جيسون أرادي.. رجل أسود حاصره الإعلام في مزاعم سرقة أدبية حتى قتله


لندن- “القدس العربي”: قالت صحيفة “ذي أوبزيرفر” إن الحصار الإعلامي الذي فرضه الإعلام البريطاني، معظمه أبيض، على الأكاديمي الأسود جيسون أرادي، الذي توفي يوم الجمعة، يكشف عن هوس البيض بتظلماتهم وشكهم في أن إنجازات السود تحصل على حسابهم.

وقد حظيت قصة أرادي بتغطية إعلامية تجاوزت الجدل حول ما زُعم أنه سرقات أدبية في رسالة الدكتواره التي قدمها إلى جامعة ليفربول مورز، ومنذ تعيينه كأصغر برفسور أسود في تاريخ جامعة كامبريدج.

وقال سيون ماتيلكو في مقاله إن جيسون، الذي درس علم الإجتماع والتربية في كامبريدج، قبل أن يجبره الجدل الإعلامي حول مصداقيته الأكاديمية والشخصية على الاستقالة من منصبه الأسبوع الماضي، أشار إلى حالة النفاق في التعامل مع وفاة أرادي، الذي حاصره الإعلام وتأكد اليمين من أن “فضيحته” صارت عالمية.

ففي وقت متأخر من ليلة الجمعة، عبّر أحد الأكاديميين عن الأمر خير تعبير عما حدث لأرادي، وقال: “قبل أسبوعين، كان جيسون أرداي أستاذا في جامعة كامبريدج، والآن رحل”.

ويعلق ماتيلكو قائلا إنه قد يبدو من السطحية أحيانا تذكير الناس باللطف، وأن يتذكروا قبل أن يهاجموا، أن هناك إنسانا آخر وراء تغريداتهم أو منشوراتهم أو عناوينهم، وأضاف “لكن في هذه الحالة، لا أظن أنني أبالغ بالقول إن الصحافة خذلت جيسون أرداي”.

وبدأت القصة عندما قام رجل يصف نفسه بأنه “واقعي عرقي”، ويعتقد أنه في ظل نظام قائم على الجدارة “سيختفي السود من جميع المناصب الرفيعة تقريبا خارج الرياضة والترفيه”، وهو ما قد يصفه الكثيرون بـ”العنصرية”  ويكشف عن شبهات سرقة أدبية في أطروحة الدكتوراه الخاصة بأرداي، ويكتب عنها على منصة سبتاكس.

وتحققت الصحف من الادعاءات ووجدتها ذات مصداقية. كان من الممكن أن ينتهي الأمر عند هذا الحد، لو كان الأمر كذلك، لكانت التغطية الإعلامية مماثلة لتلك التي حظي بها أستاذ جامعة كامبريدج، ويليام أورايلي، الذي نسخ 4,000 كلمة من مقالات طلابه وأعاد نشرها على أنها من تأليفه في مجلات أكاديمية، وادعى أنه ضحية “تنمر بدافع كراهية المثلية” عندما انكشف أمره.

لكن التغطية الإعلامية لأرادي لم تقتصر على عمله الأكاديمي، ذلك العمل الذي رغم كفايته لاجتياز اختبار الدكتوراه في جامعة ليفربول جون مورز، إلا أن النقاد قالوا إنه أساء إلى سمعة كامبريدج.

سخر الصحافيون من كل جانب من جوانب حياة أرادي سعيا وراء المشاهدات على منصات التواصل والأموال التي جمعها لجمعيات خيرية.

ونُشر عنه 249 مقالا خلال 22 يوما. ولساعات بعد إعلان وفاته، نشرت صحيفة “التايمز” إعلانا ممولا على موقع إكس لمقال كتبه طالب سابق ساخط لم يكن راض عن أسلوب تدريس أرادي.

وقالت الصحيفة إن جزءا كبيرا من التغطية الإعلامية المكثفة التي سبقت الأحداث المأساوية يوم الجمعة ركزت على الصراعات الثقافية.

وقورن أرداي بميغان ماركل، زوجة الأمير هاري، وزعم الصحافيون الذين حرصوا على التباهي بدراستهم في كامبريدج، أن وجود أرداي دليل على أن السود يحظون بفرص أسهل في الأوساط الأكاديمية، مع العلم أن 1% فقط من أساتذة الجامعات البريطانية من السود.

كما حفلت وسائل التواصل الاجتماعي بادعاءات خيالية مفادها أن جامعتي أكسفورد وكامبريدج تقبلان الطلاب السود الحاصلين على درجات أقل لمجرد كونهم سودا.

وفي الواقع، الشكل الوحيد للتمييز الإيجابي أو التنوع والمساواة والشمول، أو أيا كان المسمى، في قبول الطلاب بالجامعات البريطانية، هو التمييز الطبقي لا العرقي؛ فالأشخاص الذين درسوا في مدارس متواضعة أو يعيشون في مناطق محرومة قد يواجهون ظروفا استثنائية. كثير من المستفيدين من العروض المشروطة هم طلاب بيض من الطبقة العاملة، والذين يتظاهر معارضو التنوع والإنصاف والشمول في الصراع الثقافي بالاهتمام بهم.

ويقول الكاتب إن من الصواب محاسبة من يتولون مناصب ويجب فضح الكاذبين. ويبدو أن جوانب كثيرة من حياة أرداي كانت محل شك، فهو في النهاية إنسان غير معصوم من الخطأ، ولا تزال هناك أسئلة عالقة لن نحصل على إجابة عليها أبدا.  لكن الحملة الإعلامية الشرسة ضده كانت تتسم بالمبالغة مقارنة بأخطائه.

لم يكن أراداي قاتلا، ولم يكن مغتصبا، ولم يكن من بين أكاديميي كامبريدج المذكورين في ملفات إبستين. فلماذا إذا حظي بتغطية إعلامية واسعة؟

ولماذا وضعت العديد من وسائل الإعلام صورته كعنوان رئيسي على مواقعها الإلكترونية طوال الأسابيع الماضية، باستثناء اليوم التالي لوفاته؟

ربما ارتبط جزء من ذلك إلى “موسم الأخبار التافهة”، وجزء آخر إلى هوس البريطانيين بجامعتي أكسفورد وكامبريدج.

لو كان أرداي أستاذا في ليدز أو دارم أو كينغز كوليدج لندن، لربما لم تحظ قصته بهذا القدر من الاهتمام.

ومع ذلك، يرى الكاتب أن جزءا كبيرا من الضجة الإعلامية كان مرتبطا بعرق أراداي، لأنه أسود.

وهناك من سيقول إن كامبريدج هي أول من أكد على كونه أسودا، أو على عرقه.

ويضيف الكاتب: “أوافق على أنه في التغطية الصحافية التي أعقبت صعود أرادي السريع إلى منصب الأستاذية في عام 2023، تم طرح عرقه كثيرا. ومع ذلك، فإن العناوين الرئيسية مثل تلك التي رأيناها في الأسابيع القليلة الماضية، على سبيل المثال كيف أدت حركة  “حياة السود مهمة أيضا” إلى ظهور جيسون أرادي، أو مطالب الطلاب من كامبريدج بـ “إنهاء الاستعمار” قبل تعيين جيسون أرادي، أو تصنيف فتى ملصق التنوع في كامبريدج في صف الانتحال، وهي عناوين تتجاوز مجرد التعرف على الخلفية العرقية لأرداي، بل هي محاولة لإظهار سياسة التظلم الأبيض التي تشك فورا في إنجازات السود باعتبارها تأتي بطريقة ما على حساب البيض”.

وإذا تم تطبيق مستوى التدقيق الذي فُرض على أرادي خلال الأسابيع القليلة الماضية على منتقديه الأكثر حماسة، فلن يخرج سوى القليل منهم سالمين. ولم يكن أول شخص ولن يكون الأخير، الذي يُزعم أنه قام بسرقة عمل أو مشاركة قصة حياة تحتوي على حقائق مشكوك فيها. كما أنه ليس أول شخص يُتهم بأنه أكاديمي ضعيف، فمعظم خريجي الجامعات الذين يعرفهم الكاتب لديهم قصة عن الأكاديميين الذين اعتقدوا أنه أداءهم لا يصل إلى مستوى الوظيفة التي عينوا فيها.

لكن أرادي مات الآن، وسيكبر أبناؤه من دون أب. وفي غضون عام، قد لا يتذكر بعض منتقديه حتى اسمه. وربما يكون من السذاجة أن نتوقع من جميع الصحافيين التصرف بشكل أخلاقي. و”لكن يبدو أنني أتذكر الكثير ممن زعموا أنهم تعلموا الدروس بعد انتحار كارولين فلاك، المذيعة التي لاحقها الإعلام ونشر قصصها الشخصية.

وللأسف، بعد مرور ست سنوات، يبدو أن الدروس المستفادة كانت تتمثل في مطاردة شخصية عامة بلا هوادة، وبعد ذلك عندما يموتون، يقولون “نم بسلام” و”قلوبنا وصلواتنا معك” ومن ثم تحميل اللوم إلى شخص آخر.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *