جولة سياحية داخل متحف المركبات الملكية لأسرة محمد علي


يقع متحف المركبات الملكية الخاصة بأسرة محمد علي باشا بحي بولاق أبو العلا بالقاهرة، يشغل المتحف مساحة ضيقة نسبياً تبلغ نحو 175 متراً مربعاً فقط داخل مبنى عتيق، تم تخصيصه لحفظ المقتنيات والمركبات الملكية التي ظلت الأسرة العلوية تستخدمها على مدى عقود وعهود طويلة حُكمت فيها مصر بالوراثة، منذ تنصيب الجندي الألباني محمد علي والياً على مصر في عام 1805 بمساعدة كبار التجار والأعيان وبدعم مباشر من محمد كُريم وعُمر مكرم ونخبة من الشخصيات المؤثرة والبارزة في تلك الفترة.
يتوسط بهو المتحف الأثري، نسخة مُقلدة من عربة صغيرة مصنوعة من المعدن الأصفر على شكل كارتة كان يستخدمها الملك توت عنخ أمون في نزهته وتحركاته المحدودة، وتوجد النسخة الأصلية من هذه العربة في المتحف المصري الكبير حرصاً على قيمتها الأثرية الثمينة من التلف أو الفقد أو ما شابه من أشكال العبث التي تضر ضرراً بالغاً بالأثر.
وينقسم المتحف المذكور إلى أربع قاعات رئيسية وعدة طُرقات تتوزع بينها المركبات البالغ عددها 46 مركبة وفق ترتيب الحقب الزمنية المُختلفة، من القديم إلى الحديث، وتُعلق على جدران المتحف بعض اللوحات الزيتية المرسومة بأيادي كبار الفنانين والرسامين العالميين لأشهر الملكات والأميرات، كالملكة فريدة والملكة ناريمان والملكة نازلي أم الملك فاروق، والأميرة فريال والأميرة فوزية والأميرة فائقة والأميرة فتحية وغيرهن.
وتشغل اللوحات المرسومة بالأحجام الطبيعية للشخصيات الملكية مساحات كبيرة تكاد تُغطي جميع جُدران القاعات المُخصصة لهذا الغرض.
وداخل بعض الصناديق الزجاجية المُغلقة بإحكام شديد تُحفظ قطع الحُلي وبعض الأقراط والمجوهرات الملكية الأصلية، في دلالة واضحة على الثراء الشديد الذي كانت تتمتع به الملكات والأميرات والوصيفات، وحتى الشخصيات الثانوية العاملة آنذاك بالقصور الملكية، جميعهم كانوا يمتلكون ثروات طائلة من الذهب والعقيق والزمرد والفضة، وكل ما خف وزنه وثقل ثمنه، حيث كانت المجوهرات من شروط الوجاهة ودليلاً قاطعاً على الرفاهية والنعيم الذي رفلت فيه الأسرة العلوية الحاكمة منذ مطلع التاريخ الحديث وحتى قيام ثورة يوليو عام 1952 التي صادرت مُعظم أملاك البكوات والباشوات الموروثة عن الملوك والأمراء، الملك فؤاد الأول والملك فاروق والملك أحمد فؤاد ولي العهد، وقبلهم الخديوي إسماعيل والخديوي توفيق والخديوي سعيد إلى آخر سلسلة الحُكام.
وإذا كان المتحف الواقع في قلب القاهرة يختص فقط بالمركبات الملكية، فهو لا شك يعكس ملامح عصر من الرفاهية والبذخ عاش خلاله أصحاب السمو والرفعة والمقام العالي أزهى مراحل التاريخ المصري المُعاصر بالنسبة لطبقة الحُكام، بينما ظل الشعب يعيش حياة الهوان والتقشف، ما يجعل من المُقتنيات والقطع الأثرية الخاصة براحة الأسرة الملكية أدلة دامغة على الاستحواذ والاستئثار بكافة ثروات البلاد وخيراتها، من أراضي وقصور وحدائق ومجوهرات ومركبات.
والأمر هنا لا يختص بالمركبات فقط كوسائل انتقال وتنزه، لكنه يؤكد مظاهر الفوارق الطبقية وعمقها بين فئة الحُكام والفئات الشعبية المحكومة.
بعض المركبات الملكية التي عادة ما كانت تجرها الخيول المُطهمة، بواقع ستة خيول لكل مركبة، بعضها كان مُطعماً بالصدف والأحجار الكريمة، كعربة الملك فؤاد الأول وولي العهد أحمد فؤاد، والملك فاروق ملك مصر والسودان.
وهذا بالطبع بخلاف العربات المُخصصة لأفراد الحاشية وأهل الحظوة المُقربين من الحُكام والبلاط الملكي، واللافت في مكونات المتحف الذي تأسس بعد ثورة 23 يوليو عام 1952 وأغلق لفترة طويلة، ثم تم افتتاحه في 31 تشرين الأول/أكتوبر 2020 بعد ترميمه، اللافت فيه أن مقتنياته لا تزال على حالتها الطبيعية، فالمركبات كأنها مصنوعة اليوم، تحمل بريق زمانها ولمعانه بلا تلفيات ولا خسائر ولا فقدان لشيء ثمين، حتى أن سروج الخيول الملكية باقية كما هي بألوانها الزاهية وفنون تصميمها وزخارفها.
أما الخيول بأحجامها الطبيعية فقد صُنعت بأيادي مثالين مهرة وتم ربطها بالمركبات بذات التفاصيل الحركية لكل فرس، كأنه لا يزال حياً، يقف في شموخ وكبرياء يرفع رأسه إلى أعلى لا ينقصه غير الصهيل.
وتلك من سمات الإبداع البشري الذي يُحاكي الطبيعة ويجسد الكائنات الحية على هيئتها الأصلية فيظن الزائر أن الخيول تأخذ وضع الاستعداد لجر العربات بمن يركبها، ملكاً كان أو أميراً، وللأميرات مركبات خاصة مُغلقة بها فتحات زجاجية صغيرة تسمح بالنظر عبرها لتحية العامة من الجمهور والمُحيين خلال مراسم الاستقبال في المناسبات الرسمية أو غيرها.
وتغطي المركبات من الداخل ستائر حريرية مسدولة على المقاعد والكراسي الوثيرة الفخمة لراحة الملكات والأميرات، ولكل مستوى ومكانة ملكية مركبة خاصة تختلف في الشكل والتصميم، فالملكات لهن ما يناسبهن، وكذلك الأميرات.
وتشبه المركبات بدرجة كبيرة التختروان الذي يحمل العروس في ليلة الزفاف إلى بيت الزوجية، كأن التصميم مأخوذ من نفس الفكرة وبنفس المواصفات التي كثيراً ما ظهرت في حلقات ألف ليلة وليلة التلفزيونية.
أما الملوك والأمراء وما تلاهم في المرتبة فمركباتهم شبه مكشوفة، لا يوجد فرق شاسع بينها في المواصفات غير مزايا مُحددة تُبرز شكل ونوع وطبيعة المركبة التي كان يستقلها الملك عند تحركاته وزيارته الرسمية وغير الرسمية.
وعن تاريخ المتحف وبدايات تأسيسه، يُذكر أنه يرجع إلى فكرة ابتكرها الخديوي إسماعيل الذي أمر بإنشاء مبنى يُخصص للركائب والخيول الخديوية، وبعدها تطورت الفكرة فتحول المبنى إلى إدارة سُميت في حينها بإدارة الإسطبلات الملكية، وكان ذلك في عهد الملك فؤاد الأول عام 1922، وظل المبنى هكذا إلى أن قامت ثورة يوليو 52 كما أسلفنا فتحول المكان الكائن في منطقة بولاق أبو العلا إلى متحف تتوافد إليه أفواج السياح والزائرين من كل حدب وصوب.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *