مؤلفات العمر في ألبوم جديد


أصدر أنتوني هوبكنز مؤخراً ألبومه الجديد «الحياة حلم»، الذي يضم 12 قطعة موسيقية ألفها على مدى سنوات ومراحل مختلفة من حياته، تم تسجيل الألبوم بواسطة فيلهارمونيا أوركسترا في لندن، بقيادة المايسترو غوستافو دوداميل. هذا الممثل العبقري الذي يعد أسلوبه من المدارس الكبرى في فن التمثيل، امتلك موهبة تأليف الموسيقى أيضاً، وارتبط بالبيانو منذ سنوات طفولته المبكرة، وليس غريباً على ويلز التي ينتمي إليها أن تنبغ فيها مواهب الموسيقى والتمثيل على وجه الخصوص، حيث تشتهر ويلز بلقب «أرض الأغاني» وتتميز بثقافة الغناء الكورالي منذ قرون، ومنها خرج عدد كبير من ألمع نجوم التمثيل والموسيقى والغناء. يصطحبنا هذا الألبوم في رحلة داخل حياة أنتوني هوبكنز نفسه، ويجول بنا بين مشاهد وذكريات من الطفولة، صور قديمة بعيدة لم تفارق المخيلة وساهمت في تكوينها، الشغف بالفن والسينما ولحظات الدهشة الأولى، الحب الذي كان شريك الرحلة ورفيق دروبها، الأرض والمدن والشوارع والأماكن التي لا يفتر الحنين إليها مهما امتد العمر.

مسيرة استثنائية

تبدو علاقة السير أنتوني هوبكنز بالموسيقى أقدم من علاقته بفن التمثيل، وأطول من تاريخه الممتد أمام كاميرات السينما، وتجلياته الدرامية على خشبة المسرح، فهي علاقة بدأت عندما كان طفلاً صغيراً في الرابعة من عمره، في منزل أبيه الذي كان يعمل خبازاً في بلدة مارغام الويلزية، وأخذ يكتشف بأصابعه الصغيرة تلك المفاتيح البيضاء والسوداء في آلة البيانو، فعرف أن هناك لغة أخرى غير لغة الكلمات التي كان لا يزال يتعلمها. وربما كانت الموسيقى رافداً من روافد تكوين موهبته التمثيلية، وسراً من أسرار عبقريته في هذا الفن، يظهر في قدرته الهائلة على توظيف الوقفات، وتنظيم الإيقاع الداخلي والتناغمات الخفية، والانتقالات المدهشة بين المشاعر التعبيرية، من دون نشاز. ظل هوبكنز محتفظاً بعلاقته بالموسيقى حتى بعد أن صار واحداً من أكبر نجوم العالم في فن التمثيل، يؤلف مقطوعاته الخاصة ويكتب نوتاته الموسيقية، ثم يضع كل تلك المؤلفات في أدراجه السرية، ومنها ما ظل قابعاً في تلك الأدراج لعقود كاملة، لا يستمع إليها أحد، ثم أخذت تخرج للنور رويداً رويداً، ليتعرف العالم على موهبة أنتوني هوبكنز الموسيقية.
ولد أنتوني هوبكنز في ويلز عام 1937، وبعد أن تعلق بالموسيقى منذ طفولته، بدأ شغفه يزداد أيضاً تجاه المسرح والدراما بشكل كبير، فالتحق بكلية ويلز الملكية للموسيقى والدراما، وتخرج فيها عام 1957. ثم انتقل بعد ذلك إلى لندن ليتلقى تدريباً في الأكاديمية الملكية لفنون الدراما، وهناك بدأت تظهر بوادر عبقريته، التي ستجعله في ما بعد واحداً من أعظم الممثلين في العالم، ورمزاً من رموز المدرسة البريطانية العريقة في فن التمثيل. كان من الطبيعي أن يلتفت لورنس أوليفييه إلى موهبته الكبيرة، وأن يدعوه إلى الانضمام إلى المسرح الوطني الملكي، تألق هوبكنز على خشبة المسرح ونال الجوائز، وأبدع في لعب الأدوار الشكسبيرية المتعددة، ومنها دور لير في مسرحية «الملك لير»، ذلك الدور الذي عاد إليه عام 2018 في فيلم تلفزيوني رائع، ومنحنا فرصة الاستمتاع بأدائه الشكسبيري المتقن بشكل مغاير. ذهب هوبكنز إلى السينما عام 1967 يحمل موهبته الكبرى وخبرته المسرحية الأصيلة، وأخذ يحقق النجاح من فيلم إلى آخر، حتى حدث الانفجار الجماهيري الهائل عندما لعب دور هانيبال في فيلم «صمت الحملان» عام 1991، وبلغ ذروة النجاح والتقدير النقدي عندما حصل على جائزة الأوسكار عن هذا الدور وجائزة بافتا أيضاً. ليستمر النجاح ويزداد التقدير بعد ذلك وفي كل محطة من محطات المسيرة الممتدة، التي لا تزال تكشف لنا عن المزيد من المواهب والقدرات الفنية.

سيرة ذاتية موسيقية

من يستمع إلى ألبوم «الحياة حلم»، يجد أن أنتوني هوبكنز كتب ما يشبه السيرة الذاتية بحروف الموسيقى، لكنها مغلفة بلمسة سينمائية يلاحظها السامع على الفور، تظهر تلك اللمسة عند لحظات معينة من خلال تأثيرات تكون أقرب إلى الموسيقى التصويرية، أو إلى مقدمات الأفلام، أو إلى الذروات التي تواكب المشاهد الدرامية الكبرى.
يُفتتح الألبوم بمقطوعة Fanfare and March، وهي افتتاحية أراد هوبكنز أن تكون مهيبة صاخبة توحي بالعظمة والأهمية، تبدأ المقطوعة بحشد كبير للنحاسيات، حيث الأبواق وضربات الإيقاع المتفرقة والتصاعدات المتتالية، التي تعلن عن بدء حدث كبير، أو استقبال شخصية بارزة، وسرعان ما يجيء المارش بإيقاعه المنتظم، لندخل بذلك في قلب المقطوعة الموسيقية، ونتعرف على بقية أفكارها، يمضي المارش على وتيرته المعهودة ترافقه النحاسيات في الخلفية، ثم تطغى وتتقدم تدريجياً بضربات نحاسية شديدة وذروات لا تهدأ. تستغرق المقطوعة 4 دقائق تقريباً، بما يلائم وظيفتها كمقدمة لموكب موسيقي حافل سنستمع إليه في ما بعد.
على العكس تماماً من القطعة الافتتاحية الصاخبة، تأتي المقطوعة التاليةFarewell My Love التي تمتد إلى ما يزيد على سبع دقائق، بموسيقاها الشفيفة الحالمة وحزنها الرقيق وكثافتها الشاعرية، نستمع إلى الموسيقى المقبلة من بعيد بشكل خافت، وكلما اقتربت زاد الصوت واتضح، وتمكنت الأذن من التقاط النغم واتباع الخطوط اللحنية. للبيانو خطه الميلودي الخاص الذي يعد الخط الرئيسي بشكل كبير، هو صوت البطل الحزين الذي يبوح بأحزان وآلام الوداع، ترافقه الوتريات بارتعاشاتها المرهفة في البداية، ثم يلتقي في النهاية مع بعض الذروات الخفيفة التي تبدو كصرخات الشوق والحنين.
«ويستمر الفالس» أشهر مقطوعات أنتوني هوبكنز، التي استمعنا إليها سابقاً قبل صدور هذا الألبوم، عندما قدمها المايسترو الشهير أندريه ريو وحققت انتشاراً واسعاً. ألف أنتوني هوبكنز هذه المقطوعة عام 1964 عندما كان في العشرينيات من عمره، واحتفظ بها لعقود طويلة إلى أن قامت زوجته الثالثة ستيلا أروياف، بإخراج المقطوعة من مخبئها وتسليمها للمايسترو أندريه ريو عام 2011. يستغرق عزف المقطوعة ست دقائق وهي مؤلفة في قالب الفالس كما يخبرنا العنوان، وكما تخبرنا أيضاً أنغامها الراقصة التي لا تتوقف عن الدوران والتدفق، حيث تذهب بنا إلى تقاليد الفالس في فيينا. يمنح هوبكنز هذا القالب الراقص نبرة حزينة في لحظة من اللحظات، لكن الحزن لا يؤدي إلى التوقف والجمود، بل تمسحه الموسيقى ويزيله إيقاع الفالس، الذي يشبه قوة الحياة التي تدفع كل شيء. يعكس الفالس شيئاً من روح مسارح فيينا والقاعات الملكية في القرون الماضية، ويعبر هوبكنز من خلال توظيف هذا القالب الموسيقي البديع، عن رقصة العمر ودوران الزمن ومرور الأيام المتتابع، الحنين إلى الماضي الممزوج بالشجن، والتشبث بالحياة حتى النهاية، الحياة التي لا تتوقف مثل ذلك الفالس المستمر.

العودة إلى الجذور

تعد مقطوعة My Fatherland من أكثر المقطوعات ارتباطاً بجذور أنتوني هوبكنز الوطنية والعائلية، وقد وضع بعض أفكارها عام 1963 ثم قام بإكمالها في ما بعد، تحمل المقطوعة مشاعر الحب والانتماء لأرض ويلز، والاعتزاز بالنشأة في كنف الأب الذي يفتخر به دائماً. مدة المقطوعة 5 دقائق ونصف، وتأتي في قالب الترنيمة أو النشيد الكورالي، وتم تسجيلها بمشاركة كورال باخ، كما أنها تستند إلى بعض الألحان الويلزية التقليدية. تبدأ بصوت التشيللو المنفرد الذي يعزف بامتدادات بطيئة، يتضاعف الصوت ويزداد كثافة بانضمام آلات أخرى وصوت الكورال الذي يضيف لمسة كنسية مهيبة. بعد ذلك نستمع إلى ثيمة موسيقية أكثر ميلودية وغنائية، يشتبك معها الكورال بحيوية أكبر تأخذ في التصاعد والتسارع. تتراجع الموسيقى قليلاً لصالح الكورال الذي يغني بشكل متقطع ذي إيقاع لافت يُبرز الطابع الويلزي التقليدي. يمضي العمل بأكمله موسيقى وغناء نحو الذروة الكبرى التي تمثل قمة الشعور الوطني والفخر والبهجة.
من مقطوعة عبرت مشاعر أنتوني هوبكنز تجاه ويلز بشكل عام، ننتقل إلى مقطوعة «مارغام» التي تعبر عن مشاعر أكثر خصوصية تجاه بلدته التي ولد ونشأ فيها، هنا يعود هوبكنز إلى الجذور الدقيقة، ولحظات الدفء والأمان في بيت العائلة، واكتشاف البيانو والموسيقى خطوة بخطوة مع اكتشاف الحياة. مدة المقطوعة 6 دقائق ونصف، وتبدأ بضربات البيانو الهادئة برشاقة والمفعمة بالنبضات الشعورية، تُصاحب البيانو في ما بعد الوتريات والهوائيات الخشبية، ليمضي اللحن في مسار أكثر تأملاً وشجناً، في القسم الأخير من المقطوعة تميل الموسيقى نحو الطابع التصويري السينمائي، وتخلق مشهداً واسعاً كبيراً يستحضر شوارع مارغام القديمة، وضباب ويلز والطبيعة الهادئة الخلابة، وبيت الخباز الذي يضم طفلاً صغيراً سيكون من أكبر نجوم العالم ذات يوم.
نظل في مارغام مع طفولة أنتوني هوبكنز، ونستمع إلى أحد أجمل إبداعاته في هذا الألبوم «متتالية 1947»، تتكون المتتالية من ثلاثة أقسام أو ثلاث مقطوعات، تتناول كل مقطوعة مكاناً محدداً ارتبط لدى هوبكنز بذكرى ما، تركت في نفسه تأثيراً لا يُمحى، وقد اجتمعت كل تلك الذكريات في عام 1947 عندما كان طفلاً في العاشرة من عمره تقريباً. في المقطوعة الأولى «السيرك» يأخذنا هوبكنز إلى ذلك المكان الحافل بألوان الفنون والبهجة والمرح، الذي يختزن كل الدهشة الموجودة في العالم بالنسبة إلى طفل صغير. تمتلئ الموسيقى بالحركة في هذه المقطوعة، حيث يبدو البيانو بنغماته القصيرة المتقطعة، كما لو كان معبراً عن دهشة الطفل وتساؤلاته وهو يطالع هذا العالم العجيب، بينما تتقابل وتتقاطع بقية الآلات الموسيقية في صخب وبهلوانية محببة. في المقطوعة الثانية «براكن رود» يذهب هوبكنز إلى الشارع الذي كان يقيم فيه، حيث نشأ في بيت العائلة مع والديه، ويقدم إلينا موسيقى هادئة دافئة في بناء هارموني رائع وأوركستراسيون بديع. الموسيقى كثيفة بشكل يدل على أن هوبكنز لا يتعامل مع هذا الشارع كجماد، وإنما كمكان حي يختزن آلاف الخطى والمشاعر، يتطلع إليه عبر عقود طويلة مضت، ويحوله إلى موسيقى تبث الحنين إلى الجذور.
المقطوعة الثالثة «بلازا» ألفها هوبكنز عن سينما بلازا، التي اعتاد أن يذهب إليه طفلاً بصحبة والده، تتيح لنا هذه المقطوعة أن نتعرف على كيفية تأثر هذا الممثل العبقري بالسينما في طفولته، وكيف بدأ شغفه بالتمثيل يتكون داخل ذلك المبنى، حيث يعيد بناء حالة السحر التي كان يشعر بها عندما يجلس في القاعة المعتمة متطلعاً إلى الشاشة المضيئة. يمزج هوبكنز بين طابع الموسيقى السينمائية في الأربعينيات والخمسينيات وأجواء الاستعراض، والبهاء الكلاسيكي الأوركسترالي، تبدأ المقطوعة بانفجار موسيقي هائل حيث تتدافع الأنغام كتدافع عناصر المتعة والدهشة في السينما، إيقاع حيوي متسارع لا يهدأ وإنما يعرف بعض الانتقالات، وتظل المقطوعة مفعمة بالقوة والضخامة التي تعبر عن لا نهائية آفاق هذا العالم الفسيح.
ومن أجمل ما نستمع إليه في هذا الألبوم مقطوعة «آريا ستيللا»، التي ألفها أنتوني هوبكنز لزوجته الحالية ستيللا أروياف، هي من أكثر المقطوعات شاعرية ورهافة، تفيض بأنغام الحب ونبضات العشق ومشاعر الامتنان. قدم هوبكنز هذه القطعة الموسيقية كما لو كانت آريا أو أغنية أوبرالية شجية تعبر عن مكنونات الروح، لكنها أغنية مكتوبة بالنغم فقط لا بالكلمات. تزوج هوبكنز من أروياف عام 2003 ودائماً ما ينسب إليها الفضل في مساعدته على إبراز مواهبه الفنية الأخرى. يمكن القول إن التشيللو كان بديلاً للصوت البشري المنفرد في هذه الآريا الموسيقية، هو صوت العاشق الذي يبوح بكل هذا الحب والعرفان، يعزف ثيمة انسيابية حنونة شديدة الرقة، ومن الرائع أيضاً في هذه المقطوعة أنها تعبر عن السكينة والسلام والصفاء بقدر ما تعبر عن الحب.

كاتبة مصرية



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *