جامعة الورق


في الأيام الماضية قمت بزيارة قصيرة لمدينة بورتسودان، وكانت المرة الأولى لي بعد اندلاع الحرب، أن أزور السودان، حيث كانت آخر زيارة لي منذ أكثر من ثلاث سنوات، أي عمر الحرب التي أردنا لها أن تتوقف مبكرا وقبل أن يحل بالبلاد ما حلّ، ولكن لم يحدث ذلك، واستمرت رغم هدوء كثير من المدن، والأقاليم وإمكان استمرار الحياة فيها، ولا يعكر ذلك إلا ظهور الطائرات المسيرة القاتلة من حين لآخر، لتعلن أن الحرب قد لا تنتهي أبدا.
في جلسات عديدة، التقيت بعدد من الشخصيات الساحلية، وفيهم أصدقاء قدامى غالبا انقطعت صلتي بهم منذ زمن طويل، بسبب السفر، والعيش خارجا لفترة طويلة، وفيهم أيضا زملاء دراسة جاءوا على استحياء، يسألون إن كنت تذكرتهم، وحقيقة لم أتذكر عددا منهم، بينما تذكرت البعض، من أولئك الذين كانت لهم بصمات معينة أيام الدراسة الابتدائية، مثل أن تكون مبرزا في الدراسة وتحصد الجوائز، أو رياضيا موهوبا يلعب الكرة والجمباز، أو حتى شريرا، ينتزع سندوتشات الطلاب المساكين من أيديهم، ومصاريف اليوم من جيوبهم، وكان أحد هؤلاء الشريرين الآن رجلا متقدما في العمر، ومتدينا وله أولاد وبنات وأحفاد، ولن تعرف أبدا شيئا عن شيطنته القديمة.

من المواضيع التي طرحت من صديقين أديبين، هما هاشم كنه المحامي، ومحمود الأديب والمؤرخ، موضوعا روائيا يصلح لكتابته في عمل جيد، حسب قولهما، وهو موضوع وثيق الصلة بمدينة بورتسودان، حيث كانت في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي فتاة إغريقية، أو أرمنية اسمها جورجيت، تتجول في الشوارع ليل نهار، تجمع الورق الأبيض، وتضعه في سلة تحملها، ولا يعرف أحد أين تذهب به، وتقول الحكايات أنها كانت فتاة جميلة، ومحبوبة، وضاعت بسبب حبها لأحد الشباب.
أنا شاهدت تلك السيدة بحكم وجودي في المدينة ونشأتي فيها، وذكرتها بشيء من الاختصار في كتابي: مرايا ساحلية، الذي تغير اسمه إلى: أنفاس البيوت والشوارع بعد تعديله مؤخرا، وهذا سلوك تعودته، أن أعود إلى أعمالي القديمة من حين لآخر، وأحاول تحديثها بقدر ما أستطيع وأعيد نشرها، ولا أدري إن كان سلوكا طيبا، أم عدائيا تجاه أعمال قرئت في السابق، وتم تقييمها، ولكن هو سلوك اعتدت عليه، وقد انتقده البعض، وتفاعل معه البعض الآخر.

قلت إنني شاهدت جورجيت وتبعتها مرات مع زملاء لي في المدرسة، وحاولنا التحدث معها ومغازلتها حتى، ولكن هي لا تتحدث مع أحد، ولا تلتفت أبدا، مهمتها الغريبة هي جمع الورق الأبيض، وحمله إلى بعيد، لتعود مجددا باحثة عن ورق جديد، وحقيقة لم أبحث جيدا عن غرابتها تلك، لأن لا فكرة رواية خطرت ببالي عنها، واعتقدت أن ذكرها في كتابي عن المدينة الساحلية، يكفي.
لكن الصديقين كانا يحملان تصورا آخر، يقول هاشم إن الفتاة كانت على علاقة عاطفية بموظف من أبناء العاصمة، عمل في بورتسودان فترة، وارتبط بها، وأراد الزواج، لكن أهله سمعوا بالخبر، وجاء والده ليعيده إلى العاصمة، وكان الآباء في ذلك الوقت يملكون سلطة أن يمنعوا أبناءهم من التنفس لو أرادوا، بعكس الحال في هذا الزمن، حيث لم تعد لأب سلطة على ابن، ويمكن للابن ببساطة أن يستعير سجائر والده، وعطره، وينفخ دخان السجائر في وجهه، ولا يحدث شيء.
تقول القصة، إن الموظف الشاب كتب رسالة لمحبوبته، يشرح فيها ملابسات اختفائه المفاجئ، وعدم وفائه بالعهد، وسلمها لأحد أصدقائه الذي ذهب إلى بيت المحبوبة، ولم يعثر عليها، فوضع الرسالة في شق صغير عند الباب على أمل أن تعثر عليها، وتقرأها وتعرف مقدار حب الشاب لها، وأنه لم يختف بإرادته، وقد التقاها الصديق بعد ذلك وأخبرها بأمر الرسالة التي لم تكن موجودة، وربما طارت في الهواء.

تقول تكملة القصة، إن المرأة تجمع الورق الأبيض بحثا عن الرسالة طوال تلك السنوات وحتى رحيلها. وقد طلب مني الصديقان تأمل هذه القصة، وكتابة نص ملائم. في الحقيقة تبدو قصة كلاسيكية عن الحب والهجر والجنون، ويمكن أن تستدعي شيئا من المشاعر إن تمت كتابتها جيدا، كذلك ثمة جانب غرائبي وهو البحث عن رسالة الحب سنوات طويلة، تجاوزت الخمسين عاما، وهو فعل أسطوري ويمكن توليد أساطير أخرى منه، ولأن القصة ليست موثقة ولا يعرف أحد بالتحديد إن كان ما يروى حقيقة أم مجرد تصورات، طالت امرأة مجنونة بلا دافع محدد للجنون، يمكن تخيل قصة موازية، وكتابتها بشيء من الغرائبية. واختراع معلومات كثيرة ليست موجودة أصلا، وقد تعودت على ذلك في كتابتي، ولدي أعمال عديدة، استقيتها من مجرد سطور قرأتها أو حكاية سمعتها أو مواقف بسيطة حدثت أمامي وأنا أمضي في حياتي اليومية.
جامعة الورق لن تكون بالطبع هي التي يعرفها الجميع، هناك عالم آخر في عقل الكاتب وتصوراته، لا بد من أن يبزغ في النص، هناك مواقف وأهل وأصدقاء، وأشياء تحبها المرأة، وأشياء تكرهها، وهناك شوارع لن تترك امرأة جميلة ضائعة في سلام، وهكذا، وقد صغت عوالم مشابهة ليست حقيقية في إيبولا 76 ومنتجع الساحرات، وغيرهما.
لن أقول إن هذه القصة ستكون هاجسي في الأيام المقبلة، وإنني سأكتبها، ولكن سأضعها في الحسبان، ربما أستطيع كتابتها وربما لا، وهذا شيء ليس بإرادتي. ولطالما أردت كتابة الكثير ولم أستطع وأردت عدم كتابة الكثير، وأيضا لم أستطع.

كاتب سوداني



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *