تنسيقية للحراك الملكي تعلن تأسيس فرع لها في العاصمة الليبية وسط اتساع المبادرات السياسية


طرابلس – «القدس العربي»: دخل أنصار العودة إلى النظام الملكي الدستوري في ليبيا على خط الحراك السياسي المتصاعد، مع إعلان تأسيس تنسيقية للحراك الملكي في العاصمة طرابلس، ضمن سلسلة تنسيقيات ظهرت خلال الأسابيع الأخيرة في عدد من المدن، داعية إلى تفعيل دستور الاستقلال لعام 1951 واعتباره مدخلاً لإنهاء الانقسام واستعادة وحدة مؤسسات الدولة.
وقالت تنسيقية الحراك الملكي في طرابلس إن تأسيسها جاء استجابة لدعوة ولي العهد الليبي، الأمير محمد الحسن الرضا السنوسي، وانضماماً إلى تنسيقيات أعلنت في مناطق مختلفة من البلاد. وأكدت أن هدفها دعم مشروع وطني يستند إلى «الشرعية الدستورية»، بما يعيد الأمن والاستقرار ويوحد البلاد، داعية الأطراف الليبية إلى نبذ الانقسام وتغليب المصلحة الوطنية.
ولا يبدو الإعلان منفصلاً عن موجة أوسع من المبادرات والتحركات السياسية والاجتماعية التي شهدتها ليبيا أخيراً، في ظل تعثر المسارات الرسمية وتزايد المخاوف من أن تفضي التحركات الدولية إلى إعادة توزيع السلطة بين القوى النافذة، دون معالجة جذور الأزمة أو فتح الطريق أمام الانتخابات.
وخلال الأسابيع الماضية، ظهرت مبادرات وتجمعات في طرابلس ومصراتة وسرت وفزان، إلى جانب تحركات ليبية في الخارج، رفعت عناوين متقاربة، من بينها رفض احتكار التمثيل السياسي، والمطالبة بتوسيع المشاركة في أي تسوية مرتقبة، والدعوة إلى إنهاء المراحل الانتقالية وتوحيد المؤسسات. ورغم اختلاف مرجعيات هذه التحركات، فإنها تلتقي عند الاعتراض على استمرار إدارة الأزمة من خلال تفاهمات محدودة بين النخب.
وكانت مكونات من المنطقة الغربية قد حذرت من اختزال تمثيلها في مدن أو شخصيات بعينها، وطالبت بشراكة وطنية أوسع في أي حوار أو تسوية. كما شهدت سرت مؤتمراً للأحزاب والقوى السياسية، بينما برزت في طرابلس تجمعات تقدم نفسها بوصفها أطرًا وطنية بديلة، في وقت تحركت فيه قوى اجتماعية وسياسية في فزان للمطالبة بعدم تهميش الجنوب في ترتيبات المرحلة المقبلة.
وتزامنت هذه التحركات مع تداول ملامح مبادرة أمريكية مرتبطة بكبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والإفريقية، مسعد بولس، قيل إنها تستهدف التوصل إلى تفاهم بين القوى المتنافسة في شرق ليبيا وغربها. وأثارت التسريبات المرتبطة بها مخاوف من أن تتحول إلى «صفقة نخب» تعيد ترتيب مواقع السلطة، مع الإبقاء على أطراف رئيسية في المشهد، بدلاً من التوجه مباشرة إلى انتخابات تنهي الأجسام الانتقالية.
وفي المقابل، تواصل بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا تحركاتها عبر مسار «4+4» والحوار المهيكل، سعياً لمعالجة القاعدة الدستورية والقوانين الانتخابية وإعادة تشكيل قيادة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات. غير أن بطء تنفيذ التفاهمات، واستمرار الخلافات حول الحكومة الموحدة وشروط الترشح وترتيب الانتخابات، فتح المجال أمام مبادرات محلية تحاول طرح بدائل أو الضغط لعدم تجاوزها.
ضمن هذا السياق، يعيد الحراك الملكي طرح دستور 1951 بوصفه قاعدة جاهزة يمكن البناء عليها، بدلاً من مواصلة الجدل حول قاعدة دستورية جديدة. ويرى مؤيدوه أن الدستور الذي أُعلنت في ظله المملكة الليبية عند الاستقلال يوفر مرجعية تاريخية جامعة، ويقيم نظاماً ملكياً دستورياً بسلطات مقيدة ومؤسسات تمثيلية، ويمنح البلاد رمزاً سيادياً يمكن أن يقف على مسافة من الصراع بين الحكومات والقوى المسلحة.
غير أن العودة إلى دستور الاستقلال لا تزال محل خلاف سياسي وقانوني واسع. فخصوم الفكرة يرون أن ليبيا شهدت خلال أكثر من سبعة عقود تحولات سكانية واجتماعية ومؤسسية عميقة، وأن استعادة نظام سابق لا يمكن أن تتم ببيانات أو تنسيقيات محلية، بل تحتاج إلى تفويض شعبي واضح عبر استفتاء عام، وتوافق بشأن شكل الدولة وتوزيع السلطات والعلاقة بين الأقاليم.
كما أن توسع التنسيقيات الملكية لا يعني بالضرورة تحولها إلى قوة سياسية قادرة على فرض مشروعها. فالحراك لا يملك حتى الآن مؤسسات منتخبة أو ثقلاً موحداً داخل الأجسام الرسمية، لكنه يستفيد من تراجع الثقة في الحكومات المتعاقبة، وفشل النخب الحالية في الوصول إلى الانتخابات، والحنين لدى بعض الليبيين إلى مرحلة الدولة الموحدة قبل انقلاب أيلول/ سبتمبر 1969.
ويحمل تأسيس تنسيقية طرابلس دلالة إضافية، لأن العاصمة تمثل مركز الصراع على السلطة ومقر حكومة الوحدة الوطنية والمجلس الرئاسي والمؤسسات السيادية الرئيسية. ومن ثم، فإن ظهور إطار ملكي منظم فيها يمنح المشروع حضوراً سياسياً وإعلامياً أكبر، ويضعه إلى جانب مبادرات أخرى تتنافس على تقديم نفسها بوصفها مخرجاً من الانسداد.
لكن كثرة المبادرات قد تعكس في الوقت نفسه اتساع الفراغ السياسي أكثر مما تعكس اقتراب الحل. فكلما تأخر المسار الانتخابي، برزت مشاريع بديلة تستند مرة إلى الشرعية الدستورية، ومرة إلى التوافق الاجتماعي، وأخرى إلى تقاسم السلطة أو تشكيل حكومة جديدة. وبين هذه المسارات، يبقى التحدي الأساسي هو تحويل أي مبادرة من بيان سياسي إلى مشروع قابل للتنفيذ ويحظى بقبول وطني واسع.
ويكشف تزامن هذه المبادرات أن الصراع لم يعد محصوراً في الخلاف بين حكومتي طرابلس وبنغازي، بل امتد إلى سؤال أعمق يتعلق بمن يملك حق تمثيل الليبيين وصياغة شكل الدولة المقبلة. فالقوى المحلية تخشى أن يؤدي أي اتفاق خارجي سريع إلى تثبيت موازين القوة الحالية، بينما تسعى المبادرات الجديدة إلى حجز موقع داخل النقاش قبل إقرار أي ترتيبات نهائية، سواء تعلقت بالسلطة التنفيذية أو الانتخابات أو توزيع المناصب السيادية، من دون العودة إلى قاعدة شعبية. وعليه، يبدو الحراك الملكي جزءاً من محاولة أوسع لإعادة تعريف مصادر الشرعية في ليبيا، في مواجهة مؤسسات استنفدت مددها القانونية والسياسية. إلا أن فرصه، مثل غيره من المبادرات، ستظل مرتبطة بقدرته على الانتقال من دوائر المؤيدين إلى حوار وطني شامل، وعلى تقديم تصور عملي للمرحلة الانتقالية والانتخابات، لا الاكتفاء باستدعاء شرعية تاريخية مهما كانت رمزيتها.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *