الأمم المتحدة- “القدس العربي”: حذر رئيس المجلس الرئاسي الليبي محمد المنفي في كلمته خلال المناقشة العامة للدورة 81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، من أن استمرار تقويض فرص إقامة الدولة الفلسطينية لا يهدر إمكانات السلام فحسب، بل يدفع المنطقة نحو دائرة أوسع من النزاعات والتطرف، في ظل ما وصفه بمشاريع توسعية تتجاوز فلسطين المحتلة إلى سوريا ولبنان.
وقال إن ليبيا تنظر إلى أمن منطقة الساحل باعتباره جزءاً من أمنها واستقرارها، كما ترى في تنمية الدول الأفريقية استثماراً في الأمن المشترك للقارة وجوارها الأوروبي، لا مساعدة يقدمها طرف إلى آخر أو مسؤولية يتحملها جانب بمفرده.
وأوضح المنفي أن الموقع الجغرافي والسياسي لليبيا يجعلها نقطة التقاء بين دوائر متعددة؛ فهي عربية في هويتها ولغتها، وأفريقية في جغرافيتها وانتمائها ومصيرها، ومتوسطية في ثقافتها ومصالحها وشراكاتها، وإسلامية في قيمها الحضارية الداعية إلى السلام والأمن وبناء الجسور. ورأى أن تعدد هذه الدوائر لا يمثل تناقضاً، بل مصدر قوة ومسؤولية وفرصاً لبلاده.
ودعا المنفي إلى التعامل مع البحر المتوسط بوصفه فضاء مشتركاً للتواصل، لا حاجزاً يفصل أفريقيا عن أوروبا.
كما طالب بالانتقال في العلاقات بين ضفتي المتوسط من الاكتفاء بإدارة أزمات الهجرة إلى بناء شراكات في مجالات التنمية والتجارة وانتقال الطاقة والاستثمار والأمن المشترك.
وأشار رئيس المجلس الرئاسي الليبي إلى التحولات العميقة التي يشهدها العالم، سواء في موازين القوى أو في مفهوم القوة وأخلاقيات استخدامها، متسائلاً عن سبل بناء نظام دولي تكون فيه سيادة القانون حقاً متساوياً بين الدول، لا امتيازاً تتمتع به القوى الكبرى، ويقوم فيه التعاون على الشراكة الحقيقية بدلاً من تقاسم مناطق النفوذ.
وقال إن الدول العربية والإسلامية والأفريقية لا تتابع هذه التحولات من موقع المراقب، بل تعيش تداعياتها بصورة مباشرة، وفي مقدمتها ما يجري في فلسطين. وأعرب عن أسفه لعدم تمكن الوفد الفلسطيني من المشاركة في هذه الدورة، مشيراً إلى أن معاناة الشعب الفلسطيني تتفاقم بعد عقود من الاحتلال والقمع ومحاولات طمس الهوية.
وأكد أن الفلسطينيين، رغم ما يتعرضون له، ما زالوا متمسكين بحقهم في الحياة وتقرير المصير، وهما من الحقوق التي يكفلها القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني من دون تمييز.
كما دعا إلى تحويل القرارات والآليات الدولية من نصوص ووعود إلى واقع ملموس، بما يضمن حصول الشعب الفلسطيني على دولته وفقاً للقانون الدولي.
وأضاف أن استمرار تقويض فرص إقامة الدولة الفلسطينية يبدد إمكانات التوصل إلى السلام، ويفتح الباب أمام اتساع رقعة الصراع وانتشار التطرف والبحث عن بدائل في مواجهة المشاريع التوسعية في المنطقة. ولفت إلى أن تداعيات الحرب لم تستثن المقدسات الإسلامية والمسيحية، كما طالت المدنيين والمنشآت والبنية التحتية في الأراضي الفلسطينية.
وتطرق المنفي إلى امتداد التوترات الإقليمية إلى منطقة الخليج، معلناً تضامن ليبيا الكامل مع المملكة العربية السعودية في حماية أمنها ووحدة أراضيها ومواطنيها ومقدساتها، ورافضاً أي استهداف يعرض المملكة أو المقدسات الإسلامية للخطر. واعتبر أن أمن السعودية ودول الخليج، بالنظر إلى ثقلهما العربي والإسلامي، لا يمثل شأناً وطنياً منفرداً، وإنما يشكل ركناً من أركان أمن المنطقة واستقرارها.
وفي الشأن السوداني، قال رئيس المجلس الرئاسي الليبي إن استمرار النزاع جعل أبناء الشعب السوداني ضحايا لحرب مدمرة يدفعون ثمنها الباهظ، في ظل تداخل المصالح والتدخلات الخارجية. وحذر من أن تداعيات هذه الحرب لا تتوقف عند حدود السودان، بل تهدد أمن المنطقة واستقرارها ووحدة دولها.
كما وصف حالة عدم الاستقرار في منطقة الساحل بأنها تهديد وجودي لتماسك الدول، ناجم عن تداخل الإرهاب والجريمة المنظمة والفقر والتغير المناخي والنزوح والهجرة واتساع النزاعات المسلحة. وشدد على أنه لم يعد مقبولاً أن ينظر العالم إلى الساحل باعتباره مجرد مصدر للموارد أو ساحة للتنافس الدولي أو ملفاً هامشياً في عملية صنع القرار العالمي.
وأكد المنفي أن أفريقيا ليست على هامش العالم، بل تمثل أحد مراكز عالم المستقبل، مضيفاً أن ليبيا ليست دولة تقع عند أطراف القارة، وإنما جزء من تاريخها وأمنها ومستقبلها. واستذكر الدور الذي اضطلعت به مدينة سرت الليبية في المسار الذي قاد إلى تأسيس الاتحاد الأفريقي، معتبراً أن ليبيا لم تكن مجرد جسر بين أفريقيا والبحر المتوسط، بل شريكاً في صياغة المشروع الأفريقي.
واختتم المنفي كلمته بالتنبيه إلى الدروس التي خلصت إليها ليبيا خلال السنوات الماضية، مؤكداً أن الفراغ الناجم عن ضعف الدولة لا يبقى شاغراً، بل تملؤه المصالح المتنافسة والجماعات المسلحة وشبكات الجريمة والتهريب والأموال غير المشروعة، لتتحول المؤسسات نفسها إلى ساحات للصراع على النفوذ.