تصعيد عسكري واسع وضربات متبادلة وكمين لوزير الدفاع


صنعاء – «القدس العربي»: دخلت المواجهات العسكرية بين جماعة «أنصار الله» (الحوثيون) والسعودية مرحلة جديدة من التصعيد المتبادل العابر للحدود، فعقب إعلان الجماعة تنفيذ عمليات واسعة بالصواريخ والطائرات المسيّرة استهدفت منشآت مدنية وعسكرية في العمق السعودي، اتهمت الجماعة، الأربعاء، الرياض بشن 54 غارة جوية طالت ست محافظات يمنيّة خلال 12 ساعة.
ويأتي ذلك في خضم تصعيد ميداني وسياسي واسع ينقل التطورات في اليمن إلى مستوى جديد.
واتهم المتحدث العسكري للجماعة، العميد يحيى سريع، الطيران الحربي السعودي بشن 54 غارة جوية على محافظات الجوف ومأرب وتعز والحديدة وصعدة والبيضاء، وذلك بمقاتلات حربية من طراز F15-Sa أقلعت من قاعدة الملك خالد الجوية بخميس مشيط.
وأشار إلى أن طائرة حربية من نوع تايفون أقلعت من قاعدة الملك فهد بالطائف، وشنت غارة على محافظة الجوف، مضيفًا أن الغارات وما وصفه بـ»العدوان السعودي المتواصل على بلدنا لن يمر دون رد وعقاب».
وكانت الجماعة أعلنت، الثلاثاء، عن عملية عسكرية استهدفت خلالها بعدد من الصواريخ والطيران المسيّر منشآت مدنية وعسكرية سعودية، مشيرة إلى أن «العملية جاءت في إطار الرد على العدوان الغاشم على بلادنا ومواجهة التصعيد الشامل بالتصعيد الشامل».
كما اتهمت الجماعة، الأربعاء، السعودية باستخدام طائرة F15-SA في تنفيذ غارتين، ما اعتبرته جريمة استهداف السجن المركزي بمدينة الحزم في الجوف الإثنين الماضي، والتي أسفرت، وفق البيان، عن سقوط عدد كبير من الضحايا بين النزلاء والزوار بينهم نساء وأطفال.

تطورات الجبهات

وعلى الأرض، اتسعت رقعة المواجهات الميدانية لتشمل عدة محاور رئيسة. ففي جبهات الجوف، أعلنت قوات «أنصار الله» استهداف ما سمتها «تحشيدات تابعة للعدو السعودي شرق الجوف، وأحرقت عدداً كبيراً من الآليات».
كما أعلنت الجماعة استعادة منطقة اليتمة الاستراتيجية في المحافظة الواقعة شمال شرقي اليمن، بعد أقل من 24 ساعة من إعلان القوات الحكومية السيطرة عليها.

الحوثيون تحدثوا عن 54 غارة لطائرات سعودية طالت 6 محافظات

وعلى الجانب الآخر، في جبهة الجوف، أكدت القوات الحكومية استمرار المعارك حول معسكر اللبنات. فيما قالت وكالة «سبأ» الحكومية إن قوات الحكومة تواصل تقدمها شرق حزم الجوف، وصولًا إلى قرب منطقة بئر المرازيق، وتمكنت من قطع خطوط إمداد الحوثيين في الجبهات الشرقية للمدينة، مشيرة إلى السيطرة على المطهفات وتبة المصارية والتباب المجاورة لتبة الفرايد شمال اللبنات العليا، وسيطرت على السواتر الترابية والخنادق الممتدة بطول نحو عشرين كيلومترًا، من مواقع الدحيضة مرورًا بالسعراء وصولًا إلى بئر المرازيق شرقي مدينة الحزم.
وفي جبهة مأرب، قالت القوات الحكومية إنها أطلقت عملية عسكرية واسعة في جبهات الجنوب، وشنت هجومًا من المحورين الجنوبي والشمالي، وما زالت العملية مستمرة، وتهدف إلى تأمين الشريط الجنوبي للمحافظة.
وفي المقابل، شهدت جبهات تعز والساحل الغربي تطورات، إذ قال المركز الإعلامي للقوات الحكومية إن الطيران الحربي استهدف تجمعًا للحوثيين في جبهة جبل حبشي غربي المدينة. وفي الوازعية ما زالت المواجهات العنيفة مستمرة، مع استمرار وصول التعزيزات لطرفي الصراع.
وقال الإعلام العسكري لـ»قوات المقاومة الوطنية» الموالية للحكومة، إن قائد «قوات درع الوطن»، اللواء عبدالرحمن اللحجي، وصل إلى المخا على رأس قوة تعزيز للجبهات المشتعلة.
وفي جبهة الساحل الغربي أيضًا، قالت «ألوية العمالقة الجنوبية» إنها وجّهت ضربات دقيقة لتجمعات الحوثيين، دون تحديد المكان والزمان.
وذكر الإعلام العسكري لـ»قوات المقاومة الوطنية» أنهم قتلوا وأسروا عددًا من الحوثيين خلال هجوم على باب المندب، بينهم أركان قوات الاحتياط ورئيس الشعبة الطبية، وأضاف، في السياق، أن ألوية محور البرح تواصل عملياتها.
وأعلنت وكالة الأنباء اليمنية (سبأ) بنسختها الحكومية نقلًا عن مصدر عسكري، عن إحباط القوات البحرية هجومًا للحوثيين بزوارق عبر البحر الأحمر. وقالت إن القوات اشتبكت معها وأجبرتها على الانسحاب شمالًا باتجاه ميناء الحديدة.
وما تزال المعارك مستعرة في محيط جبل نعمان في البرح غربي تعز.
أما في جبهة البيضاء، فأعلنت قوات «ألوية العمالقة الجنوبية» الموالية للحكومة عن تدمير ما قالت إنها مركبة عسكرية حوثية، ومصرع كل من على متنها وإسقاط طائرة مسيّرة.
وفي جبهة الضالع، تحدث المركز الإعلامي للقوات الحكومية عن صدّ هجوم للحوثيين، وشن هجوم معاكس في جبهة مريس.
ولم يصدر عن «أنصار الله» (الحوثيون) أي تعليق بنفي أو تأكيد أنباء التطورات الميدانية التي أعلنتها الحكومة المعترف بها.

كمين وزير الدفاع

وازدادت الأوضاع الأمنية تعقيدًا مع امتداد التوتر إلى المحافظات الجنوبية، حيث تعرض موكب وزير الدفاع في الحكومة المعترف بها، اللواء طاهر العقيلي، لكمين مسلح.
وخلال عودته من جبهات الضالع باتجاه عدن، اعترض مسلحون تابعون للمجلس الانتقالي الجنوبي في الضالع موكب الوزير، وتحديدًا في مفرق الأزارق، وتم تبادل إطلاق النار وإحراق إحدى سيارات الموكب.
ونقل مركز «سوث 24» عن مصدر طبي قوله بإصابة جندي وطفلين جراء الأحداث التي شهدتها الضالع أثناء مرور موكب وزير الدفاع.
وتداولت منصات التواصل الاجتماعي مشهدًا مصورًا لسيارة تحترق قالوا إنها من سيارات الموكب.
وبموازاة التصعيد الداخلي، قالت وكالة الأنباء اليمنية (سبأ) بنسختها التابعة للجماعة، إن ما وصفته بـ»العدو السعودي» استهدف بالمدفعية منطقة غور المِشْوات بمديرية غمر الحدودية وبالطيران المسيّر مديرية كتاف والبقع بمحافظة صعدة الحدودية.
سياسيًا، انعكس هذا التصعيد الميداني الدائر في أكثر من جبهة على الخطاب السياسي للأطراف المتصارعة، وسط اتهامات متبادلة.
جدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي، رشاد العليمي، دعوة المجتمع الدولي إلى إعادة النظر في مقاربته للازمة اليمنية التي اكتفت في مراحل سابقة باحتواء التصعيد من دون معالجة أسبابه.
وقال، خلال لقائه بسفراء الدول الراعية للعملية السياسية في اليمن بحضور وزيرة الخارجية وشؤون المغتربين، أفراح الزوبة، إنه لا يجوز أن تتحول الدعوات إلى التهدئة إلى مساواة بين من يعتدي ومن يدافع عن مواطنيه.
وأضاف أن الحكومة لم تبدأ هذه الجولة، ولم تكن تسعى إليها، واتهم الحوثيين باختيار التصعيد، محملاً إياهم المسؤولية.
وفي المقابل، قال عضو المكتب السياسي لجماعة «أنصار الله» (الحوثيون)، حزام الأسد، في تصريحات تلفزيونية، إن الحديث عن معارك واسعة وحاسمة هو حديث لا يتبناه إلا إعلام محسوب على الرياض، بينما لا يوجد في الواقع سوى مناوشات من بعض المجامع التابعة للنظام السعودي، على حد تعبيره.
وأضاف أن تبعيتهم لإيران فرضية وليست حقيقة، مطالبًا الرياض بمواجهة طهران بعيدًا عن اليمن.
فيما نقلت قناة «المسيرة» التابعة للجماعة، عن الخبير العسكري، اللواء خالد غراب، قوله إن الجماعة «أعدت خططاً لمواجهة هجوم من البر والبحر والجو، وجهزت مليوناً ونصف المليون من قوات الاحتياط».
وأكّدت وزارة الخارجية والمغتربين في حكومة الجماعة تمسكها بموقفها تجاه القضية الفلسطينية كقضية مركزية للأمة، موضحة، في بيان، أن موقفها ثابت تجاه القضية الفلسطينية من منطلق إيماني وأخلاقي ومبدئي وإنساني. وقالت «إن اليمن يُستهدف اليوم من قبل النظام السعودي نتيجة لهذا الموقف»، مضيفة أنه لن يفلح «مهما حاول إغراق اليمن في المشاكل في صرف اهتمامه عن قضيته المركزية»، على حد تعبير البيان.
وقالت إن «السعودية قابلت كل جهود السلام لإنهاء آثار الحصار الشامل والغاشم على الأوضاع المعيشية والإنسانية بالتعنت والمماطلة، الأمر الذي اضطر السلطات الوطنية في صنعاء لاتخاذ بعض الخطوات التصعيدية».
وتحوّل اليمن إلى جبهة إضافية ضمن التوترات الإقليمية؛ عقب اتهام الحوثيين للسعودية بقصف مطار صنعاء لمنع هبوط طائرة إيرانية، وما تلاه من إعلان الجماعة فرض حصار بحري على المملكة في البحر الأحمر واستهداف ناقلات نفط تابعة لها، ردًا على ما تصفه بـ»استمرار الحصار الظالم على اليمن».

موجة نزوح جديدة

إنسانيًا، ألقت المعارك بظلالها الفادحة على المدنيين، متسببة في موجات من نزوح واسعة، وهو ما قوبل بقلق وتنديد أممي حذّر من تداعيات هذا التصعيد على الحل السياسي.
وتسجل الأزمة الإنسانية كل يوم تدهورًا جديدًا؛ حيث أعلنت الوحدة التنفيذية لإدارة مخيمات النازحين تسجيل نزوح 1,367 أسرة جديدة، خلال يوم 8 سبتمبر/أيلول، ليرتفع إجمالي الأسر النازحة التي تم رصدها في محافظات تعز والحديدة ولحج من 4,778 أسرة حتى 7 سبتمبر إلى 6,145 أسرة.
ووفقاً لتقرير الوحدة التنفيذية، فقد توزعت حالات النزوح الجديدة بواقع 988 أسرة في محافظة تعز، و354 أسرة في محافظة الحُديدة، و25 أسرة في محافظة لحج، فيما سبق أن رُصد وصول 19 أسرة نازحة إلى محافظة عدن، مؤكدة أن فرقها الميدانية تواصل رصد وحصر الأسر النازحة، والتحقق من بياناتها ومواقع وصولها، وتقييم احتياجاتها الإنسانية، والتنسيق مع السلطات المحلية والمنظمات والشركاء، لتسريع الاستجابة في ظل تزايد الاحتياجات للمأوى والغذاء والمياه والمواد الأساسية وخدمات الصحة والحماية.
ودعت الوحدة التنفيذية، المنظمات الإنسانية والمانحين إلى سرعة التحرك وتوسيع نطاق الاستجابة، وضمان حماية الأسر النازحة ووصول المساعدات الإنسانية إليها، في ظل استمرار حركة النزوح واحتمال ارتفاع أعداد النازحين خلال الفترة المقبلة.
على الصعيد الأممي، أدانت الأمم المتحدة «الهجمات الأخيرة التي شنّتها أنصار الله بالصواريخ والطائرات المسيّرة على المملكة العربية السعودية، والتي استهدفت بنى تحتية مدنية واقتصادية، بما في ذلك منشآت للطاقة، وأسفرت، بحسب التقارير، عن إصابة العشرات من المدنيين».
وقال المبعوث الأممي الخاص لليمن، هانس غروندبرغ، إن هذه الهجمات «تهدد بتوسيع نطاق النزاع، وتعريض المدنيين لمخاطر جسيمة، وتقويض الجهود الرامية إلى التوصل لحل سياسي»، داعيًا «أنصار الله إلى وقف هذه الهجمات، وكذلك هجماتها داخل اليمن». وطالب أيضاً «بأن تتوقف هجمات أنصار الله ضد السفن التجارية، والتي أدانها مجلس الأمن مؤخراً».
وتشهد عدة جبهات منذ مطلع يوليو/ تموز الماضي، مواجهات وهجمات متقطعة، أسفرت عن سقوط عشرات القتلى والجرحى من الطرفين.
وبين صخب المعارك وتصاعد لغة التهديدات المتبادلة، ترسم هذه المعطيات المتسارعة ملامح مرحلة جديدة، تضع المشهد اليمني برمته أمام عتبات حرب واسعة، بعد أن طويت صفحة الهدوء النسبي الذي استمر ثلاث سنين.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *