تصريحات نائب ترامب تثير مخاوف إسرائيلية من تراجع دعم واشنطن


إسطنبول: أثارت تصريحات نائب الرئيس الأمريكي جيه. دي فانس، الأربعاء، بشأن ضرورة إعادة النظر في العلاقات مع إسرائيل، مخاوف في الأوساط السياسية والإعلامية في تل أبيب، وسط تحذيرات من أن تداعياتها قد تتجاوز الخلاف بشأن الحرب على إيران، لتطال أشكال الدعم الأمريكي التقليدي لتل أبيب، بما في ذلك المساعدات العسكرية والتأييد السياسي في المحافل الدولية.

وتكتسب تصريحات فانس أهمية خاصة لصدورها عن أحد أبرز مسؤولي إدارة الرئيس دونالد ترامب، وفي أعقاب خسارة الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي.

وطرح فانس أربعة إجراءات لاستعادة الناخبين الذين ابتعدوا عن الحزب الجمهوري، تتمثل في: إنهاء الحرب مع إيران، والتركيز على غلاء المعيشة والتضخم، وتبني سياسة “أمريكا أولا”، وإعادة النظر في العلاقات مع إسرائيل.

فقد أدرج “إعادة النظر في العلاقات مع إسرائيل” ضمن أربعة مطالب قال إن ناخبين سبق أن دعموا ترامب باتوا يطرحونها، إلى جانب إنهاء الحرب على إيران، ومعالجة غلاء المعيشة والتضخم، وتقديم المصالح الأمريكية على غيرها.

وقال فانس إن خبير استطلاعات انتخابية يثق به أبلغه بأن ناخبين صوتوا لترامب عام 2024 يشعرون بالغضب من الإدارة ويعتزمون التصويت للديمقراطيين، مشيرا إلى أن من بين مطالبهم “إعادة النظر في العلاقات مع إسرائيل”.

ويثير هذا الطرح قلقا في إسرائيل، خصوصا أن دعمها ظل لعقود من الملفات التي تحظى بتوافق واسع نسبيا داخل الحزب الجمهوري، حتى مع وجود خلافات بين أجنحته بشأن الاقتصاد والهجرة والسياسة الخارجية.

وأتت تصريحات فانس غداة إعلان الرئيس ترامب، الثلاثاء، في تصريحات لشبكة “فوكس نيوز” الأمريكية، أن بلاده ستوقف تقديم المساعدات المالية لإسرائيل بحلول نهاية العام الجاري، والتي تبلغ نحو 4 مليارات دولار سنويا، بموجب اتفاق قال إنه توصل إليه مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قبل أشهر.

ـ مخاوف من تغيير الدعم الأمريكي

وفي تقرير بعنوان “جملة واحدة في تصريحات فانس ينبغي أن تثير قلقا بالغا لدى صناع القرار في إسرائيل” قال يارون أبراهام، مراسل الشؤون السياسية في القناة 12 العبرية، إن “مسؤولين إسرائيليين لم يفاجؤوا بالاتجاه الذي يتبناه فانس، لكنهم فوجئوا بصراحة تصريحاته وحسمها”.

وأضاف أبراهام أن دعوة نائب الرئيس الأمريكي إلى إنهاء الحرب على إيران “تمثل إشارة إلى المعارك التي ستدور داخل البيت الأبيض”، في ظل تباين المواقف بشأن مواصلة العمليات العسكرية ضد طهران.

وأشار إلى تقارير إعلامية أمريكية تحدثت عن مشاورات يجريها ترامب بشأن احتمال إقالة وزير الحرب بيت هيغسيث، الذي وصفه بأنه من التيار الأكثر تشددا والمؤيد لشنّ هجوم على إيران، معتبرا أن هذه التطورات تجعل الموقف الأمريكي من الحرب غير محسوم.

لكن أبراهام رأى أن “الجانب الأكثر إثارة للقلق في تصريحات فانس هو دعوته إلى تغيير منظومة العلاقات مع إسرائيل”، متسائلا عن نطاق التغيير المقصود، وما إذا كان سيقتصر على المساعدات والتمويل أم سيمتد إلى أشكال الدعم السياسي.

وقال: “هل يتعلق الأمر بالدعم التلقائي لإسرائيل، والفيتو في الأمم المتحدة؟ هناك أنواع مختلفة من الدعم لإسرائيل، ولا نعرف إلى أين يمكن أن يصل الأمر”.

وحذّر أبراهام من أن ذلك “ينبغي أن يثير قلق صناع القرار الإسرائيليين الذين راهنوا بقوة على ترامب”، مضيفا أن “التيارات العميقة في الولايات المتحدة يمكن أن تطفو إلى السطح دفعة واحدة”.

من جهته، أشار تحليل نشره موقع “غلوبس” الاقتصادي العبري إلى أن إدراج العلاقات مع إسرائيل ضمن مطالب الناخبين الغاضبين يمثل “تطورا لافتا، لأن الأمر لم يعد مقتصرا على انتقادات تصدر عن الديمقراطيين، بل بات مطروحا على لسان نائب رئيس جمهوري في السلطة”.

ولفت الموقع إلى أن فانس سبق أن انتقد خضوع السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط للمصالح الإسرائيلية، واتهم مسؤولين في الحكومة الإسرائيلية بمحاولة التأثير على الرأي العام الأمريكي لإطالة الحرب على إيران، كما قال في سبتمبر/أيلول الماضي إن ترامب مستعد للاختلاف مع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إذا اقتضت المصالح الأمريكية ذلك.

ـ تحذيرات من تحدٍ غير مسبوق في واشنطن

وفي قراءة أكثر تشاؤما لتداعيات هذه المواقف، اعتبر عميت سيغال، الصحافي في القناة 12 العبرية، أن ما يجري يمثل تطورا بالغ الخطورة بالنسبة لإسرائيل، قائلا: “الآن، مع تغريدة جيه. دي فانس وإعادة دونالد ترامب الابن نشرها، يحمّل الجمهوريون إسرائيل مسؤولية مشكلات الحزب الجمهوري. رسالة فانس هي: لقد تمسكنا بإسرائيل أكثر مما ينبغي”.

وأضاف سيغال أن إسرائيل تواجه “أكبر تحدٍ لها في واشنطن منذ سبعينيات القرن الماضي”، مستحضرا قرار الرئيس الأمريكي الأسبق جيرالد فورد ووزير خارجيته هنري كيسنجر تجميد صفقات أسلحة للضغط على إسرائيل.

وتعكس هذه القراءة مخاوف من انتقال الانتقادات الموجهة إلى إسرائيل من الساحة الديمقراطية إلى داخل الحزب الجمهوري، بما قد يضعف أحد أهم مرتكزات الدعم الحزبي الأمريكي لها، ويجعل استمرار المساعدات والتأييد السياسي موضع نقاش أوسع داخل واشنطن.

ـ ضغوط ديمقراطية تتجاوز الجناح اليساري

ولا تقتصر المؤشرات على تصريحات فانس والخلافات داخل الحزب الجمهوري، إذ سلّطت صحيفة “هآرتس” الضوء على صعود أصوات ديمقراطية تطالب بإعادة النظر جذريا في الدعم الأمريكي لإسرائيل، بالتزامن مع فوز الحزب بالأغلبية في الكونغرس.

وقالت الصحيفة إن “التشكيك في الدعم لإسرائيل لم يعد مقتصرا على الجناح اليساري، بل امتد إلى شخصيات من التيار الديمقراطي المعتدل، أيدت تقييد أنواع الأسلحة التي يمكن لواشنطن تزويد إسرائيل بها”.

ونقلت عن عبد الرحمن السيد (الأمريكي من أصل مصري)، الذي فاز بمقعد في مجلس الشيوخ، قوله خلال تجمّع انتخابي: “نريد أن تُنفق أموال ضرائبنا هنا، وألا تُهدر في القتال في حرب إبادة جماعية”.

كما نقلت عن المرشح الديمقراطي جوش تورك قوله بشأن الدعم الأمريكي لإسرائيل: “لا أعتقد أن أموال دافعي الضرائب أو الدعم الأمريكي ينبغي أن يُستخدما لإيذاء الأطفال والمدنيين أو قتلهم”.

وبحسب “هآرتس”، فإن رئيسي الحزب الديمقراطي في مجلسي النواب والشيوخ، حكيم جيفريز وتشاك شومر، لا يزالان من المؤيدين التقليديين لإسرائيل، لكنهما سيقودان أغلبية تضم أعضاء كثيرين يطالبون بتغيير جذري في العلاقات بين واشنطن وتل أبيب.

وأشارت الصحيفة إلى أن “الديمقراطيين قد يستغلون أغلبيتهم في الكونغرس للضغط على إسرائيل من خلال محاولات تقييد قدرة ترامب على خوض حرب إلى جانبها، وتأخير شحنات الأسلحة إليها، وإلزام وزارة الخارجية الأمريكية بالتحقيق في أعمال عنف المستوطنين، وإن كان استخدام ترامب الفيتو قد يعرقل بعض هذه التحركات”.

ولفتت إلى أن ترامب أعلن بصورة مفاجئة الثلاثاء، وقف التمويل العسكري لإسرائيل، في خطوة قالت إنها “تعكس إدراكا لتزايد التحفظات، حتى بين بعض الناخبين اليمينيين، على حزم المساعدات الأمريكية السخية” لتل أبيب.

وفي المقابل، أظهرت استطلاعات لشبكات تلفزيونية أمريكية أن 67 في المئة من الناخبين اليهود صوّتوا للديمقراطيين، مقابل 32 في المئة للجمهوريين، وهو ما اعتبرته الصحيفة دليلا على أن توقعات انتقال اليهود الأمريكيين بأعداد كبيرة إلى الحزب الجمهوري كانت مبالغا فيها.

ونقلت عن هايلي سويفر، المديرة التنفيذية للمجلس اليهودي الديمقراطي الأمريكي، قولها: “التوقعات بشأن مغادرة اليهود الأمريكيين الحزب الديمقراطي كانت مبالغا فيها تماما. الناخبون اليهود يمقتون ترامب والحزب الجمهوري الذي يسيطر عليه”.

لكن الصحيفة أشارت إلى أن الخلاف بشأن إسرائيل بات يضع الناخبين اليهود أمام معضلة متزايدة بين القضايا الداخلية الأمريكية ومواقف المرشحين من تل أبيب، متوقعة أن يتكرر هذا التوتر في سباقات انتخابية أخرى، وصولا إلى انتخابات عام 2028.

من جانبها، قالت القناة 15 العبرية الخاصة إن الحدث الأبرز في أعقاب هزيمة الجمهوريين وما وصفته بـ”التسونامي الديمقراطي”، هو تصريح نائب الرئيس الأمريكي الصريح بأن إسرائيل أحد أسباب إخفاق الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي.

وأضافت القناة أن هذا التصريح “يُعد أمرا غير مسبوق من مسؤول أمريكي يشغل منصبا بهذه الأهمية، سواء كان من الحزب الجمهوري أو الديمقراطي”.

وأشارت إلى أن دونالد ترامب الابن تفاعل مع تدوينة فانس، معتبرة أن هذا التطور “خطير جدا”، وينبغي أن يضيء “إشارات حمراء” لدى صناع القرار في إسرائيل.

وأسفرت النتائج الأولية غير النهائية لانتخابات الكونغرس عن فوز الحزب الديمقراطي بالأغلبية في مجلسي النواب والشيوخ، على حساب الحزب الجمهوري الذي ينتمي إليه ترامب، وفق وكالة أسوشييتد برس.

ومن شأن سيطرة الحزب الديمقراطي على مجلسي الكونغرس تقييد قدرة ترامب على تمرير أجندته التشريعية، فيما لا تزال تداعيات النتائج على سياسته تجاه إيران غير محسومة.

وفي 28 فبراير/ شباط 2026، شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل حربا على إيران، خلّفت آلاف القتلى، وردّت طهران بهجمات على إسرائيل وما قالت إنه مواقع أمريكية في المنطقة.

وفي يونيو/ حزيران الماضي، توصلت واشنطن وطهران إلى مذكرة تفاهم بشأن وقف الأعمال العسكرية، قبل تعثر تنفيذها وتجدد الهجمات.

وتتمحور الخلافات الحالية بين الجانبين حول شروط إنهاء الحرب والملاحة في مضيق هرمز، الذي يشكل ممرا استراتيجيا لإمدادات الطاقة العالمية.

(الأناضول)



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *