الجزائر ـ “القدس العربي”: خرجت عائشة دحدوح زوجة الروائي الجزائري الفرنسي كمال داود عن صمتها، قبل ساعات من صدور الحكم في القضية المتابعة فيها أمام محكمة وهران، على خلفية اتهامات تطالها بإفشاء السر الطبي لسيدة تتهم زوجها بتوظيف قصتها الشخصية دون موافقتها في روايته “حوريات” الحائزة على جائزة الغونكور الفرنسية سنة 2024.
وقالت الطبيبة النفسية، في بيان تحت عنوان “أنا بريئة”، إن محكمة وهران ستصدر قرارها في 27 أكتوبر الجاري بشأن الإجراءات المتخذة ضدها، على خلفية اتهامات تتعلق بكشف السر الطبي وسرقة ملف طبي في إطار رواية “حوريات” لكمال داود.
وأضافت دحدوح، التي تحدثت باسمها بصفتها طبيبة، أنها تتعامل مع القضية “بتواضع ومسؤولية”، معتبرة أن الجزائر تحمل صدمات متوارثة لا تزال جراحها مفتوحة، وأن الأشخاص الذين يعانون من الهشاشة يجب أن يتمكنوا من البوح للطبيب النفسي من دون خوف.
وأوضحت أن دفاعها لا يتعلق بشخصها وحده، بل يتجاوز ذلك إلى حماية الثقة في مهنتها، مشيرة إلى أن السر الطبي يعد أحد أسس أخلاقيات المهنة الطبية، وأنها ظلت وفية له طوال مسارها المهني.
Je suis innocente.
Par le Dr Aïcha Dahdouh, médecin psychiatre
PARIS, le 25 octobre 2026Le 27 octobre 2026, le tribunal d’Oran rendra son délibéré dans la procédure engagée contre moi pour des allégations de divulgation du secret médical et vol de dossier médical, dans le cadre du roman « Houris » de #KamelDaoud, prix Goncourt 2024.
Je parle en mon nom, comme médecin, avec humilité et responsabilité.
L’Algérie porte des traumatismes générationnels encore ouverts. Les personnes vulnérables doivent pouvoir se confier à un psychiatre sans crainte. Par ma défense, je souhaite aussi préserver la confiance dans mon métier : l’enjeu dépasse ma personne. Le secret médical est l’un des fondements de l’éthique médicale, et je lui ai toujours été fidèle.
Je suis innocente. Je n’ai pas divulgué le secret médical. Je n’ai pas volé de dossier. Le médecin n’est pas le propriétaire du dossier : il en est le dépositaire, pour la personne soignée, sous le sceau du secret. Si une condamnation devait être prononcée, je la contesterai.
Mon souhait était de me présenter devant la justice de mon pays. C’était le seul cadre juridique possible pour ma défense, et le seul où le secret médical pouvait être respecté.
Je n’ai pas pu me rendre en Algérie. Le retentissement des positions de Kamel Daoud et une situation familiale déjà douloureuse m’en ont empêchée, tout comme mon devoir de protection en tant que mère, de responsabilité en tant que médecin et d’intégrité en tant qu’Algérienne.
Cette procédure m’empêche déjà d’exercer un droit et d’accomplir un devoir essentiels : accompagner mon père en fin de vie et lui faire mes adieux, pour que son âme repose en paix. En Algérie, être auprès des siens jusqu’au dernier souffle est un devoir sacré que nous transmettent nos aînés.
Je respecte la liberté d’expression et de création, comme je respecte le travail de la presse. Mais la voix de Kamel Daoud ne doit pas effacer la mienne.
Sur trois questions essentielles, l’Algérie, l’islam et la Palestine, je ne partage pas les positions de Kamel Daoud. Je le dis sans animosité.
Plus profondément encore, ce qui nous sépare, c’est le regard porté sur la douleur d’autrui. Mon métier m’a appris un principe simple : la douleur humaine, ça se respecte. Toutes les victimes méritent le respect de leurs souffrances, sans hiérarchie ni distinction, d’où qu’elles viennent.
Plus la parole est libre, plus elle engage la responsabilité. Les mémoires blessées appellent l’écoute, des mots justes et mesurés.
L’Algérie est mon pays. J’y ai été formée, j’y ai soigné et enseigné. Ses valeurs sont les miennes : la dignité, la solidarité, le respect des aînés et de la foi de chacun.
Il n’y a aucune haine en moi. Frantz Fanon, qui fut psychiatre en Algérie, l’écrivait dans Les Damnés de la terre : « la haine ne saurait constituer un programme ». Je choisis le respect des douleurs humaines.
Je me tiens à la disposition de la justice algérienne, avec mes avocats, dont Maître Emmanuel Daoud, avocat au barreau de Paris (sans lien de parenté avec Kamel Daoud).
Je refuse que d’autres voix s’expriment en mon nom.
Je reste attachée à mon pays, à sa terre et à son peuple.
Je ne renonce ni à moi-même, ni à ce en quoi je crois.
Dr Aïcha Dahdouh
Médecin psychiatreContact : Maître Emmanuel Daoud, avocat au barreau de Paris – 06 83 82 40 12
#EmmanuelDaoud— Aïcha Dahdouh (@aicha_dahdouh) October 25, 2026
وأكدت في هذا السياق: “أنا بريئة. لم أفش السر الطبي. لم أسرق ملفا”، موضحة أن الطبيب ليس مالكا للملف الطبي، وإنما مؤتمن عليه لحساب الشخص الذي يتلقى العلاج، في ظل الالتزام بالسرية. وأضافت أنها ستطعن في أي إدانة قد تصدر بحقها.
وأشارت دحدوح إلى أن رغبتها كانت تتمثل في المثول أمام قضاء بلدها، معتبرة أن ذلك كان الإطار القانوني الوحيد الممكن للدفاع عنها، والإطار الوحيد الذي يمكن فيه احترام السر الطبي.
غير أنها أوضحت أنها لم تتمكن من السفر إلى الجزائر، مرجعة ذلك إلى “تداعيات مواقف كمال داود، إلى جانب وضع عائلي مؤلم كانت تعيشه، وما فرضه عليها واجب الحماية بصفتها أما، والمسؤولية بصفتها طبيبة، والنزاهة بصفتها جزائرية.”
وكشفت الطبيبة النفسية أن الإجراءات القضائية حرمتها بالفعل من أداء واجب مرافقة والدها في نهاية حياته وتوديعه، حتى ترقد روحه بسلام. وقالت إن الوقوف إلى جانب الأهل حتى آخر لحظة من حياتهم واجب مقدس في الجزائر، توارثته الأجيال عن أسلافها.
وفي ما يتعلق بمواقف زوجها، شددت دحدوح على احترامها حرية التعبير والإبداع وعمل الصحافة، لكنها أكدت أن “صوت كمال داود لا ينبغي أن يمحو صوتي”.
وأضافت أنها لا تتقاسم معه مواقفه بشأن ثلاث قضايا أساسية، هي الجزائر والإسلام وفلسطين، مؤكدة أنها تقول ذلك من دون عداء.
واعتبرت أن الاختلاف الأعمق بينهما يتعلق بالنظرة إلى آلام الآخرين، موضحة أن مهنتها علمتها مبدأ بسيطا مفاده أن “الألم الإنساني يجب احترامه”، وأن جميع الضحايا يستحقون احترام معاناتهم، من دون ترتيب أو تمييز، أيا كانت الجهة التي ينتمون إليها.
وأضافت أن حرية التعبير، كلما اتسع نطاقها، زادت المسؤولية المترتبة عليها، وأن الذاكرة المجروحة تحتاج إلى الإصغاء والكلمات الدقيقة والمتزنة.
وأكدت دحدوح تعلقها ببلدها، قائلة إن الجزائر هي وطنها، وإنها تلقت تكوينها فيه، ومارست فيه الطب والتعليم، وإن قيمها هي قيم الجزائر، القائمة على الكرامة والتضامن واحترام كبار السن والإيمان الذي يختاره كل شخص.
ونفت أن تكون مشاعر الكراهية حاضرة لديها، مستشهدة بالطبيب والمفكر فرانز فانون، الذي عمل طبيبا نفسيا في الجزائر، وبما كتبه في كتابه “معذبو الأرض”: “لا يمكن للكراهية أن تشكل برنامجا”، مضيفة أنها تختار احترام الآلام الإنسانية.
كما أعلنت أنها تضع نفسها تحت تصرف القضاء الجزائري، برفقة محاميها، ومن بينهم إيمانويل داود، المحامي بهيئة باريس، الذي أوضحت أنه لا تربطه صلة قرابة بكمال داود.
وختمت بيانها بالتأكيد على رفضها أن يتحدث الآخرون باسمها، قائلة إنها لا تزال متمسكة ببلدها وأرضه وشعبه، وإنها لن تتخلى عن نفسها ولا عن المبادئ التي تؤمن بها.
نزاع قضائي على خلفية رواية “حوريات“
وتأتي تصريحات عائشة دحدوح عشية صدور الحكم في ملفها أمام محكمة وهران، في سياق نزاع قضائي متعدد المسارات في الجزائر وفرنسا، انطلق من اتهامات وجهتها سعادة عربان، وهي ناجية من الإرهاب تبلغ 32 عاما وتنحدر من وهران، إلى كمال داود، متهمة إياه باستغلال جوانب من قصتها الشخصية ومعاناتها خلال العشرية السوداء في روايته “حوريات”، من دون موافقتها.
وتقول عربان إن تفاصيل من حياتها الشخصية، التي تحدثت عنها خلال تلقيها العلاج لدى عائشة دحدوح، ظهرت في الرواية، وهو ما دفعها إلى اللجوء إلى القضاء ضد الكاتب وزوجته الطبيبة النفسية.
وفي نوفمبر/ تشرين الثاني 2024، أعلنت المحامية الجزائرية فاطمة الزهراء بن براهم رفع دعوى قضائية أمام محكمة وهران ضد كمال داود وزوجته، على خلفية ما وصفته باستغلال قصة موكلتها ونقل تفاصيل من حياتها ومعاناتها إلى العمل الروائي من دون إذن منها.
وقالت المحامية حينها إن الكاتب “سرق شخصية موكلتها وقصتها وكلامها”، معتبرة أن نشر الرواية لم يراع معاناتها وما تسبب فيه من ألم. كما أعلنت إيداع شكوى أخرى باسم المنظمة الوطنية لضحايا الإرهاب وجمعية المفقودين خلال العشرية السوداء، على خلفية ما اعتبرته مساسا بتاريخ الجزائر وذاكرتها.
واستندت الشكوى المتعلقة بعربان، وفق ما أعلنته بن براهم، إلى المادة 301 من قانون العقوبات المتعلقة بإفشاء السر المهني، وإلى المادة 46 من ميثاق السلم والمصالحة الوطنية، التي تتضمن عقوبات على استخدام جراح المأساة الوطنية من خلال التصريحات أو الكتابات أو غيرها من الأفعال.
وفي المقابل، نفى كمال داود الحاصل في السنوات الأخيرة على الجنسية الفرنسية، الاتهامات الموجهة إليه وإلى زوجته. وقال، في تصريحات نشرتها مجلة “لوبوان” الفرنسية، إن ادعاء عربان أن قصتها هي التي وردت في الرواية “غير صحيح بتاتا”، مضيفا أنه يفهم مأساتها، لكنه يرى أن التشابه بينها وبين بطلة الرواية يقتصر على الجرح الظاهر، ولا يمتد إلى بقية تفاصيل المعاناة.
كما اعتبر أن الأنبوب المستخدم للتنفس والندبة (الضحية نجت من عملية ذبح) والوشوم ليست أسرارا طبية، وأن حياة المرأة ليست سرا، مستشهدا بشهاداتها العلنية. وذهب إلى أن الجرح الذي تتحدث عنه ليس حالة فريدة، بل يوجد لدى مئات الأشخاص، فيما قال إن الحملة الموجهة ضده تستهدفه وعائلته.
وتتمحور رواية “حوريات” حول فتاة تدعى “فجر”، نجت من مجزرة وهي في الخامسة من عمرها، وبقيت آثار محاولة ذبحها ظاهرة على رقبتها، فيما يتخيل الكاتب حوارا بينها وبين ابنتها التي لم تولد بعد، مستحضرا من خلاله جوانب من حياة المجتمع الجزائري خلال سنوات التسعينيات.
وبالتوازي مع النزاع المتعلق بالسر الطبي واستغلال القصة الشخصية، واجه كمال داود متابعة قضائية أخرى في الجزائر بسبب مضمون الرواية وتناوله فترة المأساة الوطنية. وكان القضاء الجزائري قد أدانه غيابيا في نيسان/أبريل الماضي، بثلاث سنوات سجنا نافذا وغرامة مالية، بعد إدانته بإحياء جراح المأساة الوطنية، استنادا إلى أحكام ميثاق السلم والمصالحة الوطنية.