تصاعد التوتر في مضيق هرمز يدفع إيران نحو ممرات برية “غير مستقرة” عبر أفغانستان


واشنطن: لم يعد بإمكان إيران اعتبار الوصول إلى الخليج أمرا مضمونا، وقد تتجه بشكل متزايد إلى تعزيز تجارتها من خلال الطرق البرية الممتدة عبر أفغانستان. كما لم يعد مضيق هرمز مجرد نقطة ضغط جيوسياسية، حيث دفع الحصار البحري الأمريكي للموانئ الإيرانية وتعطيل حركة الشحن التجاري عبر المضيق التجارة الإقليمية بالفعل إلى التكيف مع بيئة أكثر غموضا وتشرذما.

ويمر عبر مضيق هرمز نحو 20% من إمدادات النفط العالمية، وأسفر التصعيد الأخير إلى اضطراب حاد في حركة الملاحة التجارية عبر الممر الحيوي. وعلقت شركات الشحن عمليات العبور، أو أرجأتها، فيما رفعت شركات التأمين البحري قيمة أقساط مخاطر الحرب، وانتشرت عمليات التأخير والاضطرابات عبر شبكات الخدمات اللوجستية في الخليج.

وتقول الكاتبة والباحثة المتخصصة في الشؤون الإيرانية والأفغانية وقضايا الشرق الأوسط منذ أكثر من 25 عاما، فاطمة أمان، في تقرير نشرته مجلة “ناشونال انتريست” الأمريكية، إنه رغم استئناف بعض الحركة التجارية المحدودة، واقتراب أمريكا وإيران من اتفاق يعيد فتح المضيق، كشفت الأزمة عن مشكلة استراتيجية أوسع، تتمثل في أن الوصول البحري في الخليج لم يعد أمرا موثوقا بشكل كامل في فترات التصعيد. وقد بدأ هذا الغموض بالفعل في دفع مزيد من الاهتمام بممرات التجارة البرية التي تربط إيران بأفغانستان وآسيا الوسطى والأسواق المجاورة.

وأضافت أمان، التي عملت أيضا مستشارة لمسؤولين أمريكيين ومنظمات غير حكومية، أن الاضطراب لا يقتصر على المواجهة البحرية، إذ رفعت شركات التأمين البحري بشكل حاد أقساط مخاطر الحرب، أو سحبت التغطية التأمينية بالكامل من أجزاء من الخليج، بينما أعادت شركات شحن كبرى توجيه سفنها لتدور حول أفريقيا، أو علقت عمليات العبور تماما.

وصارت أفغانستان بالفعل جزءا من عملية إعادة التكيف، حيث دفعت عمليات الإغلاق المتكررة لحدود البلاد مع باكستان خلال السنوات الأخيرة التجار الأفغان إلى تنويع طرق الوصول عبر إيران وآسيا الوسطى، خاصة من خلال ميناء تشابهار بشرق إيران، والمعابر الغربية لأفغانستان.

وتوسعت حركة العبور الأفغانية عبر تشابهار بشكل ملحوظ، مع ترويج كابول للميناء باعتباره ممرا بديلا أقل عرضة للنزاعات السياسية الثنائية.

كما توسعت علاقات إيران مع حركة طالبان، الحاكمة في أفغانستان، بصورة براجماتية في مجالات التجارة وإدارة الحدود والربط الإقليمي، رغم تواصل الخلافات المتعلقة بالمياه واللاجئين والمخاوف الأمنية. ولطالما كشفت الاشتباكات الحدودية والنزاعات حول نهر هلمند هشاشة هذه العلاقة، رغم استمرار التعاون الاقتصادي بين الجانبين.

وتؤكد أمان أن هذه العلاقة تظل محدودة وشديدة الارتباط بالظروف المتغيرة، “فالتعاون يمنح إيران إمكانية الوصول إلى الممرات البرية، لكنه لا يوفر لها موثوقية سياسية أو سيطرة استراتيجية. ومع تصاعد الغموض بشأن الوصول البحري، من المرجح أن تركز إيران بصورة أكبر على شبكات التجارة البرية التي تربطها بأفغانستان وآسيا الوسطى والأسواق المجاورة”.

وأشارت تقارير إقليمية بالفعل إلى أن استمرار اضطراب الشحن في الخليج يعزز الأهمية الاستراتيجية للممرات البديلة، خاصة للتجارة الإقليمية والالتفاف على العقوبات.

كما خففت باكستان خلال السنوات الأخيرة بعض القيود على العبور بهدف تسهيل تدفق التجارة نحو إيران وآسيا الوسطى، في انعكاس لجهد إقليمي أوسع يهدف إلى تنويع المسارات وسط حالة الغموض، حيث “تزداد أهمية الممرات البرية رغم بطئها وتعقيداتها السياسية وقابليتها الأكبر للتعطل عندما تصبح الطرق البحرية غير مستقرة”.

وسعت طالبان بشكل عام إلى تحاشي الاعتماد على طرف إقليمي واحد، عبر موازنة علاقاتها مع إيران وباكستان ودول الخليج والصين وآسيا الوسطى. وقد يؤدي تزايد اعتماد إيران على الممرات الأفغانية إلى تعزيز أهمية كابول التفاوضية، لكنه لن يفضي بالضرورة إلى اصطفاف سياسي طويل الأمد.

ولكن هذا التحول لن يحدث في بيئة محايدة، “فأمريكا تستهدف بالفعل الشبكات التي تدعم التجارة الإيرانية. وتركز العقوبات بشكل متزايد على الوسطاء وشركات الشحن والقنوات المالية والأطراف الأجنبية المرتبطة بتدفقات النفط الإيراني. وتشمل الإجراءات الأخيرة فرض عقوبات على كيانات أجنبية مرتبطة بصادرات النفط الإيرانية”.

وتقول الباحثة أمان في تقريرها إن العقوبات على الصادرات الإيرانية دفعت باتجاه الاعتماد على شبكات غير مباشرة وشركات واجهة ووسطاء، “فالعقوبات لا توقف التجارة، بل تعيد تشكيلها من خلال زيادة التكاليف والتعقيد والاعتماد على قنوات أقل ظهورا”.

وفي أفغانستان، تعتمد التجارة في كثير من الأحيان على المعاملات النقدية والوسطاء غير الرسميين والشبكات الحدودية المتشعبة، ما يؤدي إلى تفاوت مستويات تطبيق العقوبات.

ويقدم النفط الإيراني مثالا واضحا على ذلك، إذ يواصل التدفق على الأسواق العالمية عبر قنوات بديلة، رغم العقوبات. وينطبق المنطق نفسه على الطرق البرية. وسوف يزداد الضغط، ولكن من المرجح أن تتكيف تدفقات التجارة من خلال شبكات وسيطة وترتيبات شحن غير مباشرة وقنوات تمويل غير رسمية.

وفي الوقت نفسه، من المرجح أن تحاول طالبان تجنب أي خطوات من شأنها أن تضعها تحت ضغوط مباشرة من العقوبات، “فالحركة لا ترغب في أن تصبح محور حملة عقوبات، سيما أن اقتصادها يعاني بالفعل، كما أن وصولها إلى النظام المالي العالمي محدود، ما يجعلها غير قادرة على تحمل مزيد من التصعيد”.

وبحسب أمان- التي عملت أيضا كاتبة ومنتجة ومذيعة في إذاعة صوت أمريكا، ومراسلة لدى إذاعة أوروبا الحرة/راديو الحرية- فإن أفغانستان ليست بمعزل عن محيطها، إذ تبقى دول الخليج جزءا من بيئتها الخارجية. وإذا أصبحت إيران أكثر اعتمادا على الطرق البرية، فقد تكتسب هذه الممرات أهمية استراتيجية إضافية بالنسبة للقوى الإقليمية التي تسعى إلى التأثير على عمليات الوصول التجاري والتمويل والخدمات اللوجستية، و”بدلا من الاصطفاف الكامل مع إيران، واصلت طالبان موازنة علاقاتها مع أطراف إقليمية متعددة”.

كما يزيد العامل الأمني من هشاشة الوضع، فالممرات الاقتصادية تحتاج إلى الاستقرار، وبالطبع تتوقع إيران تشديد الرقابة الحدودية حال أصبحت تعتمد على الطرق الأفغانية، “لكن أفغانستان لطالما شكلت ساحة تتداخل فيها التنافسات الإقليمية بصورة غير مباشرة”.

ولا تزال إجراءات ضبط الحدود وسيطرة الدولة غير متكافئة في أجزاء من أفغانستان، ما يخلق نقاط ضعف مستمرة لأي ممر يعتمد على استقرار طويل الأمد، وهو ما يطرح تحديا مختلفا أمام إيران، فالطرق البرية تقلل الاعتماد على الاختناقات البحرية، لكنها تزيد الاعتماد على الظروف السياسية.

وأي اعتماد إيراني طويل الأمد على الممرات الأفغانية سوف يظل مقيدا بالغموض السياسي، ورغبة طالبان في الحفاظ على مرونتها الاستراتيجية. ويشير الحصار المفروض على الموانئ الإيرانية والاضطراب المطول للملاحة عبر مضيق هرمز إلى أن المنطقة في سبيلها لدخول مرحلة لم يعد فيها من الممكن افتراض استقرار الوصول البحري خلال فترات التصعيد.

ولكن هذا لا يعني أن “الممرات البرية قادرة على استبدال البنية التحتية البحرية في الخليج، فهي لا تستطيع ببساطة مجاراة القدرة الاستيعابية للنقل البحري. كما أن البنية التحتية الأفغانية المحدودة، وضعف الحوكمة، والتحديات الأمنية، تبقى جميعها عوامل تُقيِّد هذا المسار”.

وفي ختام التقرير، تؤكد الباحثة أمان أن الأزمة أظهرت بالفعل أنه حتى الاضطرابات الجزئية في الملاحة البحرية تدفع الفاعلين الإقليميين نحو بدائل مجزأة ومعقدة سياسيا، “وقد لا تتحول أفغانستان إلى ممر تجاري مستقر، لكنها قد تصبح أكثر أهمية من الناحية الاستراتيجية مع سعي الدول إلى إيجاد بدائل احتياطية في بيئة إقليمية يتصاعد فيها الغموض”.

(د ب أ)



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *