بكين: وصل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، اليوم الأربعاء، إلى الصين تمهيدا لقمة تنطوي على تحديات عدة مع نظيره الصيني شي جينبينغ، من التجارة الدولية إلى الحرب في إيران مرورا بقضية تايوان.
وحطّت الطائرة الرئاسية قرابة الساعة 19,50 بالتوقيت المحلّي (11,50 بتوقيت غرينيتش). وهي أول زيارة يقوم بها رئيس أمريكي للصين منذ زيارة ترامب نفسه خلال ولايته الأولى في تشرين الثاني/نوفمبر 2017.
قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إنه لا يتوقع أن يحتاج إلى مساعدة بكين لإنهاء حرب إيران وتخفيف قبضة طهران على مضيق هرمز، وذلك قبل وصوله إلى بكين اليوم.
وفي حديثه قبل مغادرته واشنطن، قلل ترامب من أهمية الدور الذي يمكن أن تلعبه الصين في حل الصراع، الذي لا يزال يعرقل حركة الملاحة البحرية عبر مضيق هرمز، الذي يمر من خلاله في الظروف العادية خُمس إمدادات النفط العالمية.
وقال للصحافيين “لا أعتقد أننا بحاجة إلى أي مساعدة بشأن إيران. سننتصر بطريقة أو بأخرى، سلميا أو بغير ذلك”.
ترامب صرح قبل سفره إلى بكين أنه لا يتوقع أن يحتاج إلى مساعدة بكين لإنهاء حرب إيران وتخفيف قبضة طهران على مضيق هرمز
ويبدو أن إيران عززت سيطرتها على مضيق هرمز، إذ قالت مصادر مطلعة إن إيران أبرمت اتفاقات مع العراق وباكستان لشحن النفط والغاز الطبيعي المسال من المنطقة.
وقال مسؤولون إيرانيون إنهم يعتبرون السيطرة على المضيق هدفا استراتيجيا طويل الأمد. وقال متحدث باسم الجيش الإيراني إن الإشراف على الممر المائي ربما يدر عائدات تعادل مثلي عائدات البلاد من النفط، ويعزز نفوذها في السياسة الخارجية.
وبعد أكثر من شهر على بدء سريان وقف إطلاق النار الهش، لا تزال المطالب الأمريكية والإيرانية لإنهاء الحرب متباعدة للغاية.
ودعت واشنطن طهران إلى التخلي عن برنامجها النووي وإنهاء إغلاق المضيق، في حين طالبت إيران بتعويضات عن أضرار الحرب وإنهاء الحصار الأمريكي ووقف القتال على جميع الجبهات، بما في ذلك في لبنان.
ناقلة صينية تحاول عبور هرمز
قالت إدارة ترامب أمس الثلاثاء إن مسؤولين أمريكيين وصينيين كبارا اتفقوا الشهر الماضي على أنه لا ينبغي لأي دولة أن تفرض رسوم عبور عبر مضيق هرمز، في محاولة لإظهار توافق في الآراء حول هذه القضية قبل انعقاد القمة.
ولم تعترض الصين، وهي مشتر رئيسي للنفط الإيراني ولديها علاقات وثيقة مع طهران، على هذه التعليقات.
وأظهرت بيانات تتبع للسفن أن ناقلة نفط صينية عملاقة تحمل مليوني برميل من الخام العراقي حاولت عبور مضيق هرمز اليوم الأربعاء.
إدارة ترامب قالت إن مسؤولين أمريكيين وصينيين كبارا اتفقوا على أنه لا ينبغي لأي دولة أن تفرض رسوم عبور عبر هرمز، في محاولة لإظهار توافق حول هذه القضية قبل انعقاد القمة.
وإذا عبرت الناقلة بالفعل، ستكون هذه ثالث عملية مرور معروفة لناقلة نفط صينية عبر المضيق منذ اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير شباط .
وقالت المصادر إن دولا أخرى تبحث ترتيبات مماثلة، في خطوة ربما تؤدي إلى تكريس سيطرة طهران على الممر المائي الذي عادة ما تتدفق عبره الأسمدة والبتروكيماويات وغيرها من السلع الأولية اللازمة لسلاسل التوريد العالمية.
ثمن الحرب
مع تزايد تكاليف الصراع، قال ترامب إن الصعوبات المالية التي يواجهها الأمريكيون لا تمثل عاملا في اتخاذ قراره بشأن الحرب.
وأظهرت بيانات صادرة أمس الثلاثاء أن تضخم أسعار المستهلكين في الولايات المتحدة تسارع في أبريل/ نيسان، إذ سجل المعدل السنوي أكبر ارتفاع له في ثلاث سنوات مع زيادة أسعار المواد الغذائية والإيجارات وتذاكر الطيران.
وردا على سؤال حول مدى تأثير الضغوط الاقتصادية على الأمريكيين في دفعه للتوصل إلى اتفاق، أجاب ترامب “ولا حتى قليلا”.
وقال ترامب قبل توجهه إلى الصين “الشيء الوحيد المهم، عندما أتحدث عن إيران، هو أنه لا يمكنهم الحصول على سلاح نووي… لا أفكر في الوضع المالي للأمريكيين… أفكر في شيء واحد: لا يسعنا السماح لإيران بالحصول على سلاح نووي. هذا كل شيء. هذا هو الشيء الوحيد الذي يحفزني”.
ومن المرجح أن تثير هذه التعليقات ردود أفعال، إذ تظل مخاوف تكاليف المعيشة قضية رئيسية بالنسبة للناخبين قبل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر/ تشرين الثاني.
الحرب تؤثر على إمدادات النفط
تؤثر الحرب بشكل كبير على أسواق الطاقة العالمية. وقالت وكالة الطاقة الدولية اليوم الأربعاء إن إمدادات النفط العالمية ستنخفض بنحو 3.9 مليون برميل يوميا خلال عام 2026 وستقل عن الطلب بسبب الاضطرابات الناجمة عن الحرب على إيران مع فقدان أكثر من مليار برميل من إمدادات الشرق الأوسط بالفعل.
وارتفعت العقود الآجلة لخام برنت قليلا إلى حوالي 108 دولارات للبرميل مواصلة موجة صعود استمرت ثلاثة أيام بدفعة من أزمة مضيق هرمز.
وأظهرت استطلاعات رأي أن الحرب لا تحظى بتأييد الناخبين الأمريكيين قبل أقل من ستة أشهر من انتخابات التجديد النصفي.
وأظهر استطلاع رأي أجرته رويترز/إبسوس ونشرت نتائجه يوم الاثنين أن اثنين من كل ثلاثة أمريكيين، بما يشمل واحدا من كل ثلاثة جمهوريين وكل الديمقراطيين تقريبا، يعتقدون أن ترامب لم يوضح سبب دخول الولايات المتحدة في حرب على إيران.
ترحيب مسبق
واستبقت الصين وصول ترامب معلنة “الترحيب” به وأكد المتحدث باسم وزارة الخارجية غوو جياكون خلال إحاطة صحافية أن “الصين على استعداد للعمل مع الولايات المتحدة… من أجل توسيع التعاون والتعامل مع الخلافات”.
وفي مؤشر إلى تركيز ترامب في زيارته على التجارة والأعمال، انضمّ إليه في الطائرة الرئاسية لدى توقّفها في ألاسكا رئيس شركة إنفيديا جنسن هوانغ، كما يرافقه في الرحلة رئيس شركتي تيسلا وسبايس إكس إيلون ماسك.
ويحظر على الصين راهنا شراء رقائق إنفيديا المتطوّرة التي لا غنى عنها في تكنولوجيا الذكاء الاصناعي بموجب قواعد خاصة بالتصدير تقول واشنطن إن الهدف منها هو حماية الأمن القومي.
ويرافق ترامب عدد من الرؤساء التنفيذيين لشركات أميركية أخرى مثل تيم كوك رئيس شركة آبل.
قال ترامب عن نظيره الصيني “إنّه شخص نتفاهم معه جيدا” .. غير أن بكين بدأت تبدي نفاد صبر تجاه الحرب في الشرق الأوسط
لكن طموحات ترامب إلى تعزيز التجارة بين القوتين الاقتصاديتين الأوليين في العالم تترافق مع توترات سياسية بشأن تايوان والحرب مع إيران التي تسببت بإرجاء الزيارة المقررة بالأساس في آذار/مارس.
ويشكّل الوضع في مياه الخليج والمضيق نقطة تجاذب رئيسية بين الولايات المتحدة وإيران، لما له من انعكاس على حركة الشحن البحري وأسعار موارد الطاقة عالميا.
وقال ترامب عن نظيره الصيني “إنّه شخص نتفاهم معه جيدا، وأعتقد أنكم ستشهدون أمورا جيدة تحصل”.
غير أن بكين بدأت تبدي نفاد صبر تجاه الحرب في الشرق الأوسط، ودعا وزير خارجيتها وانغ يي باكستان التي تقوم بدور الوساطة بين إيران والولايات المتحدة، إلى “تكثيف” جهودها من أجل التوصل إلى إعادة فتح مضيق هرمز.
“حدث هامّ”
يجري ترامب محادثات تستقطب الاهتمام مع شي الخميس والجمعة في بكين حيث سيحظى باستقبال محاط بمراسم احتفالية.
ويتضمن برنامج الزيارة الحافل مأدبة عشاء رسمية في قاعة الشعب الكبرى في بكين.
وصرح ترامب الاثنين بأنه سيبحث مع شي مبيعات الأسلحة الأمريكية لتايوان، ما يشكل خروجا عن سياسة واشنطن المتمسكة بعدم استشارة بكين بشأن دعمها للجزيرة ذات الحكم الديموقراطي والتي تطالب بها الصين متوعدة باستعادتها بالقوة.
كما سيبحث الرئيسان ملفات أخرى مثل القيود الصينية على صادرات المعادن النادرة، والمنافسة في مجال الذكاء الاصطناعي، والعلاقات التجارية المتوترة بين البلدين.
ومن المقرر في هذا الصدد أن يناقش ترامب وشي تمديد الهدنة لمدة سنة بعدما توصلا إليها خلال اجتماعهما الأخير في كوريا الجنوبية في تشرين الأول/أكتوبر، في الحرب التجارية التي دارت بين البلدين على وقع رسوم جمركية متبادلة.
والواقع أن وفدين صينيا وأميركيا باشرا الأربعاء مشاورات اقتصادية وتجارية في كوريا الجنوبية في حضور نائب رئيس الوزراء الصيني هي ليفنغ ووزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، بحسب ما أفادت وكالة الصين الجديدة للأنباء (شينخوا).
وبدا ترقب الزيارة واضحا في شوارع بكين مع نشر نقاط مراقبة للشرطة عند التقاطعات الرئيسية وإجراء عمليات تدقيق في هويات ركاب المترو، على ما أفاد صحافيو وكالة فرانس برس.
وقالت وين وين البالغة 24 عاما والآتية من مدينة نانجينغ (شرق) لوكالة فرانس برس عند سؤالها عن زيارة ترامب “إنه بالتأكيد حدث هامّ”.
وأضافت “سيتم إحراز بعض التقدم بالتأكيد”، آملة أن يتمكن البلدان من ضمان “سلام دائم” بالرغم من “البلبلة الأخيرة في الوضع العالمي”.
“علاقة جيدة للغاية”
لطالما سعت الولايات المتحدة والصين إلى تحقيق الاستقرار في علاقتهما، رغم اشتداد المنافسة بين الخصمين في المجالين التجاري والجيوسياسي.
وتباهى ترامب بشكل متكرر بإقامة علاقة شخصية جيدة مع شي، وأكد الإثنين أن هذه العلاقة ستحول دون اجتياح صيني لتايوان.
ستحظى رحلة ترامب بمتابعة حثيثة من تايوان والحلفاء الآسيويين لرصد أي مؤشر إلى تراجع في الدعم الأمريكي.
وقال “لديّ علاقة جيدة للغاية مع الرئيس شي، وهو يعلم أنني لا أريد أن يحصل ذلك”.
وستحظى رحلة ترامب بمتابعة حثيثة من تايوان والحلفاء الآسيويين لرصد أي مؤشر إلى تراجع في الدعم الأمريكي.
وازدادت بكين ثقة وحزما منذ زيارة ترامب الأخيرة قبل حوالى عقد من الزمن، فيما يجد الرئيس الأمريكي نفسه في موقع حرج وهو يبحث عن مخرج من الحرب مع إيران، ويواجه ضغوطا متزايدة مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في تشرين الثاني/نوفمبر.
لكن القمة تعقد أيضا في وقت يواجه الاقتصاد الصيني صعوبات، وقد عانى في السنوات الأخيرة من ضعف إنفاق الأسر وأزمة حادة في القطاع العقاري.
كما يشير الخبراء إلى أن استمرار الوضع الراهن في الخليج ليس في مصلحة الصين.