أن تكون شاعرا عراقيا
لا يمكن الحديث عن الشعريّة العربية قديمها وحديثها، من دون الحديث عن الشعر العراقي في كل الحضارات والأزمنة. لقد كان شعراء العراق، رغم تواريخ الجوع والحرب والنسيان والمنفى والشتات، أو بفضلها كذلك، مُلْهمين ومبتكرين وأصحاب حكمة وشهوات عظيمة للفنّ والجمال والحياة، أولئك الذين ورثوا مؤونة صبرهم عن كبير سلالتهم جلجامش. إنك بمجرد أن تذكر أبا الطيب المتنبي، أو بدر شاكر السياب، أو مظفر النواب، أو حسب الشيخ جعفر، أو سركون بولص، أو عقيل علي ـ تمثيلا لا حصرا- فأنت تطالع سلاسل الذهب تتلوّى مع مياه الرافدين، وتدرك معنى أن يكون الشعر هو فنّ النسيان، ورديف العزلة والفقدان، ولكن قبل هذا وذاك هو ضرورة.
لا ننسى- في أيّ حال- ذلك الدور العظيم، والمأخوذ بفتنة البدايات دائما، الذي أدّتْهُ حركة الشعر الحُرّ وهي تخرج من أرض العراق لتنتشر في كل البلاد العربية وتحدث أثرا كبيرا ومدهشا في الوعي الشعري الحديث. وكان الشعراء الروّاد مُؤسسين ومتسامحين، وتلاهم جيل الستينيّين الطليعي، وفيهم جماعة كركوك، وجيل السبعينيّين الذي وسّعوا مشروع قصيدة النثر، وقطع الثمانينيّون فيه أشواطًا بعيدة حتى وصلوا إلى مرحلة النص المفتوح. أما شعراء الألفية الجديدة فقد تنوّعت مشاريع الكتابة عندهم من اليمين إلى اليسار، ولسان حالهم: «قفوا نضحك» نكايةً في مشاهد الدمار. لكنّك تشعر، رغم عهود الحماس والزخم والقطائع الذي حدثت منذ الرواد وإلى اليوم، بأنّ المشهد العراقي مُنْقسمٌ وفيه «فوضى» لاعتبارات سياسية وجمالية في آن؛ حيث يتجاور البيت النمطي المشبع بالمعنى والإيقاع الحادّ مع الجملة التي تتراقص على أجناب الصفحة، ولا تقول سوى الصمت. هذا ليس انتقاصا من قيمة، بل هو بالأحرى دليل عافية.
تأثّرْتُ، في بدايات تكويني الشعري، بالشعر العراقي؛ بحداثته وصوته المسموع، ولغته المصقولة بوعي فنّي، وشعراء أمثال بدر شاكر السياب وعبد الوهاب البياتي وسعدي يوسف وعلي جعفر العلاق، هم في سلسلة آبائي الحقيقيين، الذين استلهمتُ منهم معنى أن يكون الشعر حياةً مضاعفةً، ونازعتهم ـ ضمن آخرين- من أجل إشباع غرور هُويّتي الخاصة وصوتي الفردي. وما زلتُ إلى اليوم أتعلّمُ من هذا الشعر في تكويناته الجديدة، ولي صداقات ومحاورات مع أصواته الحيّة من أبناء جيلي. وحين نشرتُ أول كتبي في العراق؛ وهو كتابي النقدي «الشرفة والرماد: دراساتٌ في الشعر العربي وقضاياه» (دار أبجد، 2023)، أهديْتُه إلى روح بدر شاكر السياب كأنّي بذلك أُسدّد دَيْنا رمزيّا عليّ تجاه شجرة نسب وارفة المعاني والهِبات، كنتُ باكرْتُها وأنا يتيمٌ أعزل إلا من سريرتي الزرقاء ولثغات حرفي الأول.
الصائغ
ثمّة شعراء كُثْر عبروا حياتي، وما تزال أطيافهم تتردد عليّ وتقتحم عزلتي، وبعضهم يطرق عليّ الباب قادِما من زمن آخر. غير أنّي لا أنسى كيف جمعتني الأيام بشاعر من «أوروك» عليه مسحة حزن وسمت خجل، ومن عينيه تلوح ودائع ومشاهدات لا تحصى، تسمع نداءها السحيق وهو يهمّ بقراءة الشعر، وقد تتخلّلها في شكل همهمات ورفيف أجنحة، وربما ترجّلتْ معه من المنصة. كان اسمه يلتبس عليّ مع اسم شاعر آخر هو يوسف الصائغ، ولا أعرف متى حصل ذلك، ولكن للاثنين معا نصيبا من اسمه ودلالته على حرفة الشعر و»تحكيكه»، عدا منفاه الذي لازمَهُ منه.
في بلدة مولاي إدريس زرهون التي تبعد عن مدينة مكناس بنحو عشرين كيلومترا، كان ثمّة مهرجان ربيع الشعر. وعلى مدار ثلاثة (8 ـ 9 ـ 10 أبريل/ نيسان 2013) سمعنا الشعر وغير الشعر، وعلى هامشها جرت وقائع ندوة علمية تحت عنوان: «الأدب والمنفى». كان عدنان الصائغ عريس المهرجان؛ هو الشاعر، وهو المنفيّ. الشعر الذي قرأه كان تجسيدًا للحياة القاسية والمبعثرة التي عاشها، ولا أشكّ في أن شعره مرآة حيّة لشاعر عاركته أيام الحرب والعوز والمنفى. يقرأ على استحياء وبلا ادّعاء، وحين تتحدث إليه تشعر بأنّه خرج للتوّ من حقبة عاصفة، أو نجا بنفسه من قذيفة أو ضربة شمس أو من ألاعيب تورية.
من الهيّن أن تكون شاعرا ما في البلاد كلّها، إلا في العراق؛ ليس لأنّك تحسن النظم وتأليف الكلمات أو تلتزم بأعراف العمود الشعري، أو تُرتّب وَقْفتك بين مجايليك، بل قبل هذا وذاك، ينبغي أن تكون مختلفا وذا صَوْتٍ فرديٍّ خاص يكتشفه الناس لأوّل مرة. كان عدنان من الصّاغة القلائل في شعر العهود الأخيرة، في العراق وخارجه. جيل الثمانينيات الذي ينتمي إليه كثير العدد والمؤونة بحقّ وغير حقّ، لكن القلّة منهم من نجا بنفسه من أحابيل السلطة والأيديولوجيا والكلام المكرور، وصنع له حكايةً تُروى داخل هذا الجيل.
وُلِد شاعرا ومن البدء فهم سياسات الشعر. من ديوان إلى ديوان، استحقّ جدارة الإقامة في القصيدة، وصوته فيها يمكن أن «تسمعهُ بين مئاتِ الأصواتِ اللاغطةِ بالشِعر» على حد تعبير جبرا إبراهيم جبرا. مرّتْ تجربته الشعرية بمرحلتين أساسيّتين لكل واحدة منهما لغتها وسياقها وشرائطها، لكن في النهاية تُعبّر عن ذات الشاعر وسيرته ومغامرته في اللغة وعبرها، وعن تمجيده للحياة والحربة والحب: تجربة الحرب، وتجربة المنفى. استطاع في الأولى، رغم أجواء «الأسود والخاكي»، أن يرقى باللغة ويغمسها بـ»دم القلب» ليكتب سيرةَ جندي غالب الشظف والمعاناة، ونازعه حبّ الوطن وحب الحياة، ثم تنتهي به حكمةُ الخسارات إلى إدانة ويلات الحرب كما في «نشيد أوروك»، وهو خارجٌ من بلده العراق. وفي الثانية منفيّا في مالمو وفي لندن، أراد أن يعوض القلب ما فاته مأخوذا – رغم البعاد والصقيع- بشهوة الحياة؛ تلك الشهوة التي دبّت في الجسد وفي ذكريات الروح، وفي القصيدة نفسها، حيث انفرجت أساريرها وتدفّقت بما يشبه إرواءً لعطش قديم، من المتن إلى الحواشي، ومن صريخ الوتر الحيّ على «ضوء الفانوس المُدخِّن» إلى طرقات العالم.
ما يزال راهنيّاً
ما زالت التجربة في جماع عناصرها وبروقها ومنعطفاتها الجمالية تغتني خارج أوهام المغايرة والتجريب الشكلاني، وتحاور صميم المعرفة الإنسانية وما جرى على مسرح المهازل الكبرى، منشدّةً إلى الحياة المنذورة للفقد والضياع، لإعادة تسميتها من جديد والائتمان على جوهرها وما بقي منه في حكاية شاعر/ صائغ من «أوروك»، يتأبط منفاه ويولد في كلّ مرة من تخاريم نشيده الملتاع وسخريته المرّة إزاء عالمٍ «لا شعريّ».
بهذا المعنى، يظلّ الشاعر راهنيّاً، حين لا يكتفي بأن يكون “ابنَ زمنه”، بل حين يستطيع أن يجعل من تجربته الفردية تجربةً قابلةً لأن تُقرأ ويُصغى إليها في أزمنة أخرى وأمكنة مختلفة عبر العالم. الراهنيّة هنا، ليست مسايرةً للموضة الثقافية أو للتقنيات الجديدة فقط، بل قدرة على إنتاج معنى يظلّ حيّاً وقابلاً للتأويل. فالشاعر لا يعزل نفسه تماماً عن أسئلة عصره، بل يجعل من حضوره فيه سانحةً لالتقاط تبدّلات الحساسية الإنسانية، وتحويلها إلى منجم لفهم التجربة التاريخية كسؤال عبر إنساني. مثلما يجعل من أسلوبه الشعري حيّاً ومفارِقًا حين يعيد اكتشاف إمكانات اللغة، ويُوسّع أطر تدليلها وتأويلها وأشكال حضورها والتزامها وإقامتها في العالم.
من أول ملحمة في تاريخ البشرية، إلى أرض النجوم الباهرة، وبلد شكسبير و ت. س. إليوت، وحواضر كثيرة من العالم العربي وغير العربي، ما زال عدنان الصائغ يلبي نداء الشعر ويحطّ رحاله أنّى كان. في هذه الأيام يحيي بعض الفعاليّات الشعرية في المغرب، ويشهد ـ بمناسبة المعرض الدولي للنشر والكتاب في الرباط – توقيع الطبعة المغربية لديوانيه: «أغنيات على جسر الكوفة»، و»تأبَّط منفى» (دار أفرا، 2026). يقول: «هنا وهناك حيث تمتدّ جسور ضوئية من الحبر والفكر والنبض لتوصلنا مع بعض، ليكون العالم أكثر خضرة وحرية وغناءً، بعيداً عن طواحين الموت التي تقترب من أنفاسنا لتخنقها».
كاتب مغربي