تداعيات أحداث سبتة لم تنته بعد…


لا يعرف بعد ما إذا كان الاتحاد الأوروبي استطاع فعلا تجاوز الهزة التي أحدثها تدفق آلاف المهاجرين غير النظاميين على مدينة سبتة الخاضعة للحكم الاسباني أم إن ما خلّفه الحدث ما زال جاثما في بروكسيل.
لم يكن سهلا على الاسبان أن يصحوا على زهاء السبعين ألفا وقد أصبحوا في ساعات معدودات آخر الشهر الماضي في هذه المدينة، الاسبانية على الخريطة السياسية والمغربية على الخريطة الجغرافية والتاريخية قبل ذلك، لكن ما استطاع الاسبان معالجته سريعا، بمساعدة من السلطات المغربية، بإرجاع هؤلاء جميعا تقريبا قد لا يفلح الأوروبيون في معالجة تداعياته المختلفة بنفس السهولة.
صحيح أن وزراء داخلية الاتحاد استطاعوا خلال اجتماعهم بعد الحدث بأربعة أيام التوصل إلى جملة قرارات من بينها عرض مساعدة مالية طارئة على مدريد والعمل على تعزيز حماية الحدود في سبتة، لكن الشرخ الذي أحدثه الانقسام في البيت الأوروبي لم يكن بسيطا على مستوى الثقة والتضامن الضروريين. لقد تحركت كل من إيطاليا وألمانيا والدانمارك والمجر بعقلية بدت أقرب إلى استغلال الحدث ضد إسبانيا عبر إيقاظ شعور مبالغ فيه بالهلع وكأن ما جرى اجتياح عام لكل القارة.
لم تترك إيطاليا الحدث يمر دون العمل على استغلاله إلى أقصى حد ممكن دعما لأجندة اليمين التي يقود حكومتها ضد الهجرة والمهاجرين. قامت روما بتعليق العمل باتفاقية «شينغن» مع اسبانيا رغم أن هذا الفضاء للتنقل الحر بين دول أوروبية عدة لم يكن في خطر على الإطلاق لأن سبتة غير مشمولة به أصلا والانتقال منها إلى البر الاسباني خاضع دائما للتدقيق في جوازات السفر، لكنها لم تكتف بذلك، بل سعت إلى الترويج من جديد لدعوتها إلى إنشاء مراكز لتسجيل المهاجرين ومراكز للإعادة في دول ثالثة بتمويل من الاتحاد الأوروبي على غرار ما سعت إليه دون نجاح في ألبانيا. بدت الدانمارك وألمانيا والمجر متعاطفة مع هذا الطرح حتى أنه جرى تداول أسماء بعض هذه الدول المرشحة لاحتضان مراكز من هذا القبيل مثل رواندا وأوغندا وغانا وأوزبكستان.
وإذا كان وزير الداخلية الإيطالي قد وجد المناسبة مواتية للترويج من جديد لضرورة وقف عمليات مغادرة المهاجرين غير النظاميين من مصدرها وإعادة من لا يحق لهم البقاء، لاسيما بعد نجاح مثل هذه التجربة مع تونس بإغراءات مالية محدودة ومساعدات لوجستية في مراقبة الحدود البحرية لإيطاليا، فإن الدانمارك تقدمت بمقترحات لا تكتفي بمساعدة دول العبور على منع تدفق المهاجرين من أراضيها وإنما أيضا ربط المساعدات المالية لهذه الدول بهذه الجهود.

 إدماج المهاجرين ليس فقط خيارا إنسانيا وإنما أيضا اقتصاديا وسكانيا لا غنى عنه لبقاء المجتمعات الغربية نفسها التي تعاني الشيخوخة

لم تكن ارتدادات ما حدث في سبتة بين الدول فقط، بل امتدت إلى داخل بعض الدول نفسها فتراجع الدانمارك مثلا عن هبّتها الأولى ضد اسبانيا وصولا إلى الترحيب بتعامل مدريد مع الأزمة لا يمكن فصله عما جرى من تفاعلات داخل البلد نفسه. في البداية طالبت كوبنهاغن بتعليق اتفاقية «شنغن» مع اسبانيا ووجدت الدعم في توجهها المتصلب هذا من حزب الشعب اليميني لكن الدفة سرعان ما عدّلت حين انتقدت أحزاب من الوسط واليسار رئيسة الحكومة مته فريدريكسن لتحالفها مع نظيرتها الإيطالية جورجيا ميلوني حتى أن «قائمة الوحدة» اليسارية وصفت الضغط على اسبانيا بـ»الأحمق» و»الخطير»، فيما انتقدت افتتاحية صحيفة «بوليتكن» الدانماركية ضعف المساندة الأوروبية لمدريد في حين أن الاتحاد وقف موحدا وبقوة في أزمتي تدفق مهاجرين عامي 2015 و2021 على حدود النرويج وفنلندا، والحدود البيلاروسية-البولندية.
أما لم يقل علنا خلال هذه الأزمة التي عصفت بالاتحاد الأوروبي فهو الانزعاج من النموذج الاسباني في التعامل مع ملف الهجرة بشكل عام والهجرة غير النظامية بشكل خاص. كثير من الدول ذات التوجه اليميني لحكوماتها لم تنظر مثلا بعين الارتياح لتوجه الحكومة الاشتراكية في تسوية وضعية زهاء 500 ألف مقيم غير نظامي على أراضيها (الطلبات وصلت حد المليون). هذه التسوية التي أقرها مرسوم ملكي بدأت في أبريل/ نيسان الماضي وجاءت بمبادرة شعبية دعا إليها أكثر من 700 ألف اسباني عام 2024 من منظمات نقابية وإنسانية ومؤسسات والكنيسة الكاثوليكية نفسها.
هذه السياسة الاسبانية عبّر عنها بوضوح رئيس الحكومة بيدرو سانشيز في مقال نشره في «نيويورك تايمز» في فبراير/ شباط الماضي حين كتب أن إدماج المهاجرين ليس فقط خيارا إنسانيا وإنما أيضا اقتصاديا وسكانيا لا غنى عنه لبقاء المجتمعات الغربية نفسها التي تعاني الشيخوخة وتراجع النمو السكاني المهدد للاقتصاد خاصة في القطاع الزراعي الذي كثيرا ما استغل العمال غير النظاميين أبشع استغلال.
هدأت الآن فورة العديد من الحكومات الأوروبية ضد اسبانيا، التي لا يمكن فصلها كذلك عن مواقف مدريد المؤيدة للفلسطينيين والمدينة للإبادة الجماعية في غزة والمتمردة إلى حد كبير على الهيمنة الأمريكية، ولا عن حسابات انتخابية لدول اقتربت انتخاباتها وترى في موضوع الهجرة استثمارا جيدا، لكن الأكيد أن ما جرى بعد هزة سبتة سيكون له ما بعده فالموضوع لم يغلق بالكامل.

٭ كاتب وإعلامي تونسي



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *