تحركات داخل التيار الإسلامي بالجزائر لمساندة إصلاحات وزير التربية حول تأخير الفرنسية وتقديم الإنكليزية


الجزائر- “القدس العربي”: بعد فترة ترقب، خرج بعض أقطاب التيار الإسلامي في الجزائر عن صمتهم ليعلنوا صراحة تأييدهم للإصلاحات التربوية التي ترمي إلى تأخير تدريس الفرنسية والاستعاضة عنها بالإنكليزية في مراحل مبكرة من التعليم، في وقت كان سياسيون وباحثون محسوبون على التيار العلماني قد شنوا هجوما حادا على إصلاحات وزير التربية محمد الصغير سعداوي، معتبرين أنها تدفع المدرسة الجزائرية نحو خيارات أيديولوجية على حساب الانفتاح والحداثة.

وبدا خلال الأيام الأخيرة أن النقاش حول الإصلاحات التربوية بدأ ينتقل من المجال البيداغوجي إلى ساحة الاستقطاب السياسي والفكري، بعدما اصطف عدد من الشخصيات المحسوبة على التيار الإسلامي للدفاع عن التوجه الذي تعتمده وزارة التربية، مقابل مواقف رافضة صدرت عن رئيس التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية عثمان معزوز، والأمينة العامة لحزب العمال لويزة حنون، والباحث في علوم التربية أحمد تيسة.

وفي أحدث مواقف التيار الإسلامي، دعا الأمين العام لحركة النهضة محمد ذويبي إلى الذهاب أبعد في إعادة ترتيب مكانة اللغات داخل المدرسة الجزائرية، مقترحا “زحزحة” الفرنسية إلى مرحلة التعليم الثانوي، لتصبح، حسب تصوره، مثلها مثل الألمانية والإيطالية والإسبانية، مقابل جعل الإنكليزية اللغة الأجنبية الأولى في مختلف الأطوار التعليمية.

وقال ذويبي إن الحركة تدعم التقييم والتقويم المستمر للمنظومة التربوية، وترحب بالخطوات التي من شأنها رفع “الإعاقة اللغوية” عن الكفاءات الجزائرية وتعزيز انفتاحها على البحث العلمي والمعرفي والتواصل الدولي. وربط هذا التوجه بضرورة بناء مدرسة تعكس هوية الدولة الجزائرية وتكون، في الوقت نفسه، منفتحة على العالم.

ويعكس موقف حركة النهضة تحولا في طبيعة النقاش داخل التيار الإسلامي، الذي لم يعد يكتفي بالدفاع عن حضور العربية والهوية في المدرسة، وإنما بدأ يقدم تصورا للسياسة اللغوية يقوم على تقليص الامتياز التاريخي الذي تمتعت به الفرنسية، وتعويضه تدريجيا بالإنكليزية باعتبارها اللغة الأكثر حضورا في العلوم والتكنولوجيا والبحث العلمي والتواصل الدولي.

وفي الاتجاه نفسه، هاجم الرئيس السابق لحركة مجتمع السلم عبد الرزاق مقري بشدة ما وصفه بـ”التيار العلماني خدّام فرنسا”. واتهم هذا التيار بالدفاع عن الفرنسية رغم تراجع انتشارها الدولي، معتبرا أن موقفه الأخير من الإصلاحات التربوية لا يعكس، في تقديره، موازين القوى داخل المجتمع الجزائري.

وذهب مقري إلى طرح أسئلة سياسية تتجاوز القضية اللغوية، متسائلا عن أسباب عودة هذا التيار بقوة إلى النقاش حول الفرنسية في هذا التوقيت، وما إذا كانت هناك، حسب تعبيره، دوافع أو محفزات رسمية أو خارجية وراء ذلك. كما اعتبر أن التيار العلماني، رغم محدودية حضوره الانتخابي والشعبي، يملك تأثيرا في بعض دوائر القرار والنقاش العام.

وتأتي هذه التصريحات في وقت دخلت جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ذات الإرث التاريخي المرتبط بتعليم العربية خلال فترة الاستعمار الفرنسي، على خط السجال، داعية إلى فصل النقاش البيداغوجي عن السجال الأيديولوجي.

وأكدت الجمعية في بيان مصور لها أن العربية تمثل “وطنا وهوية”، لكنها شددت في المقابل على أن اللغات الأجنبية مكاسب علمية ينبغي الاستفادة منها بالقدر الذي يخدم البلاد. وعبّرت هنا عن رفض استمرار التعامل مع الفرنسية بوصفها اللغة الأجنبية التي تحتل موقعا مميزا داخل المدرسة بشكل دائم. وأضافت أن اللغات الأخرى ينبغي أن تقاس بمنفعتها العلمية والمعرفية، وليس بمكانتها التاريخية أو السياسية.

في الجهة المقابلة، جاء موقف رئيس التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية عثمان معزوز ذي التوجه العلماني واضحا في رفض الإصلاحات المطروحة التي تحمل، في نظره، توجها نحو تهميش الفلسفة واللغة الفرنسية، وحذر من انعكاس ذلك على طبيعة المدرسة والمواطن الذي تنتجه.

ودافع معزوز قبل مدة عن الإبقاء على حضور قوي للفرنسية، معتبرا أنها ما تزال لغة مستخدمة في العلوم والطب والهندسة والبحث العلمي والثقافة، ومشيرا إلى أن الجزائر نفسها لا تزال تعتمدها في عدد من التخصصات الجامعية. واعتبر أن تقليص تدريسها في المدرسة من دون معالجة وضعها في الجامعة قد يخلق فجوة بين التعليمين المدرسي والعالي.

كما ربط رئيس التجمع بين الدفاع عن الفرنسية والدفاع عن التعدد اللغوي، مؤكدا أن العربية والأمازيغية والفرنسية والإنكليزية وغيرها من اللغات يمكن أن تكون مكاسب للجزائريين، وأن المشكلة، من وجهة نظره، لا تكمن في تعدد اللغات وإنما في تحويلها إلى أدوات للصراع السياسي والإيديولوجي.

ولم يقتصر رفض الإصلاحات على اللغة الفرنسية، إذ امتد إلى التعديلات المتعلقة بالفلسفة في امتحان البكالوريا بالنسبة إلى بعض الشعب. وهنا التقت مواقف معزوز ولويزة حنون وأحمد تيسة حول أهمية المادة في تكوين العقل النقدي، وإن اختلفت مواقعهم السياسية.

وكانت حنون قد دعت الرئيس عبد المجيد تبون إلى تأجيل مشروع إصلاح المنظومة التربوية وفتح نقاش وطني بمشاركة المختصين والخبراء في التربية والبيداغوجيا واللغات. واعتبرت أن المدرسة ملف وطني يتجاوز الخلافات السياسية الظرفية، وأن الإصلاحات الكبرى لا ينبغي أن تمر من دون نقاش علمي واسع.

كما أعلنت تضامنها مع أحمد تيسة بعد الحملة التي تعرض لها على خلفية مواقفه من الفرنسية والفلسفة، معتبرة أن الخلاف حول المدرسة يجب أن يحسم بالحجة العلمية لا بالتجريح والاتهامات.

أما تيسة، الذي أصبح أحد أبرز أطراف السجال، فقد رد على منتقديه، نافيا أن تكون مواقفه من جودة تدريس العربية والتربية الإسلامية تعني عداءه لهما، كما رفض اتهامه بالولاء لفرنسا بسبب دفاعه عن استمرار حضور الفرنسية في التعليم. وأكد أن انتقاد أداء المنظومة التعليمية جزء من عمل الباحث في التربية، وليس موقفا من الدين أو الهوية الوطنية.

وتحوّل هذا السجال إلى مواجهة رمزية بين تصورين للمدرسة الجزائرية. الأول يرى أن الانتقال نحو الإنكليزية وتقليص حضور الفرنسية يمثلان استكمالا لإعادة ترتيب السياسة اللغوية بعد الاستقلال، وتجاوزا لإرث الاستعمار في المدرسة. والثاني يعتبر أن المشكلة ليست في الفرنسية ذاتها، وإنما في جودة التعليم، وأن إضعاف لغة ما لا يعني بالضرورة تقوية لغة أخرى، خصوصا إذا لم تكن المدرسة والجامعة مهيأتين للانتقال.

وفي الخلفية، يبقى القرار النهائي بشأن الإصلاحات محل تساؤل، خاصة في ظل تلميح منابر إعلامية إلى إمكانية تجميد أو إلغاء الإصلاحات، كونها لم تعرض على مجلس الوزراء وتم الإعلان عنها بشكل منفرد من قبل وزير التربية.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *