لا شك أن خفض التوتر في البؤر الساخنة من العالم الإسلامي تطور إيجابي يساهم في تخفيف الشكوك وإضعاف احتمالات النزاعات العسكرية. ولكن هذا الخفض لا يأتي بنفسه، بل يحتاج لمن يقوم به. وقد أكد القرآن الكريم على مبدأ إصلاح العلاقات المتوترة خصوصا بين الإخوة، وحث أتباعه على القيام بمبادرات الإصلاح: «وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما». وجاء في آية أخرى: «والصلح خير». فدين الله يسعى لإحلال السلام في العالم، وجعل ذلك المبدأ «شعبويا» حتّى جعل صيغة التحية بين الناس تروّج ذلك. فما أن يلقى المسلم أخاه حتى يبادره بالتحية: السلام عليكم. وتأتي الإجابة لتؤكد محوريّة السلام بين الناس. والأمّة القويّة هي التي تترفع فصائلها على النزاع ويسعى المخلصون من أبنائها لبث ثقافة الحب والوئام والابتعاد عن الضغينة والخلاف. مع ذلك لا بد من الاعتراف بوجود اختلافات بين الأفراد، وبين الكيانات السياسية وبين الدول كذلك. وفي المنظور الإسلامي، فإن هذه الاختلافات تنشأ عادة من تجاهل تعليمات السماء في ما يتعلق بالعلاقات ونبذ الخصام. كما أنها تنشأ بنوازع شيطانية التي ذكرها القرآن الكريم سببا للخلافات. وبغياب رموز النهضة الإسلامية التي ظهرت مطلع القرن الماضي ومن بينهم محمد عبده وجمال الدّين الأفغاني والعلّامة محمد إقبال، تراجعت مقولات الوحدة من الثقافة الشعبية، وبشكل تدريجي انحصر وجودها ضمن النخب المثقفة التي لم تعد قادرة على قيادة الجماهير في ظل تعدد الأقطاب السياسية وهيمنة الاستعمار وعقليته على العالم الإسلامي خصوصا في الشرق الأوسط.
وفي عالم السياسة في هذه الأيام، تتجلى النوازع الشيطانية التي تؤثر سلبا على العلاقات بين المسلمين. هذه الاختلافات تنبع عادة من الجهل وقصر النظر وعدم تحكيم العقل. وقد تكون هناك أسباب أخرى كالغرور والأنانية وحب الذات. فحتى لو كان السبب بعيدا عن إرادة الأمة، فإنه يؤدّي إلى تداعيها وإضعاف شوكتها. ونظرا لضعف مبادرات الإصلاح والتقريب وتوحيد الصفوف، تتطلب المسؤولية الإيمانية والأخلاقية دعمها من جهة وتشجيع مبادرات مماثلة. فهذه مبادرات تتصل في جوهرها بما يطلق عليه القرآن الكريم «إصلاح ذات البين. قال تعالى: «فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم». فمن غير المعقول أن يتم تجاهل الخلافات والاختلافات، لأن ذلك يفت في عضد الأمة ويؤسس لشتاتها. وهذا يلغي المفهوم الذي روّجه القرآن الكريم في أكثر من سورة واصفا المسلمين أنهم «أمة واحدة». ولكي تتحول الكيانات المتفرّقة إلى كيان واحد فإن ذلك يتطلب إرادة وجهودا وضوابط نفسية وأخلاقية. مع ذلك لا بد من تحقيقه في المدى القصير أو البعيد. ولطالما تغنّى المصلحون بمقولة الوحدة وبذلوا جهودهم لتحقيق شيء منها، خصوصا في مرحلة الاستعمار الذي ساهم في تشتيت الأمة، وما بعدها. ولا يمكن تجاهل جهود رجال الإصلاح مثل محمد عبده وجمال الدين الأفغاني ومحمد رشيد رضا وغيرهم ممن رفع راية الوحدة عندما أدرك أن الاستعمار يراهن على فرقة الأمة لبسط نفوذه على مكوّناتها. مع ذلك بقيت الوحدة في أغلب الحالات سرابا لأسباب عديدة منها تقديس الدولة القومية بديلا عن مقولة الأمّة الواحدة، وتحوّل تلك الدولة إلى كيان تحكمه مجموعات صغيرة لا تتوفر على مفاهيم الوحدة وما تتطلبه من قيادات قويّة. وبلغ الأمر ذروته في الوقت الحاضر حيث أصبح الحديث عن «الأمّة الواحدة» و «الوحدة الإسلامية» يبدو طوباويا ولا يتوفر على الشروط الضرورية لتحققه.
لا يمكن إقامة حلف عريض لدول المنطقة بدون أن تتضح آفاقه الجغرافية والسياسية، وبدون أن يعرف المدعوون للاشتراك مدى جدوى التحالف المذكور
في الأسابيع الأخيرة، انطلقت من مكّة المكرّمة مبادرة لإقامة تحالف بين ثلاث دول إسلامية كبرى: المملكة العربية السعودية وباكستان وتركيا، وبدأ السعي لإشراك إيران في هذا التحالف. فقد قام وفد من دول حلف مكة بزيارة الجمهورية الإسلامية ومقابلة رئيسها مسعود بزشكيان والأمين العام لمجلس الأمن القومي، محسن رضائي. والهدف توسيع التحالف ليضم إيران، وما تزال المفاوضات مستمرة لتحقيق ذلك. هذا التحالف سوف يجد أمامه عددا من القضايا الساخنة، على رأسها الحرب في اليمن والرغبة في إنهائها بعد أن اتضح عدم قدرة الأطراف المشاركة فيها على حسمها بشكل كامل. إنها لمبادرة طيبة أن تسعى الدول الإسلامية الكبرى لممارسة دور المصالحة بدلا من تجاهل ما يحدث بانتظار «مبادرات دولية». ولا شكّ أن وجود رغبة لدى هذه الأطراف للسعي من أجل احتواء الخلاف وتخفيف حدّة الحرب، يعتبر تطورا نوعيا في أداء الدول الإسلامية التي تميزت مواقفها وسياساتها بالابتعاد عن القضايا الكبرى خصوصا المثيرة للغط من وجهة النظر الاستعمارية. ولا شكّ أن تكرار الحديث عن «تحالفات» و تكتلات إقليمية، يعكس الرغبة في توفير أرضية مشتركة ومناسبة لطرح مفاهيم الوحدة وقيمها. ولا بدّ من الاعتراف بأن هذا الطرح يبدو غريبا للكثيرين، بعد أن أصبحت حالة التجزئة تختصر المشهد وتحول دون انطلاق مبادرات على طريق الوحدة.
ليس معلوما بعد مدى جدّية «اتفاق مكّة» الذي ضم كلا من السعودية وباكستان وتركيا. فللوهلة الأولى يبدو طرحا عاقلا تفرضه حاجة المسلمين إلى قوّة جغراسياسية تمثلهم وتحمي مصالحهم في عالم متعدد الأقطاب والتكتلات. وتراقب دول إسلامية كبرى مسار هذه الأطروحة التي يبدو أنها حظيت بموافقة أمريكية، آملة ان تُتاح لها الفرصة للانخراط في المشروع الوحدوي المذكور. وبدلا من انتظار ما تؤول إليه مبادرة لقاء مكّة وعزم القائمين على ذلك لتوسيع العمل المشترك، فإن حكام البلدان الإسلامية مطالبون بطرح موقف مسؤول إزاءها، على أمل أن يساهم ذلك في تعزيز قيم الوحدة ومفاهيمها في أذهان الأجيال الحالية من المسلمين. فهناك شعور مختزن لدى النخب المثقفة ببطء محاولات الإصلاح، وربما عدم جدّيّتها، وافتقارها لشخصيات تاريخية ترفع لواء الوحدة وتتحمل مسؤولياتها في ظروف صعبة، وتؤكد حماسها لعدم احتضان البديل الغربي الذي حظي بقدر كبير من النقد.
ما آفاق مشروع التحالف الذي طرحته السعودية مع تركيا وباكستان؟ وما فرص نجاح المبادرات الوحدوية التي تُطرح في غياب مشاريع عربية وإسلامية أوسع؟ كان واضحا عندما قرر القائمون على مشروع «حلف مكة» زيارة الجمهورية الإسلامية والتحاور مع القيادة الإيرانية حول ذلك، أن هناك إدراكا عميقا لما يمكن ان تضيفه إيران لهذه المبادرة. وبغضّ النظر عن السياسات الإيرانية على مستوى الداخل والخارج، وبرغم تحالفاتها مع بعض قوى المقاومة، فلا يمكن إقامة حلف عريض لدول المنطقة بدون أن تتضح آفاقه الجغرافية والسياسية، وبدون أن يعرف المدعوون للاشتراك مدى جدوى التحالف المذكور، ومدى التزامه بثوابت الأمة إزاء مقولات الاستقلال والتنمية والتعاون والحفاظ على الهويّة واحتضان قضية فلسطين والحفاظ على ثروات الأمّة. ويُتوقع أن تدّعي الحكومات العربية والإسلامية التزامها بتلك الثوابت، ولكن من الضرورة بمكان فحص سياساتها وعلاقاتها وتحالفاتها.
يمكن القول إن المستوى الأدنى لشروط نجاح التحالف توافق دوله إزاء قضية فلسطين والامتناع عن مد الجسور مع الاحتلال وإعلان الدعم غير المشروط للفلسطينيين. مطلوب من هذا التحالف أن يؤكد على استقلال قرار دوله والتزامها بالحفاظ على سيادتها وثرواتها الطبيعية خصوصا النفط، والتصدي للسياسات العبثية التي يمارسها الاحتلال خصوصا بناء المستوطنات في الضفة الغربية وتوسيع حدوده في غزة ومنح نفسه حرّيّة استهداف البلدان العربية والإسلامية المجاورة بلا رادع. كما أن من الضرورة أن تظهر دول التحالف حماسها لسياسات اقتصادية تحقق قدرا من العدالة لشعوبها من جهة وللدول الأعضاء في التحالف من جهة أخرى. فلا جدوى من أي تحالف لا يحقق الازدهار والتنمية والاستقلال لأعضائه. وبالإضافة لذلك يُتوقع من التحالف بذل الجهود لوقف الحرب في اليمن وضمان عدم تكرارها، فهي حربٌ مدمّرة أتت على الأخضر واليابس وأدّت إلى خسائر عملاقة في الأرواح والمعدّات، وأضعفت وحدة الأمّة وعمّقت مشاعر الأذى والظلامة في نفوس أبنائه. فما لم تظهر الدول الأعضاء في تحالف مكة قدرة على مناقشة الملفات الحساسة خصوصا ملفات الحروب والخلافات السياسية والأيديولوجية، فإن تحالفها لن يكون ذا معنى، ولن يكون سندا للباحثين عن الحرّيّة والدعم السياسي والمادّي وتكريس القطيعة مع الاحتلال وداعميه. وفي الوقت الذي تستحق فيه مبادرة تحالف مكّة الإشادة والتقدير، فإن نجاحها ضرورة للمنطقة وشعوبها. وهذا لن يتحقق إلا إذا إذا أضمرت الدول المشاركة فيه رغبة أكيدة في رأب الصدع وعزمها على القيام بواجبها في مجال إصلاح ذات البين، وعدم السماح للأطرف الأجنبية بالتدخل في شؤون المنطقة.
٭ كاتب بحريني