تجاهل سياسة “التراجع إلى الداخل” وضع الإمبراطورية الأمريكية “رسميا” على طريق الانحطاط


لندن- “القدس العربي”:

نشرت صحيفة “نيويورك تايمز” مقال رأي لكريستوفر كالدويل، كاتب الرأي ومحرر مجلة كيلرمونت لمراجعة الكتب ومؤلف كتاب: “عصر الاستحقاق: أمريكا منذ الستينيات”، أعلن فيه أن أمريكا هي “رسميا” إمبراطورية في طور الانحطاط.

وقال إن الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران كان أكثر من مجرد فكرة سيئة، فقد تحول إلى نقطة تحول في انحدار الإمبراطورية الأمريكية.

وأضاف أن البعض ربما فضل استخدام مصطلح “الهيمنة” لوصف النظام العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة، نظرا لأن علمها لا يرفرف عادة فوق الأراضي التي تحميها أو تستغلها، إلا أن القواعد متشابهة: فالأنظمة الإمبراطورية، مهما كان اسمها، تدوم طالما كانت وسائلها كافية لتحقيق غاياتها، ومع حرب إيران، عمل ترامب على توسيع الإمبراطورية بشكل مفرط وخطير.

فقد كانت مغامرة عسكرية فاشلة في الشرق الأوسط آخر ما كان يتوقعه المراقب العادي لكي تؤدي إلى تراجع رئاسة ترامب. فالمشاكل التي أشار إليها في حملاته الرئاسية الثلاث كانت في معظمها ناتجة عن إدارة أسلافه للأمور بطريقة تتجاوز إمكانياتهم. ففي الداخل، قلل ما يطلق عليهم أنصار “الصحوة” من شأن تكاليف وصعوبات التدخل في أدق تفاصيل التفاعلات بين الجماعات.

أما في الخارج، فقد أثبتت القوات المسلحة الأمريكية الجبارة عدم امتلاكها موهبة في تعزيز الديمقراطية، وكان الفشل الذريع الأخير في العراق خير دليل على ذلك.

أثبتت القوات المسلحة الأمريكية الجبارة عدم امتلاكها موهبة في تعزيز الديمقراطية، وكان الفشل الذريع الأخير في العراق خير دليل على ذلك

وبدا التوسع المفرط خطرا استخف به الرئيس جو بايدن، إذ كان يقول: “نحن الولايات المتحدة الأمريكية” و”لا شيء لا يمكننا فعله”، ولهذا ظن الناس أن ترامب سيكون مختلفا. فرغم فخامة ومبالغة شعار “لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى”، لم يتوقع ناخبوه أن يتصدى لمشاكل جديدة. فالفخامة في كل هذه ليست إلا هالة، مظهر وتباه، لا مغامرة، ويمكن للولايات المتحدة أن تصبح أعظم حتى لو انسحبت إلى نطاق نفوذ أقل اتساعا.

فعندما أعلن عن تحديث لمبدأ مونرو، معيدا تركيز الاهتمام الأمريكي على نصف الكرة الغربي، ظن معظم الناس أنهم سيحصلون على تقليص للقوة. وفي استراتيجية الأمن القومي التي صدرت في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، أضاف: “لقد ولت، ولله الحمد، الأيام التي هيمن فيها الشرق الأوسط على السياسة الخارجية الأمريكية، سواء في التخطيط طويل الأجل أو التنفيذ اليومي”. ويعلق كالدويل أن هذه الخطة كانت منطقية، بل وجديرة بالإعجاب في السياسة الخارجية.

والأهم من ذلك، أثبت التاريخ نجاعتها، فقد اضطرت بريطانيا إلى التخلي عن نظامها الممتد من المستعمرات والمحميات بعد الحرب العالمية الثانية. ومع أن التخلي عنها كان صعبا وخلف عنفا في بعض الأحيان، إلا أنه، باستثناء محاولتها الفاشلة للانضمام إلى فرنسا وإسرائيل في الاستيلاء على قناة السويس من مصر عام 1956، لم تحاول بريطانيا الاحتفاظ بأراض لم تعد قادرة على تحمل تكاليفها. وانتهى بها المطاف بعلاقات جيدة نسبيا مع مستعمراتها السابقة.

وكان انسحابها ناجحا، مع أن هذا قد يصعب إدراكه لأن ما كان يدار هو تراجع الإمبراطورية. وكان لدى ترامب فرصة لتحقيق شيء مماثل، ذلك أن الافتراض الذي كان سائدا في واشنطن خلال العقد الماضي هو أن العالم منخرط في لعبة الكراسي الموسيقية الجيوسياسية، وأن الموسيقى على وشك التوقف.

وقد تتفوق الصين على أمريكا قريبا، ليس فقط في القدرات العسكرية والصناعية، بل أيضا في تكنولوجيا المعلومات، وسيتحول العالم إلى وضع جيوسياسي جديد أقل ملاءمة. وتعتبر هذه هي اللحظة الأخيرة لإعادة تشكيله لصالح أمريكا.

وفي البداية، سعى ترامب إلى إزاحة الصين من معاقلها في نصف الكرة الغربي، وما كاد أن يعود إلى منصبه حتى مارست الولايات المتحدة ضغوطا على شركة سي كي هاتشيسون، وهي تكتل متعدد الجنسيات مقره هونغ كونغ وله صلات بالصين، لبيع ميناءين في منطقة قناة بنما. وشهدت فنزويلا، التي تعتمد على الصين كسوق لـ80% من صادراتها النفطية، اختطاف القوات الأمريكية لزعيمها نيكولاس مادورو الشتاء الماضي، وحذر ترامب من أن كوبا، وهي وجهة للاستثمارات الصينية، “هي التالية”. كما اعتقد أنه سيكون من الأفضل للولايات المتحدة أن يكون لها موطئ قدم أكثر أمانا بالقرب من القطب الشمالي (موطئ قدم مثل غرينلاند) عندما يحين وقت تقسيم موارد الطاقة والمعادن التي يتيحها الاحتباس الحراري هناك.

وسواء أكانت هذه السياسة في نصف الكرة الغربي قابلة للدفاع عنها أم لا، فإنها تتسم بالتناسق. وعليه، فقد كان الهجوم على إيران أمرا مختلفا، ولم يكن عملية تعزيز دفاعي، بل قام على افتراض الخطر والمسؤولية المفتوحة. وربما كان من الأفضل التخلص من نظام الملالي في طهران، إلا أنه بالنسبة للولايات المتحدة، الدولة المستقلة في مجال الطاقة والتي تنسحب إلى نصف الكرة الأرضية الخاص بها، لم يكن هذا مصلحة حيوية، ولم تكن الحرب مع إيران مطروحة على رادار أي شخص في الإدارة قبل بضعة أشهر فقط.

ذلك لأن الولايات المتحدة تفتقر إلى الوسائل العسكرية لفرض إرادتها على إيران في صراع طويل الأمد. ففي عام 1991، احتاجت الولايات المتحدة إلى مليون جندي من أكثر من 40 دولة لصد غزو الكويت الذي شنه العراق بقيادة صدام حسين، وهو بلد أقل تطورا من إيران وأصغر منها بكثير. وعندما دخلت إيران والعراق في مواجهة عسكرية، وصلتا إلى طريق مسدود في ثمانينيات القرن الماضي، حيث بلغت الخسائر مئات الآلاف من كلا الجانبين.

وفي الوضع الحالي، كان على الولايات المتحدة إرسال جزء كبير من قواتها المسلحة، التي لا يتجاوز قوامها 1.3 مليون جندي، لكي تكون لديها فرصة لإخضاع إيران، وإذا نجحت هذه القوة، فسيتعين عليها البقاء لفترة طويلة.

لطالما انتقد القادة الأمريكيون حلفاءهم الأوروبيين لسنوات بسبب قصور قواتهم القتالية، ولكن إذا قسنا القوة العسكرية الأمريكية بناء على طموحاتها لا على ناتجها المحلي الإجمالي، فسنجدها غير كافية بنفس القدر

وأضاف كالدويل أن الولايات المتحدة لم تعد تعتمد على حشد جيوش ضخمة، فهي تمتلك صواريخ متطورة وأسلحة بعيدة المدى، لكن هذه الأسلحة ضرورية للدفاع عن حلفائها ومصالحها في جبهات أخرى، والولايات المتحدة تستنزفها. ووفقا لتقرير نشرته صحيفة “نيويورك تايمز”، فقد استخدمت بالفعل 1,100 صاروخ كروز بعيد المدى، مخصصة للصراعات المحتملة في آسيا، ولم يتبق في مخزونها سوى 1,500 صاروخ، وأطلقت 1,000 صاروخ كروز توماهوك إضافي، أي ما يقارب عشرة أضعاف ما يشتريه الجيش في عام عادي.

ولطالما انتقد القادة الأمريكيون حلفاءهم الأوروبيين لسنوات بسبب قصور قواتهم القتالية، ولكن إذا قسنا القوة العسكرية الأمريكية بناء على طموحاتها لا على ناتجها المحلي الإجمالي، فسنجدها غير كافية بنفس القدر.

ولا يعتقد كالدويل أن الولايات المتحدة عالقة في حرب أشعلتها، لأن هناك خيارات لديها، لكنها ستدفع ثمنا باهظا. وأيا كان الخيار الذي ستختاره، بإمكانها التوقف عن التدخل في إيران بعد أن أثبتت، دون أي مبرر، أن جيشها أقل قوة بكثير مما كان يعتقد. أو بإمكانها سحب الموارد من جبهات ذات أهمية وطنية حيوية، كأوروبا وشرق آسيا، لتمويل ما يسميه الرئيس “غزوه” لإيران، أو بإمكانها اللجوء إلى الخيارات العسكرية المتطرفة التي ألمح إليها ترامب بشكل مبهم في منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي بدءا من أوائل نيسان/أبريل، والتي ستجلب عارا أبديا على البلاد التي يقودها. ذلك أن الولايات المتحدة معرضة لخسارة سمعتها أو أصدقائها أو حتى ضميرها.

ويقول كالدويل إن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي حث ترامب على شن هذه الحرب، أدرك هو الآخر منطق “الكراسي الموسيقية” السائد حاليا. فبمجرد توقف هذه الحرب، قد تفتقر الولايات المتحدة إلى القوة النارية اللازمة لحماية إسرائيل من جيرانها بالطريقة التقليدية، وربما لن ترغب في ذلك أصلا.

ومن المفارقات أن النتيجة الكارثية للحرب تظهر صحة فهم نتنياهو الأساسي: فقد كانت فرص إسرائيل في تجنيد الولايات المتحدة في مثل هذه المغامرات التي عفا عليها الزمن تتضاءل، وقد منحت سذاجة ترامب نتنياهو فرصة أخيرة.

ومن المغري التساؤل عن موقع الولايات المتحدة اليوم في مسيرة التراجع الإمبراطوري، فهي بالتأكيد تشترك في بعض العناصر مع بريطانيا قبل قرن من الزمان: التراجع الصناعي، والالتزامات المفرطة، والرضا بالوضع الراهن. وكانت بريطانيا، عشية الحرب العالمية الأولى، تعتمد على ألمانيا في التكنولوجيا الصناعية وحتى العسكرية، ولم تكن راغبة في إعادة النظر في نظام التجارة الحرة الذي بنيت عليه الهيمنة الألمانية. وعشية الحرب العالمية الثانية، كانت بريطانيا على وشك الإفلاس، وثمة أوجه تشابه في اعتماد أمريكا على الصين اليوم.

ويقول كالدويل إن التشكيك في الهيمنة الأمريكية، والذي دفع الأمريكيين إلى اللجوء إلى ترامب، كان صحيا. فإذا كان النظام العالمي القائم على التجارة الحرة وتعزيز الديمقراطية والهجرة الجماعية نظاما عظيما إلى هذا الحد، كما تساءل ناخبو ترامب، فلماذا اضطررنا إلى اقتراض 35 تريليون دولار منذ تبنيناه؟ وهو سؤال وجيه حقا.

فقد كان ترامب المرشح الأمثل للأمريكيين الذين شعروا بوجود خلل ما في نخبهم، وكانت حجته، باختصار، أن العولمة التي تقودها الولايات المتحدة مفيدة جدا للسياسيين لدرجة أنهم، بمجرد وصولهم إلى السلطة، سيدافعون عنها حتى ضد ناخبيهم، بغض النظر عما يقولونه خلال حملاتهم الانتخابية، لكن الأحداث، للأسف، أثبتت صحة كلامه.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *