ارتبطت صورة «القبضاي» في الذاكرة السورية بالرجل القوي، صاحب الصوت المرتفع والحضور الطاغي، القادر على حماية الحارة والدفاع عن أهلها ومواجهة الغرباء. وفي مسلسلات البيئة الشامية خصوصا، ظهر القبضاي رجلا شجاعا، يواجه المحتل الفرنسي، ويحمي أسرته، ويراقب النظام داخل الحارة، ويحظى باحترام الرجال والنساء.
لكن هذه الصورة ليست ثابتة كما تبدو. فالقبضاي الذي ظهر على الشاشة السورية مرّ بتحولات كثيرة، وتحول مع الوقت من الرجل الشهم الذي يحمي الضعفاء إلى الرجل الذي يستخدم القوة لفرض سلطته. وأحيانا أصبح الأب أو الزوج الذي يرى أن من حقه اتخاذ القرارات عن بقية أفراد الأسرة، وخصوصا النساء.
هذا التحول هو محور كتاب ريبيكا جوبين «التوسط في الانتفاضة: سرديات الجندر والزواج في الدراما التلفزيونية السورية».. تتابع جوبين صورة القبضاي والأب في الدراما السورية منذ الستينيات والسبعينيات وحتى السنوات التي أعقبت الانتفاضة السورية عام 2011، وترى أن الحديث عن الرجل القوي داخل الأسرة كان في أحيان كثيرة طريقة غير مباشرة للحديث عن القوة والسلطة في المجتمع السوري نفسه.
وترجع الكاتبة إلى عدد من العاملين في الدراما السورية لتفسير معنى هذه الشخصية. فحسب الكاتب نجيب نصير، حمل القبضاي في الأصل شيئا من صورة الفارس، أو الرجل الذي يقف إلى جانب الضعفاء. ويقول المخرج هيثم حقي إن الكلمة كانت تحتمل صورتين، واحدة ترتبط بالرجل الشريف والشجاع، وأخرى بالرجل العنيف. ومع مرور الوقت أصبح المعنى المرتبط بالقوة والعنف أكثر حضورا. ويقدم الممثل فارس الحلو قراءة أخرى لهذه الظاهرة. فهو يرى أن صورة رجال الحارات، الذين يواجهون الاستعمار الفرنسي انتشرت بصورة لافتة خلال سنوات حكم بشار الأسد. وتنقل جوبين عنه أن التركيز على بطولة رجال يقاتلون الاحتلال في الماضي كان يسمح بالابتعاد عن الحديث المباشر عن واقع المواطن وعلاقته بالسلطة في الحاضر. وهنا تظهر مفارقة مهمة في الدراما السورية. فالرجل شديد القوة على الشاشة، والقادر على مواجهة المحتل والدفاع عن الحارة، يقابله في الواقع رجل يعيش داخل نظام سياسي يحد من قدرته على الاعتراض. ولهذا ترى جوبين أن صورة القبضاي لم تكن مجرد حنين إلى دمشق القديمة، وإنما حملت في بعض الأحيان معنى سياسيا يتعلق بالكرامة والقوة والعجز.
القبضاي موضوع للباحثين والمؤرخين
حظيت فكرة القبضاي باهتمام عدد كبير من الباحثين الذين حاولوا فهم العلاقة بين الرجولة والقوة والعائلة والسياسة في مجتمعات مختلفة. فعند الحديث عن الفلسطينيين في مخيم الوحدات في الأردن، تستعين بدراسة لويجي أتشيلي حول صورة الرجل المقاوم، وكيف يمكن للشخص نفسه أن يحمل في نظر المجتمع صورة المشاغب من جهة وصورة الرجل الوطني الذي يواجه السلطة من جهة أخرى. كما درست الباحثة فيولا شفيق شخصية «الفتوة» في السينما المصرية، وهذه الشخصية قريبة في بعض جوانبها من القبضاي السوري، لكنها تحمل تاريخا مختلفا. فالفتوة يمكن أن يكون الرجل الشهم وابن البلد، ويمكن أيضا أن يصبح البلطجي أو المتسلط. وتوضح جوبين أن القبضاي السوري اكتسب بعدا سياسيا أوضح، وخصوصا عندما ظهر رجلا قويا يقف في وجه السلطة أو الاحتلال. تعتقد المؤلفة أن الرجل الذي يتعرض للإهانة أو التهميش خارج المنزل قد يحاول استعادة سلطته داخله، خصوصا من خلال فرض السيطرة على النساء وأجسادهن. وبذلك تصبح العلاقة بين الرجل والدولة مرتبطة أيضا بطريقة ممارسته للسلطة داخل العائلة.
ولتوضيح هذه الفكرة تعود إلى الدراما السورية في الستينيات والسبعينيات، حيث كان الأب يظهر غالبا بوصفه الشخص المسؤول عن إعالة الأسرة. وعندما يعجز عن القيام بهذه المهمة، يفقد جزءا من مكانته داخل البيت. كما ارتبطت أيضا بالوضع الاقتصادي والسياسي، فالرجل الذي يعاني من الفقر والتهميش خارج المنزل قد يتحول إلى شخص غاضب داخله، وفي بعض الأعمال، يستخدم الأب سلطته على الزوجة والأطفال لتعويض إحساسه بالعجز في الخارج. وهذا ما نراه مثلا في مسلسل «ملح وسكر» عام 1973، حيث يبدو الأب ضعيفا إلى درجة تكاد تلغي حضوره بالكامل. ثم تتوقف عند حلقة «أزمة السكن» من مسلسل «وين الغلط؟» عام 1979، اذ يظهر غوار عاجزاً عن توفير الطعام والسكن لأولاده ومع ذلك يصرخ في زوجته ويطالبها بأن تقوم بتربية الأطفال بالشكل الصحيح.. وبذلك يجمع المشهد بين عجز الرجل الاقتصادي، ومحاولته الاحتفاظ بسلطته داخل البيت. وتصل هذه الصورة إلى مستوى أكثر وضوحا في مسرحية «كاسك يا وطن» تموت ابنة غوار بسبب الفساد، ويصل الأب إلى حالة من الفقر تجعله عاجزا عن حماية أسرته. وعندما يسأله والده الشهيد عما ينقصهم، يكون الجواب هو الكرامة. وهنا تصبح الأبوة مرتبطة مباشرة بفكرة المواطن الذي فقد قدرته على تأمين حياة كريمة لأولاده. وفي الثمانينيات تبدأ صورة أخرى بالظهور، وهي صورة الأب الديكتاتور. في مسلسل «الطبيبة» عام 1988، يقرر الأب مستقبل ابنته سوسن، ويمنعها من المسرح ومن الزواج بالرجل الذي تحبه. ولا تحصل الابنة على حريتها إلا عندما يقرر الأب نفسه أن يتراجع.
ترى المؤلفة في هذه القصة صورة أوسع للسلطة. فالأب هو الذي يمنح الحرية وهو الذي يسحبها، ولذلك تبقى حياة الأبناء مرتبطة بإرادته. ومن هنا يصبح البيت مساحة صغيرة يمكن من خلالها الحديث عن النظام السياسي أيضا. وتظهر الفكرة بصورة مختلفة في مسلسل «ليس سرابا» عام 2008. فالأب جلال (كاتب) يتحدث عن الحرية والحوار، لكنه يرفض أن يمنح ابنه حق اتخاذ قراره بنفسه. وهنا تكشف الدراما التناقض بين الحديث عن الديمقراطية في المجال العام وعدم ممارستها داخل العائلة.
من القبضاي إلى الأب العاطفي

تعتقد المؤلفة أن الدراما السورية بدأت تقدم شكلا جديدا من الرجولة. فالرجل لا تثبت رجولته بالصراخ والقوة والسيطرة، وإنما بقدرته على الحب والرعاية والمشاركة العاطفية. وهنا تعطي أهمية خاصة لما يمكن تسميته «الأبوة العاطفية». فالأب المتوازن عاطفيا يساعد في إنتاج أسرة مستقرة، وأن هذه الفكرة كانت لدى بعض الكتاب الليبراليين قبل الثورة لغة مشفرة للدعوة إلى مجتمع أقل استبدادا. المثال البارز هنا هو مسلسل «تخت شرقي»، الأب سعد لا يشعر في البداية بعلاقة حقيقية مع طفلته، لكنه حين يضطر إلى رعايتها تبدأ علاقته بها في تغييره شخصيا يصبح أكثر قدرة على ضبط نفسه وعلى تنظيم حياته وعمله. وتصل هذه العلاقة بين الأب والسلطة إلى واحد من أكثر نماذج الفصل وضوحا في مسلسل خالد خليفة «زمن الخوف».. أبو صبحي يرى أنه أدى دوره لأنه وفر المال لأسرته. لكن ابنته زيزي تقول له إنها لا تريد المال وحده، تريد أبا تراه في الصباح وتتحدث معه عندما تعود من الجامعة. هذه الفكرة البسيطة تغير تعريف الأبوة كله، فالأب ليس الحاكم الذي يصدر الأوامر، ولا المعيل الذي يعتبر المال نهاية مسؤوليته. العلاقة الجديدة تقوم على الحوار والقرب والثقة. ومع تطور الأحداث، يصبح أبو صبحي أقرب إلى ابنته، فيما ترفض زيزي أشكالا مختلفة من السلطة والخضوع حولها. وتربط جوبين هذه القصة بالمناخ السياسي الذي يحيط بالعمل، من الاعتقالات في الثمانينيات إلى الحديث عن حماة ولبنان والقبيسيات. وقد أثارت هذه الإشارات مشكلات رقابية عندما عرض المسلسل.
مع انطلاق الثورة السورية تغيرت وظيفة هذه الصور مرة أخرى، قبل 2011 كان الكاتب يستطيع أن يستخدم الأب المتسلط أو الزواج أو علاقة الرجل بالمرأة ليقول شيئا عن السياسة بطريقة غير مباشرة. بعد الثورة أصبح من الممكن في عدد من الأعمال الحديث عن السياسة بصورة أكثر وضوحا. ففي «وطن حاف» عام 2013 يمنع أبو هنية ابنته من الزواج، ويضع أمامها وخطيبها شرطا بعد آخر. وبعد ست سنوات من الانتظار يطلب منهما الانتظار مرة أخرى حتى تنتهي «الأزمة». يرفض الشاب الانتظار، كما ترفض الابنة أن تبقى خاضعة لقرار أبيها. ترى المؤلفة أن هذا الانتظار العائلي يشبه انتظار المواطن السوري الطويل للحصول على حقوقه وفرصته في الحياة. ولذلك تصبح عبارة «لن ننتظر أكثر» عبارة شخصية وسياسية في الوقت نفسه. ويصبح المعنى أكثر وضوحا عندما يمر العروسان قرب مظاهرة ويشاركان في الهتاف، ثم يعتقلان. فالزواج الذي يتعطل مرة بعد أخرى يصبح موازيا لحياة كاملة معلقة تنتظر تغييرا لا يأتي. ومع اتساع الحرب وصعود تنظيم «داعش»، بدأت بعض المسلسلات تستخدم صورة الأب لاستعادة الحنين إلى الحياة السابقة للحرب. وهكذا انتقلت الأبوة في عدد من الأعمال من أداة لنقد النظام إلى أداة للتعبير عن فقدان الاستقرار والأسرة والماضي. وفي أعمال لاحقة، خصوصا بعد 2018، ذهب بعض الكتاب أبعد من ذلك. لم يعودوا يناقشون الأب المتسلط فقط، وإنما بدأوا يشككون حتى في الفكرة التقليدية عن الأبوة نفسها.
في مسلسل «تانغو» مثلا، يعرف سامي أن الطفل الذي يربيه قد لا يكون ابنه البيولوجي. لكنه يقرر أن الأبوة لا يحددها الدم وحده، وإنما السنوات التي قضاها في حمل الطفل وإطعامه والسهر عليه والتفكير في مستقبله. وهنا تكون الدراما قد ابتعدت مسافة كبيرة عن صورة القبضاي القديمة التي كانت تربط الرجولة بالقوة والنسب والسيطرة. وهكذا يبدو تاريخ القبضاي في الدراما السورية أوسع من تاريخ شخصية شعبية ظهرت في مسلسلات الحارات القديمة. إنه أيضا تاريخ لصورة الرجل السوري وعلاقته بالسلطة، بدءا من الأب العاجز، مرورا بالأب الديكتاتور والرجل الذي يحرس نساء أسرته، وصولا إلى الأب الذي يحاول أن يصبح صديقا لأولاده. ومن خلال هذه التحولات كانت الدراما تتحدث، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، عن سؤال أكبر يتعلق بكيفية فهم المجتمع للسلطة وكيف يمارسها الناس داخل البيت وخارجه.
كاتب سوري