تاركا أصحابها أسرى للانتظار…«الخط الأصفر» يبتلع أراضي المزارعين في غزة


غزة – «القدس العربي»: في قطاع غزة، لم تقتصر خسائر الحرب على المنازل والطرق والمنشآت، بل امتدت إلى الأراضي الزراعية التي حملت ذاكرة عائلات كاملة وكانت مصدر رزقها على مدار أجيال.
ومع امتداد ما يُعرف بالخط الأصفر، وجد آلاف المزارعين أنفسهم محرومين من الوصول إلى أراضيهم، يراقبونها من بعيد بعدما فقدت ملامحها ومقومات الحياة فيها.
أراضٍ ورثها أصحابها عن آبائهم وأجدادهم، وزرعوها ورعوها، قبل أن تتحول إلى مساحات بعيدة عن متناولهم، فيما دُمّرت مصادر المياه والطاقة، وبينما تتقلص المساحات الزراعية وتخرج أراضٍ واسعة من دائرة الإنتاج، يخسر المزارعون مصدر دخلهم، وتتحول الأرض التي كانت تمنحهم الحياة إلى شاهد على سنوات من التعب والخسارة والانتظار.

زراعة مهددة

ويقول مدير الإعلام في وزارة الزراعة في غزة لؤي رجب لـ«القدس العربي» إن أكثر من 30 ألف دونم من الأراضي الزراعية أصبحت ضمن ما يُعرف بالخط الأصفر، ما حرم آلاف المزارعين من الوصول إلى أراضيهم، وأخرج مساحات واسعة منها من دائرة الإنتاج الزراعي.
وأوضح رجب أن الأراضي المزروعة حاليًا لا تتجاوز 5% من إجمالي الأراضي الزراعية في القطاع، في وقت يواجه فيه المزارعون ارتفاعًا كبيرًا في تكاليف الإنتاج، إلى جانب الدمار الواسع الذي طال البنية التحتية الزراعية ومقومات العمل في الحقول.
وأشار إلى أن قطاع غزة كان قبل الحرب يحقق الاكتفاء الذاتي في العديد من أصناف الخضروات، فيما كان يصدر نحو 300 طن يوميًا، لكن الواقع تغير بشكل جذري، وأصبح السكان يعتمدون بدرجة أكبر على الخضروات المستوردة التي تصل إلى الأسواق بأسعار مرتفعة، ما يزيد الأعباء على الأسر التي تعاني أصلًا من ظروف اقتصادية صعبة.
وحذر رجب من أن القطاع الزراعي بات مهددًا بالتوقف الكامل، بعد فقدان آلاف المزارعين مصادر دخلهم، مؤكدًا أن إنقاذ الزراعة في غزة يتطلب تحركًا عاجلًا لدعم المزارعين وإعادة تأهيل الأراضي والبنية التحتية الزراعية.
ودعا المجتمع الدولي إلى تحمل مسؤولياته والعمل على توفير الدعم اللازم للقطاع الزراعي، باعتباره أحد أهم مصادر الغذاء والدخل لغزة.

أرض منهوبة

في شرق مخيم المغازي، يقف أبو أحمد جبر أمام ذاكرة طويلة من الأرض التي ورثها عن أجداده. أرض لم تكن بالنسبة له مجرد ملكية عائلية، بل امتدادًا لحكاية بدأت قبل عقود، وتناقلتها العائلة جيلًا بعد جيل.
فيقول جبر إن أرضه كانت مزروعة بأشجار البرتقال والليمون، وكانت تمثل مصدرًا للحياة والعمل والدخل.
وعلى مدار السنوات، حرصت العائلة على تجهيزها بما يساعدها على الاستمرار، فكان فيها ألواح للطاقة الشمسية ومحرك لتوفير الكهرباء وبئر للمياه، لتبقى الأرض قادرة على العطاء في مختلف الظروف.
لكن كل ما بُني على مدار سنوات، وكل ما ارتبط بذكريات العائلة وجهدها، اختفى في لحظة واحدة.
ويشرح أن ما حدث لم يكن خسارة لممتلكات فحسب، بل محوًا لجزء من تاريخ العائلة، إذ تحولت الأرض التي كانت مليئة بالحياة إلى مشهد لا يستطيع الوصول إليه إلا بعينيه.
ومن مكان مرتفع، ينظر اليوم إلى أرضه من الطابق العلوي، محاولًا أن يتعرف إلى تفاصيلها من بعيد، يراقب المكان الذي كان يعرفه شجرة بشجرة، وبئرًا ومزرعة، لكنه لا يستطيع الاقتراب منه أو لمس ما تبقى فيه.
يقول إن المشهد أمامه يبدو أحيانًا كأنه وهم أو حلم ثقيل، ينتظر هو وعائلته أن يستفيقوا منه، فالأرض التي كانت جزءًا من حاضرهم، وحكاية أجدادهم، أصبحت اليوم ذكرى يراقبونها من بعيد، فيما يبقى الأمل معلقًا بعودة يوم يستطيعون فيه الوصول إليها من جديد.
فـ»خسارة الأرض لا تعني فقدان مصدر دخل فحسب، بل تعني انقطاع الإنسان عن جذوره وذاكرته وتعب سنوات طويلة».
لذلك، فإن حلمه لا يتوقف عند استعادة أرضه، بل يتجاوز ذلك إلى رؤيتها تعود كما كانت، خضراء ومليئة بالحياة، لتستعيد العائلة معها جزءًا من حياتها.

رزق محاصر

لم تعد الأرض بالنسبة لعلي أبو شحادة مجرد مساحة زراعية، بل كانت مصدر رزقه الأساسي وسند عائلته لسنوات طويلة.
وهو يمتلك نحو 12 دونمًا من الأراضي الزراعية، كان يعتمد على إنتاجها في إعالة أسرته وتأمين احتياجاتها اليومية، قبل أن تنقطع صلته بها منذ السابع من تشرين الأول / أكتوبر.
ويقول أبو شحادة إن أرضه كانت تضم أشجار زيتون، إلى جانب مساحات كان يزرع فيها مواسم مختلفة من الخضروات، بينها الملفوف والزهرة والفلفل، وكان يعتني بها طوال العام، من تجهيز الأرض وزراعتها إلى متابعة المحاصيل وحصادها وتسويقها.
ويضيف أن مردود هذه الأرض كان يشكل مصدر الدخل الرئيسي له ولعائلته، إذ كانت المحاصيل الزراعية تساعده على توفير احتياجات أسرته، وتمنحه قدرة على مواجهة أعباء الحياة دون الاعتماد على مصادر دخل أخرى.
لكن منذ بداية الحرب، لم يتمكن من الوصول إلى أرضه، ما أدى إلى توقفه عن زراعتها ومتابعة أشجار الزيتون والمحاصيل التي كانت مصدر رزقه.
ويقول إن فقدان الوصول إلى الأرض يعني بالنسبة له خسارة العمل والدخل معًا، خصوصًا أن الزراعة تحتاج إلى متابعة مستمرة، ولا يمكن تركها لفترات طويلة دون رعاية.
ويشير أبو شحادة إلى أن ما يعيشه يعكس حال آلاف المزارعين في قطاع غزة الذين حُرموا من الوصول إلى أراضيهم، سواء بسبب قربها من المناطق التي يصعب الوصول إليها أو نتيجة القيود المفروضة على الحركة.
وبينما يحاول المزارعون الحفاظ على ما تبقى من أراضيهم ومصادر رزقهم، يجد علي نفسه أمام خسارة مصدر دخله الأساسي، في وقت تتزايد فيه تكاليف المعيشة وتزداد صعوبة تأمين احتياجاته.
وهكذا، لا تبدو خسارة الأرض بالنسبة للمزارعين مجرد خسارة لمصدر رزق، بل فقدانًا لجزء من تاريخهم وذاكرتهم وحياتهم.
وبينما يمتد الخط الأصفر ليحرمهم من الوصول إلى أراضيهم، تبقى حقولهم معلقة بين حاضرٍ قاسٍ وأملٍ بالعودة، في انتظار يوم يستطيعون فيه استعادة أرضهم وزراعتها من جديد، لتعود مصدرًا للحياة بعد أن تحولت إلى شاهد على الخسارة.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *