“تأجيل تكتيكي”.. إسرائيل تترقب استئناف الحرب في إيران وهي غارقة في الوحل اللبناني


الحياة تشبه تكراراً مملاً: ترامب يؤجل موعد الحرب، الأمور على حالها منذ نيسان. ترامب غير متحمس للعودة إلى حرب شاملة مع إيران، ونظام طهران يعرف ذلك. لذلك، يمتنع عن تقديم تنازلات في المفاوضات غير المباشرة التي تجرى عبر باكستان، وقد يؤدي جمود المحادثات إلى استئناف الحرب، خلافاً لرغبة الرئيس. إسرائيل، التي ترغب حكومتها في استئناف الحرب وتريد المشاركة فيها، تتصرف وكأن القرار اتخذ بالفعل وسيتم تنفيذه في القريب. 

مساء الإثنين بتوقيت إسرائيل، أعلن ترامب موافقته على طلب زعماء كل من السعودية وقطر والإمارات – الدول التي تخشى كلها من هجمات إيرانية انتقامية – وأنه مستعد لتمديد مهلة إيجاد حل سلمي للنزاع، ولكن لبضعة أيام فقط. وفي اليوم السابق، أضاف ترامب بأن الطائرات الأمريكية كانت على بعد ساعة واحدة من إصدار أمر شن هجوم على إيران، ومصادر إسرائيلية تؤكد رواية الرئيس بشكل عام. ويبدو أن الوقت المتبقي لاتخاذ القرار النهائي أصبح ضيقاً. في غضون ذلك، صرح أمس بأنه غير مستعجل، وأن نتنياهو سيفعل ما يطلبه ترامب. 

قرار الرئيس سيؤثر على الجبهة الداخلية في إسرائيل. إيران تهدد بالرد بقوة إذا تعرضت لهجوم. من الواضح أن قدرتها على إطلاق الصواريخ البالستية أقل مما كانت عليه في حزيران الماضي، عشية الحرب الأولى بين الدولتين، لكنها ما زالت قادرة على إحداث فوضى مستمرة في الداخل، ودفع ملايين الإسرائيليين إلى الملاجئ والغرف الأمنة في العيد. 

من وجهة نظر إسرائيلية، تبدو تصريحات ترامب الأخيرة مجرد تأجيل تكتيكي. ويقولون بأن الرئيس يعتزم شن هجوم، نظراً لما يعتبره انعداماً للخيارات الأخرى. ويأمل انتهاء الأمر بشكل مختلف عن الهجوم السابق في هذه المرة. عملياً، لم تؤد خمسة أسابيع ونصف من الضربات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية إلى انهيار إيران. هذا الفشل هو الذي ردع ترامب حتى الآن عن استئناف القتال. 

لم يظهر المرشد الأعلى الجديد، مجتبى خامنئي، وكبار قادة الحرس الثوري المحيطين به، مرونة كافية بشأن القضايا الجوهرية – التي يرى ترامب أنها مستقبل المشروع النووي وفتح مضيق هرمز – بما يسمح بوقف إطلاق نار أكثر استقراراً وبدء مفاوضات جادة للتوصل إلى اتفاق. ولم تسفر زيارة ترامب لبكين والتقائه الرئيس الصيني، حسب معرفتنا، عن أي انفراجة. بين حين وآخر، يجوز لنا العودة إلى تشخيص ألبرت أينشتاين، حتى لو أصبح مبتذلاً: الجنون تكرار الفعل نفسه مراراً وتكراراً مع توقع نتيجة مختلفة. 

من جهة أخرى، الوقت يمر بسرعة: لم يبق إلا ثلاثة أسابيع تقريباً على انطلاق بطولة كأس العالم لكرة القدم، التي تعتبر الولايات المتحدة إحدى الدول الثلاثة المضيفة لها. من الواضح أن ترامب الذي يعاني من تراجع شعبيته وارتفاع التضخم في بلاده، يخشى خوض حرب عبثية في الخليج، بينما يأمل تحقيق مكاسب سياسية داخلية. 

نشرت “نيويورك تايمز” أمس، نبأ آخر كان يعدّ ضرباً من الجنون، ويستقبل الآن بتجاهل تام. وحسب الصحيفة، ناقشت أمريكا وإسرائيل في بداية الحرب تعيين محمود أحمدي نجاد، الرئيس الإيراني السابق (2005 – 2013)، حاكماً جديداً في طهران. نجاد الذي يتم ذكره في إسرائيل في المقام الأول كمنكر صريح للكارثة، سئم من الخلافات المتكررة مع عائلة خامنئي وأنصارها على مر السنين، لكنه ما زال يتمتع بشعبية بين بعض شرائح الشعب الإيراني. مع ذلك، تبدو فكرة تعيينه بالقوة، فكرة خيالية. 

مع مرور الوقت، يتضح أن الحرب الحالية في إيران مقامرة أمريكية – إسرائيلية متطرفة، مبنية على خطط عملياتية غير مكتملة، وعلى آمال لا أساس لها. في العام 2018 ضغط رئيس الحكومة نتنياهو على ترامب لانسحاب أحادي الجانب من الاتفاق النووي. وكانت النتيجة، عند عودة ترامب إلى البيت الأبيض في كانون الثاني 2025، تسارعاً في سعي إيران لامتلاك السلاح النووي وتكديس اليورانيوم المخصب الذي قد ينتج 11 أو 12 قنبلة، إذا تم تخصيبه بعد ذلك إلى مستوى عسكري. 

أدى الهجوم الإسرائيلي في حزيران الماضي، بمساعدة أمريكا في قصف منشأة فوردو، إلى إضعاف النظام وتأخير المشروع النووي إلى حد ما. ولكن الحرب لم تحقق النتائج الحاسمة التي وعد بها ترامب ونتنياهو قبل سنة تقريبا. فقد أدى تسارع مشروع إيران للصواريخ البالستية، وحسب بعض الادعاءات استئناف التقدم في المشروع النووي، إلى قرار شن هجوم جديد في شباط الماضي، الذي حفزه أيضاً قمع الاحتجاجات في كانون الثاني الماضي. مع ذلك، لم تتم ترجمة التفوق العسكري الذي أظهرته الولايات المتحدة وإسرائيل إلى قرار حاسم في الحرب، ويبدو الآن أن ترامب يفكر في تصعيد الموقف. في الوقت الحالي، بينما يروج صحافيون يؤيدون نتنياهو سيناريوهات مخيفة حول عمليات للكوماندو، ما زالت الحرب في إيران تعدّ فشلاً استراتيجياً. 

الإحباط والغضب 

يؤثر الجمود في الخليج أيضاً على الوضع في جنوب لبنان. ما زال الجيش الإسرائيلي ينشر ثلاث فرق هناك، لكن تحت يعمل إمرتها عدد قليل نسبياً من الطواقم القتالية على مستوى لواء، التي لا تتقدم شمالاً، بل تحافظ على خط من المواقع داخل الأراضي اللبنانية على بعد 10 كم شمال الحدود مع إسرائيل. وتركز القوات بشكل أساسي على مسح القرى الشيعية والمواقع التي يستخدمها حزب الله، الموجودة في المناطق تحت سيطرتها. 

يواصل حزب الله إطلاق عدد كبير من المسيرات المفخخة كل يوم. وما زالت هذه الطائرات، التي تشغل عن بعد عبر الألياف الضوئية، هي السبب الرئيسي للخسائر في صفوف القوات الإسرائيلية في لبنان. ويتركز معظم النقاش العام حول تأخر إيجاد حل تقني لإسقاط هذه الطائرات، التي لا يمكن إسقاطها باستخدام الحرب الإلكترونية، خلافاً للمسيرات الأكبر حجماً والطائرات اللاسلكية. ولكن الجانب الذي لا يحظى بالنقاش الكافي يتعلق بالانضباط العملياتي للقوات في الدفاع. وتظهر التحقيقات الأولية التي أجراها الجيش الإسرائيلي بأن عدم الالتزام بالتعليمات الدفاعية الأساسية هو السبب الرئيسي للخسائر في حوادث كثيرة. ويرتبط هذا الاستنتاج بظاهرة أوسع في الجيش الإسرائيلي، التي تتمثل بعدم الانضباط والأحداث العملياتية التي كانت واضحة منذ بداية الحرب في كل الجبهات. 

وكتب اللواء المتقاعد تمير هايمن، رئيس معهد بحوث الأمن القومي والرئيس السابق لشعبة الاستخبارات العسكرية، هذا الأسبوع بأن “قرار عدم إخلاء المستوطنات هذه المرة (في الجليل)، إضافة إلى التصريحات الحادة لشخصيات سياسية بارزة بشأن نزع سلاح حزب الله كهدف للحرب، خلق واقعاً مستحيلاً. واضح أن الجيش الإسرائيلي يعجز حالياً عن احتلال لبنان وفرض نزع سلاح حزب الله. في مواجهة حماس، المنظمة الأضعف بكثير، استغرق الأمر ثلاث سنوات لمعرفة أن مثل هذا النصر المطلق غير ممكن. وبالتأكيد، نزع سلاح حزب الله غير ممكن في غضون الحرب مع إيران، في حين أن لبنان يعدّ جبهة ثانوية، ورئيس الأركان يرفع “عشرة أعلام حمراء بشأن حالة القوة البشرية في الجيش الإسرائيلي”. 

صباح أمس، أصيب قائد اللواء المدرع النظامي 401، اللواء مئير فيدرمان، إصابة خطيرة بسبب غارة جوية بطائرة مسيرة. خلال زيارة في الحدود اللبنانية في منتصف آذار، صرح لـ “هآرتس” بأنه يعرف مهمته جيداً، حيث كان الجيش الإسرائيلي، لا سيما سلاح الجو، يركز بالكامل على الهجوم على إيران. وقال في حينه: “لسنا القوة الرئيسية، وجميعنا نعرف ذلك. أتصرف بمسؤولية”. وأضاف أن قرار عدم إخلاء المستوطنات القريبة من الحدود هذه المرة أسعده، لأن الجيش الإسرائيلي قادر على إنجاز مهمته وحمايتها. لقد تم استدعاء فيدرمان لتولي منصب قائد اللواء في تشرين الأول 2024، بعد قتل صديقه العقيد إحسان دكسا، في انفجار عبوة ناسفة في مخيم جباليا في شمال قطاع غزة. 

في اليوم السابق، قتل ضابط احتياط في قوات المظليين، الرائد ايتمار سفير من مستوطنة “أريئيل”، في اشتباك مع عنصر من حزب الله في جنوب لبنان. كان سفيراً أثناء خدمته النظامية ضابطاً في وحدة النخبة “مغلان”. الاسم الثاني لابنه أطلقه تيمناً بصديقه المقرب يفتاح يافتس، ضابط وحدة مكافحة الإرهاب الذي قتل في 7 تشرين الأول مع مقاتلين آخرين من “مغلان” في معركة إنقاذ “كيبوتس ناحل عوز”. ما زالت هناك شريحة ضئيلة من الجنود تتحمل عبء الحرب وتدفع الثمن الأغلى. 

المحادثات مع الضباط الذين يخدمون حالياً في لبنان ومع آبائهم ترسم صورة قاتمة ومقلقة. القادة الصغار يقولون إن مهمتهم الأساسية هي إعادة رجالهم إلى البيت سالمين، الذين يتعرضون لتهديد مستمر من المسيرات المفخخة، ويجدون صعوبة في تحديد الاستراتيجية التي تتبعها القيادة العليا، ونشاطهم الرئيسي هو تدمير البيوت في القرى بذريعة أنها بنية تحتية عملياتية لحزب الله. الإحباط من الخسائر في الأرواح، وحظر ترامب للغارات على بيروت والبقاع، يفجر الغضب الشديد ضد القرى الواقعة شمال نهر الليطاني دون أمل حقيقي. 

الجيش يأمل أن تؤدي المفاوضات السياسية التي تجرى برعاية أمريكية في واشنطن بين السفير الإسرائيلي والسفير اللبناني في الولايات المتحدة إلى انفراجة معينة. في الوقت الحالي، لا تبدو الآفاق واعدة. ولكن اللافت للنظر هو غياب تام لأي نقاش استراتيجي: يفضل نتنياهو عدم الخوض فيه، وتعاني هيئة الأركان العامة من ضغط الجناح المتطرف في الحكومة، وتخشى أن يتم تصويرها كدمية في يدها، في حين كل الجهات الأخرى التي كان من المفروض أن تساهم في النقاش أو تشرف عليه (مجلس الوزراء ووزير الدفاع ومجلس الأمن القومي ولجنة الشؤون الخارجية)، محايدة وغير مبالية، حتى إن بعض المناصب العليا بقيت شاغرة لفترة طويلة. كل ذلك يراقبه سكان الجليل الغربي وإصبع الجليل بغضب متزايد، وقد عادوا إلى عادة القصف والخسائر اليومية، بينما يتمتع مركز البلاد وجنوبها بفترة هدوء طويلة من الحرب.

عاموس هرئيل

هآرتس 21/5/2026



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *