تأثير متبادل وذاكرة لغوية مشتركة


القاهرة ـ «القدس العربي»: تقام في وكالة الغوري الأثرية في القاهرة وفي الفترة من 6 إلى 11 يونيو/حزيران الجاري، فعاليات «مُلتقى القاهرة الأدبي» في نسخته الثامنة، التي تنظمه دار (صفصافة) للثقافة والنشر. تأتي دورة هذا العام تحت عنوان (كيف تنجو الحكايات). وضمن هذه الفعاليات أقيمت ندوة بعنوان (التأثير المتبادل بين الأدب العربي والمالطي) تحدث فيها كل من الروائي والمسرحي والصحافي أليكس فاروجه مدير الثقافة في وزارة الثقافة المالطية، والشاعر نوربرت بوجيا أستاذ في قسم اللغة الإنكليزية ومدير معهد البحر الأبيض المتوسط ​​في جامعة مالطا، ونائب رئيس المجلس الوطني للكتاب، وديفيد ألويسيو رئيس قسم اللغة المالطية في كلية جونيور، جامعة مالطا، ومؤلف للعديد من روايات الناشئة، التي تهتم بالتاريخ والأساطير.
أدارت الندوة الكاتبة المصرية غادة كمال، وقد ناقشت الندوة عدة قضايا أهمها اللغة، وكيف للمحتل أن يُغيّر من هوية الدولة وأفكارها، التي تتم صياغتها وفق هيمنته المستمرة من خلال اللغة، حتى في حالة عدم وجود احتلال عسكري بالمعنى المعهود.

حياة الحكاية

بداية يرى ديفيد ألويسيو، أن الحكايات تعيش أكثر من أصحابها، وأنه تأثر بشكل شخصي بكل من جورج أورويل وغابرييل ماركيز. ومن ناحية أخرى أشار إلى أن هناك تقاربا كبيرا بين اللغة العربية واللغة المالطية، فـ(الإله) في اللغة على سبيل المثال هو نفسه لفظ الجلالة (الله)، في المالطية، وكذلك الكثير من المفردات، إضافة إلى إيقاع اللغة نفسها الذي يقترب من العربية. واستشهد بروايته (العمالقة)، حيث يوجد حوار بين غراب وخيال مآتة، واسمه في المالطية (نفّر) يُخيف الطيور في الحقول، أي أن مَن يراه ينفر منه ويهرب. هؤلاء العمالقة لا يظهرون غضبهم إلا عند مهاجمتهم من الآخرين، والأمر نفسه في الدول التي تم احتلالها تماماً كما فعل الإنكليز في مصر ومالطا على حد سواء.


وعن حياة الكتابة يضيف أليكس فاروجه أنه غيّر من نهاية روايته عندما جاء إلى مصر، فعناصر الحكاية هي الأهم، وعندما جاء إلى مصر قابل الكثير من الناس والمواقف، التي غيّرت وجهة نظره في الحكاية التي يكتبها، فالتغيّر في الأساس حدث لشخصة، فكان لا بد وأن ينعكس على ما يكتبه.

حياة اللغة

وعن كيفية تأثير اللغة على الكتابة وكذلك الترجمة من لغة لأخرى، بمعنى كيف يفكر الكاتب من خلال اللغة، وكيف يرى عمله من خلال الترجمة. يقول أليكس فاروجه، إن هناك أصولا عربية للغة المالطية، وهو ما تغيّر بعد سقوط الإمبراطورية العثمانية، فكان من غير المسموح، بل الممنوع التحدث باللغة العربية، ولكن بعد الاحتلال الإنكليزي لمالطا، أصبح هناك تفاوت في استخدام اللغة، فالإنكليزية هي لغة الصفوة والأدباء والمتعلمين، بخلاف اللغة المالطية، ومعها ما تبقى من مفردات اللغة العربية، التي أصبحت لغة الشارع والرجل العادي، أو (الفقراء) بمعنى أدق. وأشار إلى أنه كتب روايته الأولى بالإنكليزية، ولكنه كتب في ما بعد بالمالطية وشعر باختلاف كبير من حيث الإحساس بالكلمات، ومدى تعبيرها عما يريده بالضبط، أو يريد ما ينقله من حالته الإبداعية. أما في حالة الترجمة، فروايته عند ترجمتها إلى لغة مختلفة فهي بدورها مختلفة تماماً عما كتبه في الأصل، وإن أراد هو نفسه أن يترجم عمله من الإنكليزية إلى المالطية فهو بطبيعة الحال لن يقتصر على نقله ترجمة، بل سيعيد كتابته مرّة أخرى.

حياة الشعر

وعن كيفية التعامل من خلال اللغة في الشعر، يقول نوربرت بوجيا، إن الكثير من الشعراء المالطيين يعرفون جيداً كيف يحولون أشعارهم إلى الإنكليزية حتى تقرأ على نطاق واسع، وفي الوقت نفسه يحافظون على الحالة والمعنى من خلال هذه اللغة، التي هي في الأساس لغة المستعمر، وهو الأمر الذي أثار الكثير من القلق، لذلك ففي الفترة ما بين 1961 و1971 كانت هناك مبادرة من الشعراء للحث على الكتابة باللغة المالطية فقط، وقد رأوا أن اللغة الإنكليزية تمثل صوت المحتل.
وفي الأخير قرأ الأدباء بعضا من نصوصهم، ونختتم بقصيدة للشاعر نوربرت بوجيا، بعنوان (عند معبد الديوسكوري) قرأها باللغة المالطية، وهذه ترجمتها للعربية..
«أعرتِني زرقة هذا اللحظة اللازوردية،
وأقسمتُ أنني سأعيد يوما
هذا البيت الشعري إلى البحر… صمتا
يتناثر برفق
بين أعمدة أصابعك الرشيقة.
حرفا إثر حرف، يرتاح الفجر
على الكلمات القليلة السريعة
التي قدنا عبرها
قارب منفانا الطويل.
اثني ساقيكِ..
هكذا.
وانسي عينيكِ.
ارحلي، فقط ارحلي.
فعندما تشرق الشمس
ستشعرين
بهذه الموجة تندفع من سباتك
وتصب فيكِ
حبر وطنكِ الحزين
قبل أن يجف.
اذهبي الآن، ففي تلك اللحظة
الواقعة بعد الجرح مباشرةً
وقبل الألم بقليل،
سينزلق أحد نعليكِ
إلى الماء.
فليكن…
ودعيني أطوي أطراف هذا الفجر
وأغمس قدميّ فيكِ
إلى أن تستيقظي».



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *