بين شهيد وجريح ومحاصر تحت الأنقاض.. ليلة عصيبة على 50 طفلا فلسطينيا في غزة


غزة: لم يكن الليل قد غادر مدينة غزة بعد، حين استفاق سكان منطقة الصناعة في حي الصبرة على صوت ارتطام هائل، سرعان ما تبيّن أنه ناجم عن انهيار بناية سكنية كاملة فوق رؤوس قاطنيها.

كانت الساعة تشير إلى نحو الثانية والنصف فجراً، عندما انهارت بناية “السعادة” المكوّنة من ستة طوابق، لتتحوّل عشرات العائلات التي كانت تغط في نومها إلى ناجين يبحثون عن ذويهم بين كتل الإسمنت والحديد، وآخرين تحت الأنقاض لا يعرف أحد إن كانوا لا يزالون أحياء أم فارقوا الحياة.

وفي ثوان قليلة، سُوّي المبنى بالأرض، واختفت أصوات حياة من كانوا يسكنونه، فيما بقيت صرخات الناجين وذويهم تتردد في المكان وسط غبار كثيف وعتمة الليل الحالكة.

والأربعاء، لقي 21 فلسطينياً مصرعهم، بينهم 12 طفلاً، وأصيب آخرون جراء انهيار “عمارة السعادة” في منطقة الصناعة غربي مدينة غزة، وفق بيانات رسمية.

وبحسب جهاز الدفاع المدني في قطاع غزة، كان نحو 100 شخص، بينهم قرابة 50 طفلاً، يسكنون المبنى قبل انهياره.

وتأتي الحادثة في ظل دمار واسع لحق بالمباني السكنية في القطاع جراء الحرب الإسرائيلية، ما دفع فلسطينيين إلى الإقامة في مبان متضررة وآيلة للسقوط بسبب نقص أماكن الإيواء.

ووفق وزارة الصحة في غزة، رفع انهيار “عمارة السعادة” إجمالي ضحايا انهيارات المباني المتضررة من الحرب الإسرائيلية إلى 50 شهيدا.

** “البناية كلها نزلت”

وأجرى مراسل الأناضول جولة ميدانية في موقع انهيار البناية ومحيطها، ورصد حالة الحزن التي خيّمت على السكان والنازحين في المنطقة، فيما عبر شهود عيان عن شعورهم بالذهول لدى مشاهدتهم اللحظات الأولى للواقعة.

المسن ناجي سليم، أحد سكان المنطقة، كان من بين الذين استيقظوا على وقع الكارثة.

يقول سليم: “قرابة الساعة الثانية والنصف فجراً، استيقظنا على صوت انهيار في البيت المقابل لنا. نزلنا فوجدناه كله قد انهار، وكان مكوّناً من ستة أو سبعة طوابق، ويضمّ نحو 90 شخصاً، من 9 إلى 10 عائلات”.

يتوقف الرجل للحظات، وكأنه يستعيد المشهد من جديد، ثم يضيف: “كان هناك خوف ورعب وصراخ، نساء تصرخ وأطفال تصرخ.. الله يكون بعونهم”.

وفي الدقائق الأولى، لم يكن أحد يعرف حجم ما حدث.

ويضيف سليم: “لفترة من الدقائق لم نعرف ما الذي جرى لنا (…) فقد ملأ الغبار والركام المكان في ظل العتمة، حتى إن السكان لم يعودوا يرون شيئاً”.

ومن بين أكوام الإسمنت، بدأت أصوات الاستغاثة تتداخل مع أصوات المواطنين وأفراد الدفاع المدني الذين هرعوا إلى الموقع، في محاولة للوصول إلى المحاصرين.

**مأوى يعرف سكانه خطره

لم تكن العائلات التي تقيم في البناية تجهل خطورة وضعها، بحسب الشهود، فالمبنى كان قد تضرر من قصف إسرائيلي سابق خلال الحرب، وأصبح مهدداً بالانهيار.

لكن الخطر لم يكن كافياً لدفع سكانه إلى الرحيل؛ إذ لم يكن أمامهم مكان آخر يأوون إليه.

يقول سليم: “الناس يسكنون هنا لأنهم لا يملكون المال للإيجار في مكان آخر، وليس لهم بيوت تؤويهم، كما أن الخيام ليست حلاً”.

وكان السكن في مبنى متصدع، بالنسبة لهؤلاء ورغم مخاطره، أقل قسوة من قضاء الأيام والليالي داخل خيمة مهترئة لا تحمي من فيها من حرّ الصيف ولا برد الشتاء.

ويضيف بحسرة: “لو توفر لهم مكان آمن لسكنوا فيه. هؤلاء ماتوا لأنهم جلسوا في دار معرضة للانهيار”.

وفي قطاع غزة، يعيش نحو 1.6 مليون فلسطيني في مخيمات نزوح وخيام بمناطق مختلفة، بعد أن فقدوا منازلهم وأماكن سكنهم جراء الحرب.

**”والله تعبنا.. يكفي”

ولم يكن انهيار بناية “السعادة” بالنسبة لسكان المنطقة مجرد حادث انهيار لمبنى متضرر، بل فصل جديد من معاناة متواصلة عاشها أهالي غزة، ولا يزالون، خلال سنوات الحرب وما بعدها.

يقول سليم، وقد غلبه التأثر: “أسأل الله أن يفرج عنا هذا الكرب، فيكفي ما جرى لنا طوال ثلاث سنوات من الحرب.. والله تعبنا.. يكفي”.

ثم يضيف بصوت مرتجف: “الناس كرهت حياتها”.

**رضيع ذو شهرين يخرج حياً

وعلى مقربة من موقع الانهيار، كان أبو حذيفة، وهو نازح من حي الشجاعية شرقي مدينة غزة إلى المنطقة التي انهار فيها المبنى، يتابع عمليات الإنقاذ.

يقول أبو حذيفة: “وقع الانهيار قرابة الساعة الثانية والنصف صباحاً، حيث استيقظنا على انهيار العمارة، وكان بداخلها نازحون، نحو 8 إلى 10 أسر”.

ولم ينتظر سكان المنطقة وصول فرق الإنقاذ، بل اندفعوا فوراً إلى المكان، محاولين بأيديهم ووسائلهم المحدودة الوصول إلى من تحت الأنقاض.

يقول أبو حذيفة: “توجهنا بسرعة إلى المكان كمواطنين، وأخرجنا من استطعنا، واستدللنا من بعض الأشخاص الموجودين في داخل العمارة على من فيها وأين يوجدون، حتى وصلت طواقم الدفاع المدني وبدأت عملها داخل العمارة وإخراج الناس منها”.

وكان المشهد قاسياً على نحو يصعب وصفه، وفق أبو حذيفة، الذي يضيف: “حينما تخرج أطفالاً أحياء، بعمر شهرين، حيث أخرجنا طفلاً حياً من تحت الأنقاض، وفي المقابل يخرج طفل آخر أشلاء من تحت عمارة من ستة طوابق”.

ويضيف بألم: “هذا المشهد يصعب جداً وصفه”.

ويبرر أبو حذيفة لجوء السكان إلى مثل هذه البناية المتصدعة قائلاً: “العمارة آيلة للسقوط، لكن الناس ظروفها صعبة ولا تجد مكاناً يؤويها (…) البيوت المتاحة للإيجار شحيحة جداً وأسعار إيجارها باهظة، والحياة صعبة”.

ويردف: “الناس ما معها تأكل، وصارت تقف طوابير على سيارات المياه وعلى التكيات الخيرية من قلة ذات اليد”.

ويوجّه نداء إلى الجهات الدولية قائلاً: “نطالب العالم أن ينظر بعين الرحمة لأهل غزة، وأن يمدوا الدفاع المدني والبلديات بالاحتياجات اللازمة من أجل رفع الأنقاض.. هذا ما نطلبه”.

**مبنى واحد.. وذاكرة حرب كاملة

البناية التي حملت اسم “السعادة” لم تعد سوى كومة من الركام، ولم يكن لسكانها من اسمها نصيب. فانهيارها أعاد إلى الواجهة مشكلة المباني المتضررة التي لا تزال تؤوي سكاناً في قطاع غزة، في ظل اتساع حجم الدمار وصعوبة توفير مساكن بديلة.

ولم تكن حادثة انهيار البناية الأولى من نوعها منذ بدء سريان اتفاق وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025، إذ وقعت حوادث انهيار متفرقة لمبان متضررة، أودت في مجملها بحياة نحو 30 فلسطينياً، بحسب معطيات رسمية، إلا أن حادثة “السعادة” تُعدّ الأكبر من حيث عدد الضحايا في حادث منفرد.

ومنذ 8 أكتوبر/تشرين الأول 2023، تشنّ إسرائيل حرباً على قطاع غزة، خلفت أكثر من 73 ألف شهيد فلسطيني وما يزيد على 174 ألف مصاب، فضلاً عن دمار طال نحو 90 في المئة من البنية التحتية.

(الأناضول)



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *