اعتادت الإدارات الأمريكية المتعاقبة أن تمارس لعبة سياسية قديمة، عنوانها الأبرز: قل ما يدغدغ مشاعر الأمة العربية، وافعل ما يطمئن إسرائيل ويضمن أمنها ويرحّل علاج القضية الفلسطينية إلى مراحل أخرى، هذا طبعاً في حال وُجدت النية أو شيء منها لفعل ذلك. وفي قراءة سريعة تعتمد على الذكاء الاصطناعي للمشهد برمته يأتينا ما يلي:
بين القول والفعل، تتسع المسافة حتى يصبح الوعد مجرد دخان، والبيان مجرد حبر لا يصمد طويلاً أمام حقائق الميدان.
ولعل التصريح الأخير للمتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية لـ«القناة 12» الإسرائيلية، بشأن مشاريع البناء في منطقة E1، يقدم مثلاً واضحاً ونموذجاً جديداً من هذه اللعبة، إذ يقول المتحدث إن الولايات المتحدة «لا تدعم ضم الضفة الغربية من قبل إسرائيل»، وإن: استقرار الضفة الغربية إنما يساهم في أمن إسرائيل ويتوافق مع هدف الإدارة لتحقيق السلام في المنطقة.
البعض ربما يتفاءل مع سماع كلمة «سلام» لأول مرة على لسان مسؤول أمريكي في إدارة ترامب، لكن الحقيقة أن استخدام هكذا مصطلح ليس إلا مجرد كلمة للاستهلاك السياسي ليس إلا.
فقد عودتنا واشنطن على «لاءات» كثيرة، في وجه إسرائيل لكنها غالباً لاءات أشبه بصكوك مكتوبة على ألواح من الثلج؛ تبدو صلبة لحظة إعلانها، ثم تذوب أمام حرارة السياسة الإسرائيلية.
لنضع جانباً الخطابات المنمقة، ونراجع قائمة صغيرة من التناقضات التي وردت في أقوال وأفعال الإدارة الأمريكية الحالية، إذ يقول أركان هذه الإدارة وعلى رأسهم ترامب:
**أولاً:** لا ندعم الضم بل يذهب نحو وعد الزعماء العرب والمسلمين بذلك خلال لقائهم به في أيلول الماضي على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، لكن الحقيقة تقول عكس ذلك تماماً: الاستيطان يتوسع، والأرض تُصادر، والوقائع تتغير فعلياً بما يجعل الضم أمراً واقعاً قبل أن يصبح قراراً مكتوباً.
**ثانياً:** يكررون الحديث عن استقرار الضفة الغربية، بينما تستمر السياسات التي تغذي عدم الاستقرار، وتدفع الفلسطيني إلى فقدان الأمل بإمكانية قيام دولة فلسطينية ناجزة.
**ثالثاً:** تتحدث الإدارة الأمريكية عن حل الصراع، فيما تتقلص مساحة الأرض الفلسطينية يوماً بعد يوم، بفعل المستوطنات والطرق والحواجز ومصادرة الأراضي.
**رابعاً:** تقول واشنطن إنها تريد السلام، لكنها في الوقت ذاته تمنح إسرائيل الغطاء السياسي والدبلوماسي الذي يسمح لها بمواصلة سياسات تجعل السلام أكثر بعداً، والشواهد في غزة والقدس وعموم الضفة الغربية واضح للعيان.
**خامساً:** يقال إن القانون الدولي مرجعية، لكن حين يتعلق الأمر بإسرائيل، كثيراً ما يتحول القانون إلى «نصيحة» والسياسة إلى «مرجعية»، مرجعية تحمل هدفاً واحداً، إسرائيل أولا وآخراً.
والأخطر أن هذه اللغة لم تعد مجرد تناقض عابر في السياسة الخارجية الأمريكية، بل تحولت إلى نمط متكرر في مواجهة المشهد وفي إدارة الصراع برمته وعلى لسان إدارات تعاقبت. فمن الذي سينسى وعود نائبة الرئيس الأمريكي الأسبق كاميلا هاريس حول قطاع غزة ليتضح بأنها ما كانت إلا استعراضاً انتخابياً لا قيمة له. تُرسل الرسائل إلى العواصم العربية بلغة، وإلى تل أبيب بلغة أخرى، ثم يُطلب من الفلسطينيين أن يثقوا بعملية سياسية لا تتوقف واشنطن عن إتاهة أدواتها.
وفي كل مرة، يُعاد تدوير المصطلحات نفسها: ضبط النفس، خفض التصعيد، الاستقرار، الأمن المشترك، ازدهار المنطقة. كلمات براقة، لكنها تصبح بلا معنى حين لا تُترجم إلى إجراءات تحمي الأرض والإنسان وتوقف الاستيطان وتمنع تحويل الاحتلال المؤقت إلى واقع دائم.
وهنا تكمن المعضلة: ليس الفلسطيني بحاجة إلى بيانات تطمئنه بقدر حاجته إلى أفعال توقف تغيير الجغرافيا.
فالحلول لا يتبنى بالتصريحات، ولا تُحمى الشعوب بالبيانات، ولا تُصان الحقوق بعبارات دبلوماسية قابلة للتأويل.
لقد سئمت المنطقة بيع الوهم. وسئم الفلسطينيون تحديداً سماع اللغة نفسها: «نحن نعارض»، «نحن ندعم وقف النار»، «نحن نرفض ضم الضفة الغربية ونريد إنفاذ “خطة ترامب” بخصوص قطاع غزة»… ثم الاستيقاظ في اليوم التالي على واقع مختلف تماماً.
إن كانت واشنطن جادة فعلاً في رفض الضم، فالمطلوب ليس بياناً جديداً، بل موقفاً قادراً على وقف أسبابه.
فالتاريخ لا يحاسب الدول على ما قالته فقط، بل على ما سمحت بحدوثه والتغاضي عنه والسكوت عليه.
وما أكثر الأوهام التي يسوق لها في مقابل استدامة الاحتلال. السؤال الأهم: هل يتغير المشهد مع قرب الانتخابات النصفية الأمريكية: ننتظر ونرى!