تعد رواية «قرية الألماني أو مذكرات الأخوين شيلر» للروائي الجزائري بوعلام صنصال واحدة من أكثر أعماله إثارة للجدل، لا لأنها تقترب من موضوع النازية والهولوكوست فحسب، بل لأنها تقيم، عبر التخييل، صلة ملتبسة بين هذا الإرث الأوروبي الثقيل وبين الثورة الجزائرية والعنف الذي عرفته الجزائر في تسعينيات القرن الماضي.
فالرواية لا تكتفي باستحضار شخصية ألمانية ذات ماض نازي، بل تجعلها جزءاً من سردية تمتد من أوروبا النازية إلى الجزائر المستقلة، بما يطرح أسئلة شائكة حول حدود التخييل الروائي، وشرعية التأويل، ومسؤولية الكاتب حين يقترب من وقائع تاريخية شديدة الحساسية.
ولا يكمن الإشكال، هنا، في أن يكتب الروائي عن شخصية أجنبية داخل سياق الثورة الجزائرية، فالتاريخ الجزائري عرف بالفعل مساهمات متعددة لغير الجزائريين في دعم حرب التحرير. إنما يبدأ الجدل من طبيعة الشخصية التي اختارها صنصال، ومن الدلالات التي يحمّلها لمسارها، حين ينتقل ضابط نازي سابق إلى فضاء الثورة الجزائرية، ثم إلى سردية تتقاطع فيها النازية مع الإسلام السياسي والعنف الداخلي. عند هذه النقطة يصبح السؤال أبعد من حرية التخييل، ويتصل بما إذا كانت الرواية تعيد قراءة التاريخ، أم تعيد تركيبه وفق سردية سياسية مسبقة.
في هذا السياق، نشرت صحيفة «القدس العربي» بتاريخ 1-8-2025مقالا للكاتب الجزائري سعيد خطيبي، جاء فيه أن «متاعب بوعلام صنصال في الجزائر بدأت عام 2008، عندما أصدر روايته «قرية الألماني»، قبل ذلك كان الكاتب مرحباً به ويجري الاحتفاء به في بلده الأم… ولكن عندما غامر في التخييل، ومارس حقه في الكتابة، ووسع من حدود الأدب وأصدر «قرية الألماني»، انقلبت حياته، وصار محل سخط، وزادت الضغوط عليه وصار يسمع ما لا يحتمل عاقل سماعه».
غير أن هذه القراءة تستدعي نقاشاً، لأن صنصال لم يكن اسماً معروفاً على نطاق واسع في الجزائر قبل اعتقاله عام 2024. كما لم يكن، من جهة السلطة الجزائرية، في موقع المعارض الفعلي، إذ ظل محتفظاً بتقاعده كموظف سامٍ سابق في وزارة الصناعة، ومستفيداً من مزايا النظام. وظل يتنقل بجواز سفره الجزائري، ومع أن الجزائر تجرم زيارة إسرائيل، فقد زارها في أيار/ مايو 2012، كـ «ضيف شرف» في مهرجان أدبي إسرائيلي.

وقد واصل مواقفه وتصريحاته المثيرة للجدل، ففي عام 2016 قام بتشبيه الإرهابيين «الداعشيين» في أوروبا، بثوار الجزائر الذين كانوا ينفذون عمليات فدائية ضد الاستعمار الفرنسي في الجزائر.
ظل صنصال يتنقل بين الجزائر وفرنسا، ويحظى بدعم بعض الأوساط اليمينية الفرنسية وبرز ذلك أكثر في موقفه الداعم لإسرائيل وحربها على غزة، بشكل أوضح بعد 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023.
وقد حصل في صيف 2024 على الجنسية الفرنسية، فيما كان كثير من المثقفين المعارضين الجزائريين ممنوعين من السفر. ولم يُعتقل إلا في نوفمبر/ تشرين الثاني 2024، لدى عودته من فرنسا، بعد تصريحاته لقناة يمينية فرنسية متطرفة.
في مقاله يقول خطيبي إن «صنصال يحكي في هذه الرواية عن ضابط ألماني التحق بحرب التحرير الجزائرية (1954 ـ 1962)، ثم اعتنق الإسلام، غيّر اسمه وصار جزائرياً عقب الاستقلال، قبل أن يلقى مصرعه على يد جماعات متطرفة، في تسعينيات القرن الماضي، عندما انزلقت البلاد في دوامة العنف والدم».
لكن صنصال، في الحقيقة، يحكي عن ضابط ألماني نازي في روايته، ويربط فيها بين «الأصولية الإسلامية» والثورة التحريرية الجزائرية والنازية، وهو ما يعد تزويراً للتاريخ، مثلما حاول بنيامين نتنياهو تزوير التاريخ بكذبة صدمت حتى كثيراً من اليهود أنفسهم، عندما ادعى أن «هتلر لم يكن يريد إبادة اليهود، إنما الزعيم الفلسطيني أمين الحسيني هو من شجعه على ذلك».
واللافت أن الرواية اختير لها عنوان «المجاهد الألماني» في ترجمتها الإنكليزية في أمريكا، مع إعلان ترويجي يدعي أنها «أول رواية عربية تواجه الهولوكوست»، بينما تُرجمت في بريطانيا بعنوان مغاير هو «عمل غير منجز»، ربما تفادياً لردود فعل غاضبة إزاء هذا الخلط والتدليس، بربط الثورة الجزائرية ومجاهديها بالنازية.
«المجاهد الألماني» المزعوم لصنصال كان ضابطا نازيا شارك في إبادة اليهود، ولجأ إلى مصر، وأرسله جمال عبد الناصر لمساندة الثورة الجزائرية في خمسينيات القرن الماضي، وبعد استقلال الجزائر تحول إلى إسلامي أصولي، في فبركة مسيئة حتى لضحايا المحرقة النازية المدانة.
يخترع صنصال في روايته شخصيتي الأخوين مالريش وراشيل شيلر، وأمهما جزائرية ووالدهما هو الألماني هانس شيلر. سيكتشف مالريش، بعد انتحار شقيقه الأكبر راشيل، أن والدهما كان ضابطاً نازياً يبيد اليهود في محتشد «أوشفيتز». وقد انتحر راشيل لما علم بذلك، وهو محلوق الرأس ويرتدي لباساً مشابهاً للباس الذي كان يرتديه السجناء اليهود في المحتشد.
حدود التخييل وشرعية التأويل
يقول خطيبي إنه «نظرياً لا يبدو أن هناك إشكالاً في الكتابة في هذا الموضوع، لاسيما أننا نتحدث عن رواية، وأن الكاتب من حقه أن يتخيل. لكن بعض التيارات المحافظة لم تعجبها الرواية.. وأكثر ما أزعجها أن يزج صنصال بشخصية أجنبية في حرب التحرير».
غير أن الواقع أن هناك عرفاناً في الجزائر بمساهمة غير الجزائريين، وبينهم حتى من اليهود، في دعم الثورة الجزائرية. ومن هؤلاء فرنسيون من أمثال موريس أودان، الذي قتله الاستعمار الفرنسي تحت التعذيب بسبب مشاركته في دعم الثورة التحريرية الجزائرية، وتحمل اسمه ساحة شهيرة في العاصمة الجزائرية.
وإذا كان صنصال بهذا «الحرص التاريخي الأخلاقي»، فلماذا لم يختر، مثلاً، رواية قصص حقيقية وموثقة لألمان وألمانيات شاركوا أو دعموا الثورة التحريرية؟ وهناك أيضاً يهود جزائريون وغير جزائريين شاركوا أو دعموا الثورة التحريرية الجزائرية.
يمكن أن نذكر هنا رواية «من إخواننا الجرحى» لجوزيف أندراس، الحائزة «الغونكور» لأول رواية عام 2016، عن المناضل الفرنسي المناصر للثورة الجزائرية فرنانون إيفيتون، الذي أعدمته السلطات الاستعمارية عام 1957.
وإذا كان صنصال، الذي يغازل اليمين الفرنسي، حريصاً على الحقائق التاريخية، فإن اليمين الفرنسي المتطرف، المعادي تاريخياً لليهود والمتعاون مع الاحتلال النازي لفرنسا، هو الذي كان متواطئاً في إبادة اليهود والتنكيل بهم في فرنسا أثناء الحرب العالمية الثانية، وحتى في الجزائر المستعمرة آنذاك. في المقابل، ساهم مسجد باريس، الذي كان يشرف عليه جزائريون، في حماية عدد من اليهود بمنحهم وثائق تثبت أنهم مسلمون. وكذلك تضامن جزائريون مسلمون، في الجزائر المحتلة، مع يهود تعرضوا لانتقام حكومة «فيشي» العميلة للنازيين.
ثم إن الموثق تاريخياً أن فرنسا هي التي استعانت بآلاف الجنود النازيين الألمان السابقين من اللفيف الأجنبي، الذين كانوا ضمن أكثر من مليون جندي جندتهم لقمع الثورة التحريرية الجزائرية.
وفي إضفاء لمشروعية تاريخية على رواية صنصال، يستحضر خطيبي وجود مهاجرين ألمان في الجزائر خلال الاستعمار الفرنسي. وهذا المعطى صحيح فعلاً. لكن صنصال اختار عن عمد شخصية ضابط ألماني المولد بسجل نازي إجرامي ضد اليهود، ليربطه بالإسلام والإسلاميين والثورة التحريرية الجزائرية.
إن الإشكال في رواية «قرية الألماني» ليس في إدخال شخصية أجنبية في سياق الثورة الجزائرية، بل في السردية التلفيقية: ضابط نازي سابق يتحول إلى «مجاهد»، في ربط بين تجربة التحرر الوطني الجزائري ضد الاستعمار وإرث النازية والهولوكوست المدان. وهو ربط لا يمكن اعتباره تفصيلاً سردياً عابراً معزولاً عن المواقف المعلنة لصنصال.
كاتب جزائري