الرباط- “القدس العربي”: أشعلت أزمة سبتة الجدل الحاد في نيويورك، ووضعت الشراكة المغربية-الإسبانية أمام اختبار المسؤولية، فقد شهدت أروقة الجمعية العامة للأمم المتحدة سجالا دبلوماسيا حادا بين المغرب وإسبانيا بشأن ملف الهجرة غير النظامية وأزمة سبتة، حيث تبادل الجانبان المواقف والاتهامات حول خلفيات الأزمة وآليات تدبيرها، وذلك على هامش الدورة الحادية والثمانين للأمم المتحدة.
وكان رئيس الحكومة الإسبانية، بيدرو سانشيز، قد جعل أزمة الهجرة بسبتة في مقدمة مضامين خطابه أمام الجمعية العامة، واصفا إياها بأبرز أزمات الهجرة غير النظامية في السنوات الأخيرة. واعتبر سانشيز أن “الأزمة غذّتها عوامل التضليل واليأس”، مشددا على أن مدريد ترفض الاستجابة القائمة على الخوف أو تحويل المهاجرين إلى “أعداء”.
وأكد سانشيز التزام بلاده بالمرجعيات القانونية والإنسانية، ومثنيا في الوقت ذاته على سلوك سكان المدينة المحتلة في التعاطي مع الأحداث.
غير أن سانشيز اتخذ نبرة أكثر حدة خارج قاعة الأمم المتحدة، إذ أشار في مقابلة مع شبكة “سي إن إن” إلى ما وصفه بـ”فشل آلية مراقبة الحدود المغربية” خلال موجة الثلاثين من يوليو/ تموز الماضي، معلنا مطالبه للرباط بتقديم إجابات وإجراءات ملموسة.
وفي رد مباشر وشديد اللهجة، حمّل وزير الخارجية المغربي، ناصر بوريطة، الجانب الإسباني المسؤولية الكاملة عن تعثر ملف إعادة المهاجرين. وأكد في تصريحات صحافية عقب مباحثات أجراها في نيويورك مع نظيره الإسباني خوسي مانويل ألباريس، أن موقف المغرب واضح وثابت بشأن الجاهزية لعودة كافة المهاجرين غير النظاميين والقاصرين غير المصحوبين.
وأكد بوريطة أنه “إذا لم تتم عودة المهاجرين غير النظاميين والقاصرين، فإن ذلك يقع حصرا على مسؤولية إسبانيا”، موضحا قوله: “المغرب ينطلق من مبادئ أساسية تتمثل في “موقفه الواضح بشأن عودة جميع المهاجرين غير النظاميين والقاصرين غير المصحوبين”، مضيفا: “إذا لم تتم عودة المهاجرين غير النظاميين والقاصرين، فلا ينبغي توجيه السؤال للمغرب، بل يجب توجيهه لإسبانيا”.
ولم يقف الرد المغربي عند حدود الملف الإجرائي، بل امتد لينتقد الخطاب السياسي الإسباني برمته؛ فقد عبّر وزير الخارجية المغربي عن أسفه لتصريحات عدد من كبار المسؤولين والفاعلين السياسيين في إسبانيا، مشيرا إلى أنها تعكس جهلا بمغرب اليوم وبطبيعة التعاطي مع ظاهرة الهجرة. وأوضح بوريطة أن علاقات حسن الجوار والشراكة الاستراتيجية لا يمكن أن تُبنى على “مرافعات لا أساس لها وخطاب عقيم”، داعيا إلى الابتعاد عن الاتهامات المجانية والمزايدات السياسية التي تسيء إلى قيمة العلاقات الثنائية بين البلدين”.
وشكلت موجة العبور الجماعي الأخيرة نحو سبتة محطة حاسمة أعادت تشكيل التدافع الدبلوماسي والأمني بين الرباط ومدريد، ويرى محللون أن هذه الأزمة تحولت إلى أداة اختبار حقيقية لمدى متانة التنسيق الاستخباري والميداني بين البلدين، حيث وضع التدفق المفاجئ السلطات الإسبانية أمام ضغوط سياسية وإعلامية داخلية متصاعدة، في حين أن تدبير هذه التدفقات الاستثنائية يتطلب مسؤولية مشتركة ومعالجة جذرية بعيدا عن منطق إلقاء اللائمات أو استغلال الملف في المزايدات السياسية.