صديقتي آن فرانك


في الثالثة عشرة من عمرها فعلت آن فرانك شيئاً غريباً: اخترعت صديقة وسمتها «كيتي». لم تكن تعرف شكلها، ولم تلتق بها في المدرسة، ولم تنتظرها ذات صباح عند الباب، ومع ذلك بدأت تكتب إليها كما لو أن بينهما عمراً كاملاً من الأسرار. كنت قد فتحت يوميات آن فرانك من أجل مشروع قراءة أعددته لأدب الهولوكوست، ولم أكن أتوقع أن تستوقفني هذه الحيلة الصغيرة أكثر من الحرب نفسها. فتاة يطاردها واحد من أكثر الأنظمة وحشية في التاريخ، ستضطر بعد أسابيع إلى الاختباء من النازيين، ومع ذلك تبدأ حكايتها من مشكلة أخرى تماماً: ليس لديها صديقة حقيقية تستطيع أن تقول لها كل شيء.
لهذا، ربما شعرت منذ الصفحات الأولى أنني لا أقرأ آن فرانك بقدر ما أجلس معها. فاليوميات التي كتبتها بين عامي 1942 و1944 لا تدخل الحرب من أبوابها الكبرى، لا دبابات تعبر الصفحة ولا جنرالات ينحنون فوق الخرائط، بل نرى التاريخ وهو يصغر حتى يصبح نافذة يجب ألا تفتح، وستارة ينبغي ألا تتحرك، وخطوة يجب أن تخف وطأتها كي لا يسمعها أحد. انتقلت عائلة فرانك إلى الملحق السري في أمستردام، وهناك بدأت الحياة تتعلم كيف تخفي نفسها. أصبح النهار خطراً، والصوت تهمة، والضوء الذي يتسرب من نافذة قد يكون دليلاً كافياً على وجود بشر مطلوب منهم أن يتصرفوا كما لو أنهم غير موجودين. وفي قلب هذه العدة المعقدة للنجاة، كانت آن تكبر؛ تغضب من أمها، تختلف مع أختها، تراقب جسدها وتقع في الحب ثم تحلم بأن تصبح كاتبة، فتعود في المساء إلى «كيتي» لتخبرها بما حدث.
ما هزني لاحقاً لم يكن أن آن اخترعت صديقة، بل أن اختراعها نجح بطريقة لم تكن تستطيع تخيلها. قرأت تعليقات ومراجعات لقراء من أنحاء العالم، فوجدت عبارة تتكرر بصيغ مختلفة: «آن، أنت صديقتي». ثمة أشخاص ولدوا بعد موتها بعشرات السنين يشعرون أنهم يعرفونها، ويحزنون عليها بذلك النوع الغريب من الحزن الذي نحتفظ به لأناس لم نلتقهم قط. عندها فكرت أن «كيتي» ربما لم تكن شخصية متخيلة تماماً. لعل آن أخطأت في شيء واحد فقط: كانت تظن أنها تكتب إلى صديقة واحدة، بينما كانت تكتب إلى جيش كامل من الأصدقاء لم يولد معظمهم بعد.
وهنا، على نحو لا أعرف كيف حدث، ظهر جلجامش في رأسي.
من الغريب أن تمتد المسافة بين ملك أوروك وطفلة مختبئة في أمستردام آلاف السنوات ثم يلتقيان عند الحاجة نفسها. كان جلجامش يملك المدينة والقوة والنسب الذي يرفعه إلى تخوم الآلهة، لكن كل ذلك لم يمنحه ما منحه إياه أنكيدو. احتاج أقوى رجل في الملحمة إلى رجل آخر كي يصبح إنساناً كاملاً، وحين مات أنكيدو لم يعد الموت فكرة تخص الآخرين. رأى جلجامش مصيره في جسد صديقه وخرج مذعوراً يبحث عن الخلود. لهذا تبدو الصداقة في أقدم نصوصنا أكبر من المؤانسة بكثير، إنها المرآة التي لا نكتشف أننا كنا ننظر فيها إلا عندما تنكسر.
آن، من الجهة الأخرى من التاريخ، لم تكن تملك شيئاً تقريباً؛ لا مدينة ولا سلطة ولا حرية في أن تفتح نافذة. ومع ذلك، احتاجت ما احتاجه ملك أوروك نفسه. احتاجت أنكيدو صغيراً خاصاً بها فسمته «كيتي». وأحب هذه المقاربة؛ لأنها تجعل التاريخ البشري كله يبدو للحظة ما أقل تعقيداً مما نزعم. تغيرت المدن والأديان والإمبراطوريات والأسلحة، اخترعنا الطباعة والطائرة والقنبلة ومعسكر الاعتقال، لكن شيئاً في الإنسان بقي بدائياً على نحو مدهش: حاجته إلى شخص يستطيع أن يذهب إليه بنفسه كاملة.
ولعل الكتابة بدأت أصلاً من هذا العجز. ماذا نفعل حين لا نجد ذلك الشخص؟ نصنعه. نضع أمامنا ورقة ونخاطب أحداً لا نراه. كل كاتب يفعل، بطريقة ما، ما فعلته آن فرانك. يخترع قارئاً ضمنياً ويجلس إليه في العتمة ويخبره أشياء قد يعجز عن قولها لمن يجلسون في الغرفة المجاورة. نحن نكتب دائماً إلى «كيتي» ما، حتى لو لم نمنحها اسماً. والمفارقة أن الغرباء الذين لا نعرفهم قد يعرفوننا بعد ذلك أكثر ممن عرفوا ملامحنا.
توقفت يوميات آن في الأول من أغسطس 1944. لا توجد نهاية روائية مرتبة ولا وداع يليق بكتاب سيقرؤه العالم. بعد أيام، اقتحم رجال الشرطة الملحق السري، وبدأ الطريق الذي انتهى بموت آن في معسكر بيرغن بيلسن وهي في الخامسة عشرة. لكن الشيء الذي لم يستطع النازيون اعتقاله كان قد خرج بالفعل من المخبأ. بقي دفترها. بقيت «كيتي» حية، وبقيت تلك الفتاة تتحدث بعدما صمت معظم الذين أرادوا إسكاتها.
كانت آن قد بدأت الكتابة لأنها شعرت أنها لا تملك صديقة حقيقية تستطيع أن تبوح لها بكل شيء، وكانت تريد أن تجعل من دفترها تلك الصديقة. لم تعرف أن الزمن سيقلب الحكاية كلها، وأن الفتاة التي بحثت طويلاً عن صديق ستصبح هي نفسها صديقة لملايين البشر. ربما كانت كيتي تنتظرها فعلاً، لكنها لم تكن فتاة واحدة تعيش في أمستردام عام 1942؛ كانت قارئاً مجهولاً في بغداد، وآخر في طوكيو، وطفلة لم تولد بعد، ورجلاً سيجد كتابها بعد نصف قرن في مكتبة بعيدة. وكانت في مكان ما من المستقبل؛ أنا.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *