بوادر تعافٍ وتحديات أمنية واحتياجات إنسانية هائلة


الأمم المتحدة- “القدس العربي”: بدأ مجلس الأمن الدولي، صباح الخميس، جلسة مفتوحة لبحث مستجدات الوضع في سوريا، على المستويين السياسي والإنساني، في وقت تتواصل فيه الجهود الرامية إلى تعزيز الاستقرار ودفع مسار التسوية في البلاد.

وفي إحاطة أمام المجلس، رحّب نائب المبعوث الخاص للأمين العام إلى سوريا، كلوديو كوردوني، بإعلان مظلوم عبدي إنهاء مهمة قوات سوريا الديمقراطية (قسد) وحلها، عقب اجتماعه مع الرئيس السوري أحمد الشرع في 25 آب/أغسطس، معتبراً الخطوة تقدماً في مسار دمج شمال شرقي سوريا أمنياً وإدارياً.

وقال كوردوني إن الأمم المتحدة تدعم التنفيذ الكامل لاتفاق 29 كانون الثاني/يناير، مشيراً إلى استمرار المحادثات بشأن دمج وحدات حماية المرأة، وتعليم اللغة الكردية. لكنه حذر من أن مهاجمة أول قافلة للعائدين إلى رأس العين في 10 آب/أغسطس أظهرت قدرة التوترات المحلية على تقويض هذا التقدم.

وتطرق كوردوني إلى الوجود الإسرائيلي شرق خط وقف إطلاق النار، مشيرا إلى أنه ينتهك سيادة سوريا وسلامة أراضيها، كما أدان الغارة الجوية التي شنتها إسرائيل على قاعدة “أبو الظهور” الجوية في شمال سوريا بتاريخ 18 آب/ أغسطس.

وقال إن سوريا لا تزال تواجه “تحديات أمنية داخلية كبيرة”؛ ففي حين انخفضت معدلات العنف الإجمالية في شهر آب/أغسطس مقارنة بشهر تموز/يوليو، لا تزال ترد تقارير عن عمليات قتل تعتبرها المجتمعات المحلية هجمات انتقامية تستهدف جماعات محددة. كما لا يزال التهديد الذي يشكله الإرهاب، ولا سيما تنظيم “الدولة”، مصدر قلق بالغ.

وفي معرض تأكيده على أن النساء السوريات يمثلن “مخزوناً استثنائياً من الخبرة والقدرات”، قال إن مكتبه سيوسع نطاق تواصله مع النساء السوريات، وسيناقش قضايا من اختيارهن، وسينقل توصياتهن إلى الحكومة.

وعلى الصعيد السياسي، أوضح كوردوني أن مجلس الشعب قد أقر نظامه الداخلي، إلا أن هناك حاجة لمزيد من الوضوح بشأن دوره الرقابي على السلطة التنفيذية. وشدد على أن استقلالية المجلس وشفافيته أمران بالغا الأهمية لمصداقيته، مؤكداً في الوقت ذاته على ضرورة البدء العاجل في عملية صياغة دستور دائم للبلاد.

أما على الصعيد القانوني، فقد ذكر أن محكمة الجنايات الرابعة في دمشق أدانت عدداً من المسؤولين السابقين وحكمت عليهم بالإعدام، بمن فيهم الرئيس السابق بشار الأسد -الذي حوكم غيابياً مع آخرين- وكذلك عاطف نجيب ووسيم الأسد اللذان مثلا أمام المحكمة شخصياً. كما حوكم أحمد حسون، المفتي العام السابق، حضورياً وصدر بحقه حكم بالسجن مدى الحياة.

وقد تضمنت الإجراءات القضائية ضمانات هامة للمحاكمة العادلة لصالح المتهمين الحاضرين في المحكمة، مع كفالة الحق في الاستئناف خلال مهلة 30 يوما.

ومع ذلك، أكد كوردوني على ضرورة “تعزيز ضمانات المحاكمة العادلة من خلال توفير تمثيل قانوني فعال، وضمان حق الاستئناف الكامل ليشمل الوقائع، وليس فقط المسائل القانونية”.

من جهة أخرى، قدم إندريكا راتواتي، نائب منسق الإغاثة في حالات الطوارئ، إحاطة استعرض فيها الرسالة التي نقلها خلال زيارته إلى دير الزور والرقة وحلب وإدلب الأسبوع الماضي: “تمر سوريا بمرحلة مفصلية، ويحدو السوريين الأمل في مستقبل مستقر ومزدهر”.

وفي معرض حديثه عن “بوادر تعافٍ”، أشار إلى تزايد أعداد السوريين العائدين إلى ديارهم؛ إذ يشهد الإنتاج الزراعي تحسناً، وتتعافى شبكات الطاقة والنقل، وتنشط الحركة التجارية، كما أن فرص الوصول الإنساني تشهد تحسناً ملحوظاً بشكل عام غير أن الاحتياجات الإنسانية تظل هائلة، حيث لا يزال الملايين يواجهون صعوبات في الحصول على الرعاية الصحية والغذاء والمياه النظيفة والتعليم وسبل العيش، فضلاً عن اتساع الفجوة بين الاحتياجات والموارد المتاحة.

وأضاف أن هذه الضغوط تتفاقم في ظل ما تشهده سوريا من أكبر حركة عودة طوعية في المنطقة منذ أكثر من عقد من الزمان. “فقد عاد ما يقرب من مليوني نازح داخلياً وأكثر من 1.7 مليون لاجئ إلى مجتمعاتهم منذ ديسمبر 2024”.

وأضاف أنه خلال الفترة نفسها، تسببت حوادث مرتبطة بمخلفات الحرب المتفجرة -والتي بلغ عددها قرابة 1400 حادثة- في سقوط أكثر من 2400 ضحية، من بينهم 865 قتيلاً؛ حيث وقعت 22 حالة وفاة منها منذ 17 تموز/يوليو الماضي.

وقال: “يتطلع الناس إلى فرصة لإعادة بناء حياتهم. إنها ليست اللحظة المناسبة للتراجع، بل هي لحظة الاستثمار في الأمل والتقدم”.

بدورها، حذرت رولا الركبي، مديرة مكتب منظمة “نساء الآن من أجل التنمية” في لبنان، ، خلال إحاطة أمام مجلس الأمن، من أن يؤدي الانتقال السياسي في سوريا إلى استبدال الأشخاص الحاكمين من دون تغيير طريقة ممارسة السلطة، في ظل ما وصفته بالمركزية المفرطة وغياب الفصل الفعلي بين السلطات وضعف الشفافية والمساءلة.

وقالت الركبي إن السؤال الأساسي بعد سقوط نظام الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024 هو طبيعة الدولة التي يجري بناؤها، وما إذا كانت ستضمن المساواة لجميع السوريين أم “تعيد إنتاج نظام مماثل تحت اسم جديد”.

وأشارت الركبي إلى أن تمثيل النساء في مجلس الشعب يقل عن 11 في المئة، بينما تضم الحكومة الانتقالية امرأة واحدة فقط

وأضافت: “المشاركة الفعلية تعني وجود النساء عند اتخاذ القرارات، وليس فقط عند التقاط الصور”، داعية إلى إصلاح قوانين الجنسية والأحوال الشخصية وتعزيز الحماية من العنف القائم على النوع الاجتماعي. وحذرت من تقارير عن اختطاف نساء وفتيات منذ كانون الأول/ديسمبر 2024، ولا سيما من الطائفة العلوية، معتبرة أن استهداف النساء على أساس هويتهن الطائفية أو استخدام العنف ضدهن للانتقام من مجتمعاتهن يعيد إنتاج أنماط العنف التي يتعين على سوريا تجاوزها.

وفي ملف العدالة الانتقالية، قالت الركبي إن السوريين تعرضوا لعقود للاعتقال التعسفي والتعذيب والاختفاء القسري على يد النظام السابق، فضلاً عن انتهاكات ارتكبتها جماعات مسلحة وجهات أخرى. لكنها شددت على أن الانتهاكات لم تنته بسقوط النظام، مشيرة إلى تقارير عن استمرار الاعتقالات بسبب التعبير عن الرأي، والتعذيب وسوء المعاملة في أماكن الاحتجاز.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *