بن غفير الوقح ليس حالة شاذة في إسرائيل بل صنعه المجتمع الدولي ومشرعون يدعمونه بشكل غير مشروط


لندن- “القدس العربي”: نشرت صحيفة “الغارديان” مقالا للمعلقة أروى مهداوي أشارت فيه إلى تجاهل الغرب تصريحات ومنشورات وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير، مشيرة إلى أنه لم يصل إلى السلطة من فراغ، بل ساعده المجتمع الدولي على البقاء في منصبه من خلال منح إسرائيل إفلاتا كاملا من العقاب.

وفي البداية، قدمت الكاتبة بن غفير زعيم حزب “عوتسما يهوديت” (القوة اليهودية) اليميني المتطرف في إسرائيل، وقالت إنه رجل شرير بشكل مفرط و”ربما سمعتم اسمه من قبل: فقد تصدر عناوين الأخبار العالمية عندما صور نفسه وهو يسخر من نشطاء مكبلين كانوا محتجزين أثناء محاولتهم إيصال مساعدات إنسانية إلى غزة. لكن قد لا تكونوا على دراية بالعديد من تصريحاته الصادمة الأخيرة، لأنها لم تحظ بتغطية واسعة من وسائل الإعلام الأمريكية”.

وأشارت في البداية إلى فيديو مولد بالذكاء الاصطناعي نشره بن غفير على منصة إكس أو تويتر سابقا يوم الأحد ثم حذفه. ويظهر الفيديو سجناء فلسطينيين في صحة جيدة يقفون على حزام متحرك باتجاه معسكر اعتقال، ثم يخرجون منه هزالى وبشحم على عظم، وأرفق مع الصور تعليق “لقد وعدنا – لقد وفينا!”، وهو ما يبدو أنه إشارة إلى وعد وزير الأمن القومي بمفاقمة أوضاع الأسرى الفلسطينيين وجعلها جحيما، وهو هدف كبير له، في حين وصفت منظمة بتسيلم الإسرائيلية لحقوق الإنسان السجون الإسرائيلية التي يعتقل بها الفلسطينيون بأنها “معسكرات تعذيب”.

وصفت منظمة بتسيلم الإسرائيلية لحقوق الإنسان السجون الإسرائيلية التي يعتقل بها الفلسطينيون بأنها “معسكرات تعذيب”.

وقالت إنها حذرة في تقديم الفيديو الأخير وتنصح المشاهد بالبحث عنه ومشاهدته بالكامل لكي يدرك مدى بشاعته. صحيح أن الفيديو حذف، لكنه يبقى على الإنترنت.

ولو غرد حسن بايكر، كما تقول، بطريقة مماثلة وركز على الإسرائيليين بدلا من الفلسطينيين، لتصدر الخبر الصفحات الأولى، ولطالب المشرعون الأمريكيون، الذين يبدو أنهم جميعا مهووسون ببايكر، بمعاقبته.

وتضيف مهداوي أن بن غفير لديه أيضا بعض الأفكار الغريبة للعقاب. فواحد من خيالاته المريضة هي وضع تماسيح في خنادق حول السجون التي يحتجز فيها الفلسطينيون لمنع عمليات الهروب. وقد تم تعليق الخطة الآن لأن منظمات حقوقية إسرائيلية قالت إنها قاسية على التماسيح!

وفي النقاش حول الأسرى الفلسطينيين والمعاملة القاسية التي يتعرضون لها، تؤكد الكاتبة أن من بينهم 200 طفل معتقلون بناء على قانون “الاعتقال الإداري”، وهو اسم تقني لممارسة بائسة وكابوسية.

وبحسب تعريف منظمة بتسيلم: “في الاعتقال الإداري، يحتجز الشخص الذي لم يرتكب أي جرم، على أساس نيته لارتكاب مخالفة في المستقبل. ولأن هذا الإجراء وقائي، فهو غير محدد المدة. ويحتجز الشخص دون إجراءات قانونية، بأمر من القائد العسكري للمنطقة استنادا إلى أدلة سرية لا يتم الكشف عنها”.

وبعبارة أخرى: إذا كنت فلسطينيا، فبإمكان جنود إسرائيليين مدججين بالسلاح اقتحام منزلك في منتصف الليل واقتيادك إلى ما يشبه غرفة تعذيب، رغم أنك لم ترتكب أي جريمة، واحتجازك هناك لأجل غير مسمى دون إخبارك بسبب احتجازك أو إبلاغ عائلتك بمكان وجودك.

وعندما تسمع كلمة “سجين”، يريد أشخاص مثل بن غفير أن تفكر في إرهابيين خطرين يستحقون كل ما يلاقونه.

وفي الواقع، كثيرون مثل ليان ناصر، وهي شابة تبلغ من العمر 23 عاما، اقتيدت تحت تهديد السلاح من منزل والديها دون سبب واضح، ولم تتصدر عناوين الأخبار العالمية إلا لكونها مسيحية.

وبالعودة إلى بن غفير، الذي يحاول السيطرة على حياة السجناء، فإن أحد أبرز إنجازاته هو قانون عقوبة الإعدام العنصري، الذي صيغ حرفيا لكي يطبق حصريا على الفلسطينيين.

وفي الشهر الماضي، نشر بن غفير مقطع فيديو لمكان مشنقة حيث سيعدم الفلسطينيون المدانون بجرائم إرهابية. وفي عيد ميلاده في حزيران/ يونيو، احتفل بكعكة على شكل حبل مشنقة.

بن غفير لا يريد إعدام خصومه فقط، بل يريد سفك المزيد من الدماء في غزة، التي لا تزال ساحة حرب رغم ما يسمى بوقف إطلاق النار

لكن بن غفير لا يريد إعدام خصومه فقط، بل يريد سفك المزيد من الدماء في غزة، التي لا تزال ساحة حرب رغم ما يسمى بوقف إطلاق النار. وقال في الفترة الأخيرة على بودكاست: “أعتقد أنه يجب علينا تنفيذ ما بين 30 إلى 40 عملية اغتيال مستهدفة [في غزة] كل ليلة. ليس فقط من يشكلون تهديدا مباشرا، فهناك أناس لا يستحقون الحياة، إنهم ليسوا بشرا أصلا”.

وقائمة شروره طويلة، كما تقول مهداوي، فقد صور نفسه قبل فترة وهو يدخل زنازين سجن تضم نساء فلسطينيات ويهددهن.

وفي البودكاست نفسه الذي حث فيه على عمليات القتل الليلية في غزة، ذهب إلى حد القول إنه يعتقد أن على إسرائيل احتلال غزة بأكملها. ويوم الاثنين، اقتحم باحة المسجد الأقصى في القدس الشرقية، برفقة مستوطنين متطرفين وبحماية الجيش الإسرائيلي.

وهذا ما يفعله بانتظام: إنه استفزاز سافر وانتهاك صارخ لاتفاقية تمنح المسلمين الحق الحصري في أداء شعائرهم الدينية في المسجد الأقصى، بينما يصلي اليهود عند حائط البراق. لكن بن غفير وأمثاله يسعون لتغيير الوضع الراهن القائم منذ عقود، وجعل إسرائيل تسيطر على كل شيء. قال بن غفير خلال زيارة قام بها إلى الحرم القدسي عام 2023: “نحن المسؤولون هنا في القدس وفي كل أرض إسرائيل”.

وتقول مهداوي إن بن غفير وقح لدرجة أنه لا مجال لتبرير تصرفاته. وقد أدانه سياسيون وحكومات من مختلف أنحاء العالم وفرضوا عليه عقوبات. ومع ذلك، حاول المدافعون عن إسرائيل تصويره كشخصية هامشية. فقد صرحت اللجنة اليهودية الأمريكية في آب/أغسطس، عقب تصريحات السياسي حول الاستيطان في غزة: “لا تعكس تصريحات بن غفير سياسة دولة إسرائيل، ويجب إدانتها من قبل كل من يهتم بمستقبل إسرائيل”.

بن غفير قد يكون مصدر إحراج، لكنه ليس حالة شاذة. فهو يمثل إلى حد كبير وجه إسرائيل الحديثة، ورؤيته لها تعكس بدقة الواقع على الأرض

وقد حاول بعض أقران بن غفير إبعاد أنفسهم عنه وعن المتطرفين، حيث أدان وزير الخارجية، جدعون ساعر، الفيديو الذي يسخر فيه بن غفير من النشطاء الأجانب قائلا: “أنتم لستم وجه إسرائيل”.

وتعلق مهداوي أن بن غفير قد يكون مصدر إحراج، لكنه ليس حالة شاذة. فهو يمثل إلى حد كبير وجه إسرائيل الحديثة، ورؤيته لها تعكس بدقة الواقع على الأرض.

وأشارت إلى ما كتبته الصحافية الإسرائيلية عميرة هاس في صحيفة “هآرتس” هذا الأسبوع: “تهدف السياسة الإسرائيلية إلى جعل الحياة لا تطاق للفلسطينيين أينما كانوا، حتى يمكن وصف هجرتهم بأنها عمل اختياري. إن “المحو” هو الحل الكابوسي الذي يترجم إلى واقع يوميا”.

ويتصاعد عنف المستوطنين، ويستولون على المزيد من الأراضي في الضفة الغربية وقطاع غزة، كما أصبح تجريد الفلسطينيين من إنسانيتهم أمرا مقبولا وعلى نطاق واسع في المجتمع الإسرائيلي.

وتتابع هاس قائلة: “تعمل هذه القوى وغيرها من القوى المماثلة، معا على خلق البنية التحتية المادية والأيديولوجية والنفسية داخل المجتمع الإسرائيلي اليهودي، تمهيدا لعملية تهجير جماعي أخرى للفلسطينيين، وما قد يصاحبها من مجازر جماعية”.

وقالت مهداوي إنها أشارت إلى هاس باعتبارها صحافية بارعة، ولأن الكاتبة من أصول فلسطينية، وتقتبس منها لأن هاس، بحكم كونها إسرائيلية، فهي شخصية جديرة بالاستماع إلى ما تقوله وقراءة ما تكتبه، أما بالنسبة للفلسطينيين، فقد كان العالم واضحا بأننا همجيون ولا يصدق أحد ما نقوله.

وتعلق مهداوي أن هذا التجريد من الإنسانية بحق الفلسطينيين والمنتشر بشكل واسع قاد إلى وقاحة شخص مثل بن غفير، فهو لم يصل إلى السلطة من فراغ، بل ساعده في ذلك مجتمع دولي منح إسرائيل حصانة تامة، كما تلقى الدعم والتحريض من منظمات إعلامية دولية ساهمت في تشويه صورة الفلسطينيين والتشكيك في مزاعمهم وتلفيق الموافقة على محو وجودهم وطردهم.

وحظي بدعم من مشرعين يخبروننا بضرورة الدفاع عن إسرائيل مهما كلف الأمر. والآن، في أرض غزة القاحلة، وفي المذابح الليلية التي يرتكبها المستوطنون الإسرائيليون في الضفة الغربية وفي تعطش بن غفير الصارخ للدماء، نشهد النتيجة الحتمية لهذا الدعم غير المشروط. بن غفير ليس حالة شاذة، بل هو من صنع المجتمع الدولي.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *