بين سرديتين تتشاطران لعبة التخّيل، والكتابة الفائقة، تؤدي اللغة وظائف بنيوية وسيميائية مُرّكبة، تتوزع بين التمثيل السردي، وبين الارتهان إلى ما هو دلالي، حيث تجسير الهوة بين التاريخي والسردي، أو بين الواقعي والمتخيل، ليس في تمثيل الأمكنة وهوياتها فقط، بل في «الكشف عن المُحتجَب» عبر الحفر في أنساقها، وعبر استدعاء العلامات التي تصطخب فيها، والحمولات التي تضع التاريخ إزاء خروقات لعبة السرد، وعلى نحوٍ تجعل منه مجالا لقراءات مضادة، ولغايات الكشف عن حكاياته، وعن المضمر في متخيله، وفي أبراجه، وفي تمثيل إحالاته السردية..
«رباعية المشروع البصرياثي» الكتاب الأخير للناقد مالك المطلبي الصادر عن الاتحاد العام للأدباء والكّتاب في العراق/ بغداد 2026، ينحني على قراءة موسعة لسرديات البصري محمد خضير، بوصفها مجالا مفتوحا على التجريب، وعلى التأليف الذي يُعنى بالمكان، في اضطرابه الأجناسي المُفارِق داخل لعبة السرد، وفي مقاربته لحساسية تمثيله لموضوعات الهوية والحرب والشخصيات والتاريخ، حيث عمد الناقد على الحفر في تلك السرديات، عبر قناع الحكواتي الذي «يحكي لنا سيرة هذه المدينة».
ما بين السارد محمد خضير والقارئ الناقد مالك المطلبي يتحول التأليف إلى إجراء ثقافي، وإلى مشروع يجمع بين القراءة والحفر المعرفي، حيث تذهب هذه القراءة إلى ما يشبه الأركولوجيا، يؤدي هذا القارئ من خلالها وظيفة الحّفار «داخل فضاءات مفترضة» ليس بحثا عن الغائب والمخفي فحسب، بل لإعادة هندسة «المتخيل السردي» في مقاربته للمكان، وعلاقته الغامضة بالهوية والحرب، حيث يعمد الناقد إلى التحري عن محمولات الأنساق المخفية التي أخفتها «مدينة محمد خضير» بوصفها مدينة حرب، وأبراج وهيروتوبيا وأحلام، وعلى نحوٍ يجعلها المؤلف وكأنها مدينة «للعجائب» مدينة تتسع للحكي، ولكل ما تصنعه «السرديات الموسعة» كما سمّاها المغربي سعيد الفلاق، حيث يتجاوز فيها «الجنس السردي» نفسه، والمكان هويته من العيان/ البصرة، إلى المتخيل/ بصرياثا، وحيث يرقب «المؤلف» سيرتها عبر الحكي، وليس عبر تدوين الغزاة، وحيث يتحول زمنها «السردي» إلى الزمن السائل الذي يصنعه أولئك الحكائون، أو «حائكو الكلام» حتى يبدو الأمر وكأن «المؤلف» أراد أن يصنع ذاكرة موازية، تتجاوز المكان الواقعي، إلى «اللامكان اليوتوبي» الخالد في الحكي، وفي إحياء سيرة «صانع الليالي» صاحب المجاز والتورية والقناع والكراسة..
القراءة والناقد الماكر
يُمكن توصيف مالك المطلبي بأنه «الناقد الماكر» الذي جاء إلى النص، وكأنه شغوفٌ بالبحث عن كنوز أسطورية، وعن حكايات قديمة للمدينة/ البصرة التي جاء من أبوابها الغزاة، وهذا ما جعل حفريات المطلبي، وبحثه عن البنى المؤسسة هو خيار معرفي، لتحويل القراءة إلى نبشٍ عميق، وإلى مجاورة ساخنة، يفقد فيها القارئ/ الناقد ألفته وبراءته، ليجعل من مكره النقدي مدخلا لاكتشاف أسرار تلك المدينة، وعمّا تُخفيه من حكي، وليس عبر ما في الوثائق أو المدونات أو في «التاريخات الرسمية». المطلبي يتجاوز صورة «الناقد المسلكي» في هذه الرباعية، ليقترب من سيرة المؤلف محمد خضير، ولكي يشاطره هواجس المخفي، والانحياز إلى هوية «الحّكاء» الذي يعمد إلى التورية والإخفاء، وإلى «الحدس»، حيث «يضعنا أمام عالم سردي مكثف، فيه من الإحالات الواسعة إلى السيرة والحروب والأساطير، مثلما فيه الشيفرات التي تؤكد صورته بأنه «حائك الكلام» وأن علاقته بالمدينة، محكومة بسرانية علاقته بحكاياتها..
الناقد والمؤلف يتوازيان في التمثيل، وفي أن تتحول حدوس الكتابة بينهما إلى تحيزات، تجمع بين « الدلالي والتناصي والتأويلي» ليس لتسويغ الحديث عن اللاتجنيس، بل لوضع القارئ «الشغوف بالمعرفة» إزاء إجراءات لا تتحكم بمفهوم السرد بوصفه تمثيلا للحكي، ولا بمفهوم النقد بوصفه حفرا فقط، بل إلى ما يُتيحانه من مجال لدراسة مدى تمثيلهما لفاعلية السرد وهي تواجه تاريخا صلبا كتبه المحاربون، فضلا عمّا تُتيحه من مجال دراسة المكان بوصفه أفقا تتسع فيه سلطة «حائك الكلام». هذه الثنائية جعلت من «رباعية المشروع البصرياثي» مجالا صاخبا، تتجاور فيه المعرفة مع التخيل، والتاريخ مع السرد، وميتافيزيقيا السرد مع الواقع، وعلى نحوٍ تبدو فيه هذه المجاورة وكأنها إجراء يعمد إلى تقويض البداهة، وإلى وضع المؤرخ الرسمي إزاء الحكواتي الساحر، وباتجاه يجعل من لعبة التقويض رهانا ماكرا على تجاوز المألوف، وعلى تحرير «الجنس الأدبي» من مركزياته القديمة، ومن الأثر الدامي الذي صنعته الحرب، حيث حوّلت المدينة من مكان للمكوث، إلى مكان دوستوبي، لا يمكن إعادة الحياة إليه إلا عبر التخيل، وعبر استعادة وظيفة الحكاء الذي ربط سيرة مدينته بـ»الجذر» والقصص والصور وبـ»ميتافيزيقا السرد». الانحياز إلى بطولة الحكائين، لا تدخل في سياق اصطناع تصادم افتراضي مع التاريخ، ومع الوثائق الرسمية، بل الذهاب إلى الانفتاح عبر السرد، من خلال تبّني إجراءات تقوم بها القراءات الحفرية، القراءة الخارقة للنسق، وعلى النحو الذي يجعل من التخيل السردي وكأنه يستبطن سلطة مخفية، هي سلطة الإغواء واستعادة المهمل، ليكون قريبا من حديث رولان بارت الذي وصفه بأنه الروح، أو الهواء الذي يوجد في كل شيء..
«المشروع البصرياثي» الرباعي لمؤلفه مالك المطلبي، يدخل في سياق تمثلات النقد المعرفي، أكثر من انشغالاته بإجراءات «النقد الثقافي» ولا حتى بالنقد البنيوي» رغم عنايته بدراسة البنى المؤسسة، لكنه كان هاجسه الكبير، وجزءا من مشروع قديم لم يكتمل بدأه مع الشاعر والناقد عبد الرحمن طهمازي في كتابهما المشترك «مرآة السرد» عام 1991 عن قصص محمد خضير في مجموعتيه «المملكة السوداء 1972 و» في 45 درجة مئوي» 1978.
لقد وجد المطلبي في سرديات محمد خضير رهانا على تمثيل قوة السرد، في «بصرياثا- صورة مدينة» و»فضاء الأبراج – رؤيا خريف» و»بحيرة الرئيس- كراسة كانون» و» ميتافيزيقا السرد- أحلام باصورا»، حيث تنخرط هذه القوة باشتغالات فلسفية وأنثروبولوجية وشعرية، يكون رهانها تمثيل السرد/، عبر خرق التاريخ والواقع والأيديولوجيا، وعبر إيضاح ما يمكن أن يؤديه السارد محمد خضير وهو يستدعي إلى لعبته/ كراسته/ مدينته عوالم متعددة، تتسع معها أدوات الكتابة، وإلى حيث ما يؤديه الناقد الأركيولوجي مالك المطلبي من خلالها، وهو يحفر في مستويات تلك اللعبة التناصية المفتوحة، بحثا عن الموارب خلف الحكي، وعن التشّكل المفارق في تمثيل التجنيس السردي، حيث يؤشر فاعلية «الذات الأدبية» وليست الذات التاريخية، كما يقول المطلبي، وهي تؤسس لإجراءات نظرته للمدينة التي يصنعها السرد، وللكراسة التي تتحول إلى ذاكرة وسيرة ونصوص موازية، يؤدي عبرها وظيفة الانزياح، أي إزاحة «المألوف وإحلال اللامألوف» كما يقول المطلبي، ولإبراز «ميتافيزيقيا السرد» بوصفه تحريرا للحلم، وتقويضا لمنطق ذلك المألوف…
ثنائية التأليف بين محمد خضير والمطلبي، بدت وكأنها صياغة متعالية لوضع النص في «سردياته الموسعة» إزاء القراءة، وإزاء ما تعنيه من استعداد وتلذذ، حيث التحريض على الانخراط في تلك الثنائية، بوصفها رهانا معرفيا في تمثيل «الكتابة الجديدة» عبر خرق أجناسيتها، ووضعها إزاء سلطة أقل براءة، يتلبسها القارئ والأركيولوجي والنقدي والعلاماتي، إذ تهدف القراءة الفاعلة إلى تعرية النص من مركزيته، ليكون إزاء احتمالات متعددة، تنظر له بوصفه نصا مختبريا، يدفعه ذلك القارئ إلى أن يتخلى عن ثقله القديم، عن ترسيماته الراسخة للزمن والمكان والشخصية، حتى يبدو مكشوفا لفائض المعنى كما يسميه ريكور، أو إلى الانكشاف أمام احتمالات متعددة، مشبوكة بإجراءات ومراجعات نقدية، يهدف من خلالها الناقد إلى تفكيك النمط السردي، وحتى نمط القراءة، عبر إحالات بنائية وسيميائية، وعبر إجراءات أركيولوجية، يتحرى فيها عن «جوهر المكان» في تحولاته، وفي تمثيله السردي، حيث يكشف من خلالها الناقد الإبدالات السردية التي دأب عليها محمد خضير في كتاباته الجديدة، في علاقاتها، وفي تمثيلها، وفي شغفها بالمطلق السردي الذي يبدأ من الشكل، ومن خرق مثالية الجنس السردي.
كاتب عراقي