السفارة الأمريكية في كييف 25 أيار 2026 (أ ف ب)
لندن- “القدس العربي”: طلبت موسكو من البعثات الدبلوماسية مغادرة العاصمة كييف في أقرب الآجال، ويبرز هذا المعطى أن الحرب قد تشهد منعطفا جديدا من خلال رغبة روسيا الحسم في إنهاء المواجهات الصيف المقبل حتى لا تتحول إلى حرب استنزاف طويلة على شاكلة فيتنام.
في هذا الصدد، كانت وزارة الخارجية الروسية قد أكدت اتصال عميدها سيرغي لافروف بنظيره الأمريكي ماركو روبيو بداية الأسبوع الجاري ليطلب منه ضرورة مغادرة الدبلوماسيين الأمريكيين العاصمة كييف، وتبين لاحقا أن الأمر حصل مع معظم الدول التي لديها سفارات في كييف. وكان الدبلوماسيون قد غادروا كييف في بداية الحرب بقرار من دولهم خوفا عليهم لأن لا أحد كان يعرف كيف ستتطور المواجهات العسكرية، إلا أن هذه المرة يأتي الطلب وبإلحاح من موسكو.
ولا يمكن فهم مثل هذه الرسالة التي تعتبر الأولى من نوعها منذ بدء الحرب في فبراير 2022 إلا بمثابة منعطف حربي تصعيدي من الجانب الروسي. وعمليا، تتعرض أوكرانيا ومنها العاصمة كييف إلى أقوى الهجمات العسكرية منذ نهاية الأسبوع الماضي. وبدأت روسيا في الرفع من استعمال أسلحة نوعية ومنها الصاروخ الباليستي أورشنيك القادر على حمل رؤوس نووية. وهذه هي المرة الثالثة التي تستخدم فيها موسكو صاروخا من هذا النوع، بعدما جرى استخدامه لأول مرة في نوفمبر 2024 ضد مصنع «يوزماش» في دنيبرو، بينما استُخدم للمرة الثانية في يناير 2026 ضد أهداف في منطقة لفيف المحاذية لبولندا. وإلى جانب هذا الصاروخ جرى استعمال صواريخ أخرى متطورة مثل إكسندر وكليبر في الهجوم الكبير نهاية الأسبوع الماضي. وتتساءل وسائل الإعلام الغربية ومنها بي بي سي عن الدوافع التي تقف وراء التصعيد الخطير ومطالبة الدبلوماسيين بمغادرة كييف.
ويرى الجانب الأوكراني كما جاء على لسان إيفان ستوباك وهو محلل ضابط سابق في الاستخبارات أن روسيا تعرضت للكثير من الخسائر ويعاني اقتصادها وتتفاقم المشاكل في المجتمع الروسي بسبب الحرب “ولهذا تريد الانتقام من خلال التصعيد”. ومن جانبه، يرى أندري كوفالينكو من مجلس الأمن القومي الأوكراني أن الأمر يتعلق بحملة ترهيبية نفسية ضد أوكرانيا.
غير أن التغيير الروسي في استراتيجية الحرب تقف وراءه دوافع عسكرية بالدرجة الأولى. في هذا الصدد، بدأت أوكرانيا تستعيد زخم صناعتها العسكرية من خلال أسلحة تقوم بتصنيعها وخاصة تطوير الطائرات المسيرة وبدأت تقصف أهدافا مدنية استراتيجية مثل محطات الوقود والكهرباء التي تزود مدنا كبرى مثل موسكو. وهذا تطور خطير للغاية لأنه ينقل الحرب الى الداخل الروسي بشكل مستمر بدل عمليات متقطعة في الزمان كما كان يحدث حتى مارس/آذار الماضي.
من جهة أخرى، بدأت روسيا تشعر أن هذه الحرب تحتاج إلى حسم عسكري قوي وإلا فإنها ستتحول الى فيتنام جديدة لموسكو، أي حرب ستستمر سنوات وستكون لها تبعات كبيرة على المجتمع الروسي الآن وخلال السنوات المقبلة. وكان مدير الاستخبارات الخارجية الروسية قد أكد أن الحرب ضد أوكرانيا ستتحول إلى فيتنام ثانية، إلا أن بعض منابر الصحافة مثل الجريدة الرقمية “ميدوزا” حذّرت من تحول الحرب إلى أفغانستان أو فيتنام ثانية لروسيا.
وعلاقة بالنقطة الأخيرة، بدأ يتضح أنه رغم التفوق الروسي في الميدان، إلا أن روسيا غير قادرة على حسم نهائي للحرب بسبب التغيير الحاصل في الحروب خلال السنوات الأخيرة.
وتدرك موسكو انشغال أمريكا بالحرب ضد إيران وأن معظم أقمارها الاصطناعية موجهة لمراقبة هذا البلد، وبالتالي لا تقدم الدعم اللوجيستي والاستخباراتي لأوكرانيا حول تموقع القوات الروسية، وهذا ما تراه موسكو فرصة لها.