بعد 42 عاماً … مهرجان الإسكندرية السينمائي يدخل النفق المُظلم


يبلغ العُمر الزمني لمهرجان الإسكندرية السينمائي لدول البحر المتوسط 42 عاماً، جرت خلالها أحداث كثيرة إبداعية وسينمائية وثقافية، إذ شهدت الدورات المُتتالية مراحل زهو ونجاح اكتسب بفضلها المهرجان الثقة الدولية والعالمية، فصار واحداً من المهرجانات السينمائية العريقة في منطقة البحر المتوسط، وبات للجمعية المصرية لكُتاب ونُقاد السينما، الجهة المُنظمة والراعية للفعاليات ثقل كبير بين الجمعيات الفنية المُعتمدة، خاصة في ظل رئاسة النُقاد الكبار، كمال الملاخ كمؤسس وأول رئيس للجمعية، وأحمد الحضري ورؤوف توفيق وممدوح الليثي وصولاً إلى الأمير أباظة.
ولأن دوام الحال من المحال، فقد تعرض المهرجان لعدة أزمات على مدى تاريخه، لكن في كل مرة كانت المُعالجة تتم بحلول مؤقتة كمُسكنات لعدم تفاقم الأزمات وتجنب الوصول إلى مُفترق الطُرق وتوقف الأنشطة إجبارياً.
ولكن أمام التراكم وعدم القُدرة على احتواء المُشكلات الكُبرى، زادت المُعضلات وانكشفت نقاط الضعف فأصبح من الصعب السكوت والكتمان والاستمرار في الأداء مع وجود أزمات حقيقية تهدد بالفعل مستقبل المهرجان في السنوات المُقبلة.
لقد برزت الآثار السلبية لحالة الإعياء التي مرّ بها مهرجان الإسكندرية خلال السنوات القليلة الماضية، ما دعا وزيرة الثقافة جيهان زكي إلى إصدار قرار بإيقاف الدورة 42 وعدم إقامتها في موعدها السنوي المُعتاد لحين التوصل لحلول جذرية للأزمات التي تنوعت وتعددت داخل جمعية كُتاب ونُقاد السينما، وانعكست بطبيعة الحال على المهرجان، وأثرت سلباً على رسالته وحالت دون استمراره بالكفاءة نفسها التي كان عليها قبل احتدام الأزمة وتراكم المُشكلات. وحسبما تم نشره في الصُحف وبعض المواقع، لم يشمل القرار الوزاري بتوقف الدورة 42 توقفاً كاملاً ومُطلقاً للمهرجان ككل، لأن ذلك يعني شطبه من سجل اتحاد المُنتجين الدوليين، وصعوبة عودته مرة أخرى حال انتظامه، لوجود معايير خاصة تتصل بمبدأ الثقة والانضباط والجدية في تنظيم الفعاليات ودقة الأداء، وعلاقة المهرجان بالدوائر الثقافية والسينمائية في محيط دول البحر المتوسط.

تلك المقومات والشروط ربما كانت بعيدة نوعاً ما عن ذهنية القائمين على نشاط المهرجان في السنوات الأخيرة الماضية، فجُل ما تم الاهتمام به هو إقامة الحفلات وتوزيع الدعوات والجوائز والبحث عن مصادر مؤقتة للتمويل لتجاوز الأزمة المالية، من دون التفكير في وضع خُطة استراتيجية بعيدة المدى تضمن للمهرجان استقراره ونهضته وقُدرته على المنافسة، رغم وجود نُذر كثيرة كانت تنبئ بما سوف تؤول إليه النتائج، إذا لم يتم الإسراع بابتكار حلول من خارج الصندوق، وعدم انتظار العصا السحرية ليتم بموجبها القضاء على كل الأزمات، مع التمسك الشديد بمقعد الرئاسة وخلق المزيد من التوترات بإلقاء اللوم على الآخرين.
لقد تبلورت مشكلة مهرجان الإسكندرية منذ عدة دورات فائتة، فلم تكن الدورة 42 هي العُقدة الأساسية وذروة المُشكلة، وإنما كانت نهاية المطاف في مسيرة حافلة بالعوائق وصور الإحباط واختلاف الآراء ووجهات النظر حول أسلوب الإدارة وطُرق التعامل مع الأمراض المُزمنة التي تُهدد بقاء المهرجان، كحدث ثقافي سينمائي دولي مهم يحتاج لمزيد من الدعم في إمكانية التفكير والتدبير، والسعي الدؤوب لإنقاذ ما يُمكن إنقاذه بعيداً عن المُبادرات الفردية والاجتهادات الشخصية، التي إذا أفلحت قدمت حلاً مؤقتاً لفترة محدودة، ليعود بعدها المهرجان سيرته الأولى، يبحث عن مُنقذ له من عثرات قديمة وجديدة تسبب فيها العمل الارتجالي، وعدم الدراية بشؤون الإدارة العلمية المدروسة للفعاليات الثقافية الكُبرى، التي يضطلع بها في كل دول العالم خُبراء وأساتذة كبار تجاوزوا بكثير مبدأ الاعتماد على نجاح الصُدفة، وضربات الحظ التي تُصيب حيناً وتخيب أحياناً.

ثمة مشكلة رئيسية قادت مهرجان الإسكندرية لسينما دول البحر المتوسط إلى حالة الضعف، التي وقف عندها وحالت دون الالتزام بإقامة الدورة الثانية والأربعين، وفق قرار وزيرة الثقافة جيهان زكي، تلك المشكلة تمثلت في استسهال الأزمات والتقليل من تأثيرها للإيحاء بأن كل شيء يسير على ما يرام، وإعطاء صورة هُلامية غير واقعية عما يدور داخل كواليس الجمعية المصرية لكُتاب ونُقاد السينما، وبالتبعية عدم وضوح الرؤية حول التفاصيل الخاصة بالمهرجان وما يتعلق بحاضره ومستقبله، فالحديث عن شُح التمويل اعتبروه سراً حربياً والصراعات المكتومة داخل أروقة الجمعية لم تخرج إلى النور، ولم تتم المُصارحة بها لأنها أمر معيب لا يجوز التصريح به، وهو ما عكس فعلياً غياب الشفافية وأدى إلى صعود مؤشر الخلافات والأزمات وأوصل المهرجان وطاقم العاملين فيه من مستشارين وأعضاء إلى طريق مسدود فكانت النتيجة كما ترجمها قرار الإيقاف بحجب الدورة 42 عن الإقامة والتنظيم والمشاركة حتى إشعار آخر.

كاتب مصري



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *